قال بعض الرافضة: «ومنها ما نذكره تلطيفًا وتمليحًا، وهو ما رواه الطبراني عن عائشة من قولها: «لما بلغني ما تكلموا به هَمَمْتُ أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه»، تعني: أنها أرادت أن تنتحر»([1]).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: من هَمَّ بسيئةٍ ولم يفعلْها كُتبت له حسنة
هذه الروايةُ تثبت الأجرَ والثواب لأم المؤمنين عائشة على مباني السنة والشيعة، فعند السنة أخرج البخاري في «صحيحه» من حديث ابْن عَبَّاسٍ ب، عَن النبِيِّ فِيمَا يَرْوِي عَن رَبِّهِ قَالَ: قَالَ: «إِن اللهَ كَتَبَ الْحَسَناتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّن ذَلِكَ، فَمَن هَمَّ بِحَسَنةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنةً كَامِلَةً، فَإِن هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنةً كَامِلَةً، فَإِن هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً»([2]).
وعند الشيعة أخرج الكليني عن أبي جعفر أن الله قال لآدم: «يَا آدَمُ، جَعَلْتُ لَكَ أَن مَن هَمَّ مِن ذُرِّيَّتِكَ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ»([3]).
إذًا فحسب عقيدة الرافضة فأم المؤمنين عائشة لا شيء عليها في مثل هذا الهَمِّ، وهي مأجورة على تراجعها عنه، وقد رووا عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله قال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ويضاعف الله لمن يشاء إلى سبعمائة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن لم يعملها كتبت له حسنة بتركه لفعلها، وإن عملها أُجِّل تسع ساعات، فإن تاب وندم عليها لم تكتب عليه، وإن لم يتب ولم يندم عليها كتبت عليه سيئة»([4])، فترك المعصية بعد الهم بها يؤجر عليه العبد في الشرع.
فإن قال جاهل: إن هذا -أي الهم بالانتحار- يأس من رحمة الله؛ قلنا: إن الشرع قد عفا عن هذه الأمة ما حدَّثت به نفسها، حتى ولو كان كفرًا، طالما أنه لم يخرج من دائرة الهم إلى العزم على فعل الشيء.
ثانيًا: قولها كان من شدة الابتلاء
هذه الرواية تُجَلِّي حجم المصيبة التي وقعت على ذاك القلب التقي النقي الغافل الطيب الطاهر، قلب أم المؤمنين عائشة ل، ويُبتلَى المرء على قدر دينه، وقد جاء عند الرافضة ما يبين ذلك بجَلاء.
قال الريشهري في «ميزان الحكمة»، وأذكر منها بعضها:
قال: «عنه -وقد سُئلَ عن ابتلاءِ المؤمن بالجُذامِ والبَرَصِ-: وهلْ كُتِبَ البلاءُ إلَّا على المؤمن؟! مَن لم يُبْتَلَ فهو مبغوضٌ عندَ الله».
قال زين العابدين: «إني لَأكرَهُ أن يُعافى الرَّجُلُ في الدُّنيا ولا يُصيبهُ شَيءٌ مِن الْمَصائبِ».
وقال رسولُ الله: «إن الله لَيُغذّي عَبدَهُ المؤمن بالبلاءِ كما تُغذِّي الوالِدَةُ ولَدَها باللَّبَن».
وعنه: «إذا أرادَ اللهُ بقَومٍ خَيرًا ابْتَلاهُم».
قال الباقرُ: «إن الله لَيَتعاهَدُ المؤمن بالبلاءِ كما يَتعاهَدُ الرَّجُلُ أهلَهُ بالهَدِيّةِ مِن الغَيبةِ، ويَحْميهِ من الدُّنيا كما يَحْمي الطّبيبُ المريضَ».
وعنه: «يُبتلى المرءُ على قَدْرِ حُبِّهِ».
قال العسكريُّ: «ما مِن بَلِيّةٍ إلَّا وللهِ فيها نعمَةٌ تُحيطُ بِها».
وعنه: «ما عاقَبَ اللهُ عَبدًا مؤمنا في هذهِ الدُّنيا إلَّا كان اللهُ أحْلَمَ وأمْجَدَ وأجْوَدَ وأكْرَمَ مِن أن يَعودَ في عِقابِهِ يومَ القيامةِ، البلاءُ عَلامةُ محبّةِ الله سبحانه».
وعن الصّادقِ: «إن اللهَ إذا أحَبَّ عبدًا غَتَّهُ بالبلاءِ غَتًّا».
وعنه: «إذا أحَبَّ اللهُ قَومًا أو أحبَّ عبدًا صَبَّ علَيهِ البلاءَ صَبًّا، فلا يَخرُجُ مِن غَمٍّ إلَّا وقَعَ في غَم، البلاءُ على قَدْرِ الإيمان».
وعن الصّادقِ: «إنما يُبتلَى المؤمن على قَدْرِ أعمالِهِ الحَسَنةِ، فمَن صَحَّ دينهُ وحَسُن عملُهُ اشْتدَّ بلاؤهُ، وذلكَ أن اللهَ لَم يَجعلِ الدُّنيا ثوابًا لمؤمن، ولا عُقوبةً لكافرٍ، ومَن سَخُفَ دِينهُ وضَعُفَ عملُهُ قلَّ بلاؤهُ»([5]).
إلى آخر تلك الروايات التي تبين عظيم إيمان أُمنا عائشة، وقدر محبة الله لها، وإرادة الخير بها، وأنه لا يكاد مؤمن يبتلى بمثل ما ابتليت به ل.
ثم إن النساءَ في خِلقتهن ضعيفاتٌ، ولذلك قالت مريم لما جاءها المخاض: [يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا] {مريم:23} فهل نقول عن هذا: إنه يأس من رحمة الله؟!
ثُمَّ أَلَمْ يَتَمَن علي بن أبي طالب أن أمه لم تلده؟!
فقد روى المجلسي في الرواية الطويلة أن عليًّا قال: «يا ليت السباع مزقت لحمي، وليت أمي لم تلدني ولم أسمع بذكر النار! ثم وضع علِيٌّ يده على رأسه وجعل يبكي ويقول: وابعد سفراه! واقلة زاداه! في سفر القيامة يذهبون في النار ويتخطفون، مرضى لا يعاد سقيمهم، وجرحى لا يداوى جريحهم، وأسرى لا يفك أسرهم، من النار يأكلون، ومنها يشربون، وبين أطباقها يتقلبون، وبعد لبس القطن مقطعات النار يلبسون، وبعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرنون»([6])، فهل يحق لنا أن نقول: إن هذا يأس من رحمة الله؟!
ثالثًا: انتحار أمهات وزوجات الأئمة
جاء عند الرافضة أن زوجة الإمام الحسين وأم الإمام زين العابدين قد انتحرتا بالفعل، كما ذكر ابن شهرآشوب في المناقب وغيره قال: «جَاءَتْ كِندَةُ إِلَى ابْن زِيَادٍ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ رَأْسًا وَصَاحِبُهُمْ قَيْسُ بْن الْأَشْعَثِ، وَجَاءَتْ هَوَازِن بِعِشْرِين رَأْسًا وَصَاحِبُهُمْ شِمْرُ بْن ذِي الْجَوْشَن، وَجَاءَتْ بَنو تَمِيمٍ بِتِسْعَةَ عَشَرَ رَأْسًا، وَجَاءَتْ بَنو أَسَدٍ بِتِسْعَةِ رُؤوسٍ، وَجَاءَ سَائِرُ الْجَيْشِ بِتِسْعَةِ رُؤوسٍ، فَذَلِكَ سَبْعُون رَأْسًا، وَجَاءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْن خَوَلِيُّ بْن يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ، وَجَاءُوا بِالْحَرَمِ أُسَارَى إِلَّا شَهْرَبَانويَهْ، فَإِنهَا أَتْلَفَتْ نفْسَهَا فِي الْفُرَاتِ»([7]).
رابعًا: كل الأئمة قد انتحروا
بوب الكليني في «الكافي» تبويبًا بعنوان «أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم»([8])، ورغم ذلك تراهم يذهبون إلى حتفهم، مع علمهم أن فيه هلاكهم، وهذا بيان مقتلهم كما ورد عند الرافضة:
1- علي بن أبي طالب: مات مقتولًا، وهو يعرف من سيقتله، ومتي سيقتل.
2- الحسن بن علي: مات مسمومًا من زوجته.
3- الحسين بن علي: مات مقتولًا يوم كربلاء.
4- علي بن الحسين: مات مسمومًا.
5- محمد بن علي بن الحسين: مات مسمومًا.
6- جعفر بن محمد بن علي: مات مسمومًا.
7- موسى بن جعفر: مات مسمومًا.
8- علي بن موسي: مات مسمومًا.
9- محمد بن علي بن موسى: مات مسمومًا.
10- علي بن محمد: مات مسمومًا.
11- الحسن بن علي: مات مسمومًا.
12- محمد بن الحسن العسكري المنتظر: ستقتله امرأة ذات لحية، وهو حيٌّ من 1200 سنة، ولا يُعرفُ له مكان، كما يعتقد الشيعة.
هكذا قال بعض الشيعة –وإن وقع النزاع في ذلك- عن أهل بيت النبي، أفلا يعد ذهاب الرجل إلى مقتله مع علمه انتحارًا؟
ونحن نبرئ آل بيت النبي من ذلك، كما نبرئ أُمَّنا عائشة .
اقرأ أيضا| قولها إني أحدثت بعد رسول الله حدثًا
([1]) الفاحشة (ص402).
([2]) صحيح البخاري (8/103).
([3]) الكافي (4/241). حسنه المجلسي في المرآة (11/312).
([4]) مسند الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع)، عزيز الله العطاردي (21/50).
([5]) منتخب ميزان الحكمة، محمد الريشهري (ص84).
([6]) بحار الأنوار (43/88)، (8/202).
([7]) المناقب، ابن شهرآشوب (4/112)، العوالم، عبد الله البحراني (ص307).
([8]) أصول الكافي، الكليني (1/258)، الفصول المهمة، الحر العاملي (ص155).
لتحميل الملف pdf