أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم الشيعة ركاكة حديث الثريد وكأن النبي لا هَمَّ له إلا بطنه!

قالت الشيعة: «إن كل مَن خَبِرَ الأحاديث الشريفة وتذوَّق طعمَها ووقف على لسانهَا البديعِ، يستبعِدُ أن يكون هذا الحديثُ الركيك المزعوم صادرًا حقًّا من سيد الفصحاء والبُلَغاء؛ ذلك لأنه بعيد عن أدبه، ولا يتجانس مع سائر ما صدر منه في سياق التفضيل، فلم يُعهد عنه ص، وهو من حَاز جوامع الكلم، استخدامُه مثل هذه الاستعارات والتشبيهات الركيكة في مقام المدح أو التفضيل، وكأنه -حاشاه- لا همَّ له إلا بطنه، فيضرب الأمثال بصنوف الطعام وأنواع المأكولات!

ثمّ إنا لا ندري لِمَ ضُرب المثل بالثريد دون غيره من صنوف الطعام مما ورد عنه مدحه أو التوصية بأكله، أو ذكر أنه كان أحب أنواع الطعام إليه صلى الله عليه وسلم.

فقد روى أحمد بن حنبل أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن»، وروى أيضًا عن أنس قال: «كان القرع من أحب الطعام إلى رسول الله»، وروى الصالحي الشامي عن أنس قوله: «كان أحبّ الطعام إلى رسول الله البقل»، فلِمَ لم نجده يشبه عائشة أو غيرها باللبن أو البقل أو القرع من هذا الباب؟!»([1]).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولاً: الحكم على الروايات ليس لكل من هَبَّ ودَبَّ.

الحكم على الروايات لا يُترك لأذواق من تربوا على العجمة الغربية، وفسدت أذواقهم وقلوبهم، وعايشوا الكفار، وسكنوا في بلادهم، واشتغلوا بالطعن في الإسلام والمسلمين.

قال ابن القيم: «وَإِنمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَن تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السُّنن الصَّحِيحَةِ وَاخْتَلَطَتْ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ، وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنن وَالآثَارِ، وَمَعْرِفَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنهَى عَنهُ، وَيُخْبِرُ عَنهُ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ، وَيَكْرَهُهُ، وَيُشَرِّعُهُ لِلأُمَّةِ؛ بحَيْثُ كَأَنهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ كَوَاحِدٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَمِثْلُ هَذَا يُعْرفُ مِن أَحْوَالِ الرَّسُولِ وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَن يُخْبِرَ بِهِ، وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ»([2]).

ثانيًا: لا يصح الاحتكام إلى الجهل، فعدم الفهم ليس دليلاً على غلط المثال.

عدم فهم الرافضي للمثل من أدلة انتكاسه وطَبْعِ اللهِ على قلبه، قال تعالى: [وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ] {العنكبوت:43}، فقد أقر الرافضي بجهله -كونه لا يفهم الأمثال- بل لا يدري أن المدار في المثل هو كونه مفيدًا لما يريد المتكلم تحقيقه، فيقدح في ذهن السامع المعنى الذي أراده المتكلم، من غير فرق بين حقير الأشياء وكبيرها، ومنه قوله تعالى: [ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ ] {البقرة:26}.

ثالثًا: الجهلُ مُرْدٍ لصاحبه

قوله: «وكأنه -حاشاه- لا همَّ له إلا بطنه، فيضرب الأمثال بصنوف الطعام وأنواع المأكولات».

هذا غاية الجهل من ذاك الضال المضل، الذي لا يدري أن المواعظ والأمثال والكلمات الحكيمة تؤثر في القلوب المعتدلة تأثيرًا إيجابيًّا، وفي العقول المنتكسة تأثيرًا سلبيًّا.

ونحن نلزمه بالمثل الذي ذكره الله في كتابه عن الذباب، فهل كان الله -تعالى ذكره- لما ذكر الذباب والبعوض لا هم له إلا ما يقع على النجاسات؟ -عياذًا بالله- من قول الكفر، وهل ضرب المثل بالعنكبوت لم يكن إلا لضعْفِه؟ -عياذًا بالله-، أم أنه لما ضرب المثل بالزيتون كان يحتاج للطعام؟

وفي الجعفريات بإسناده عن علي بن أبي طالب قال: «قال رسول الله: فضْلُنا أهلَ البيت على سائر الناس كفضل دهن البنفسج على سائر الأدهان»([3]).

فهذه الرواية في نصها عين ما يريد الرافضي الاستهزاء به، فرجع الطعن إلى قلبه جزاءً وفاقًا، فنقول: إن الرواية فيها تشبيه ركيك في مقام المدح ولا يليق بأهل البيت، إلا إذا أقررت أن أهل البيت أعاجم وأنت العربي الوحيد!!

رابعًا: إن كان التشبيه في حديث النبي ركيكًا، فما قوله فيما يأتي..؟!

1. الإمام يُشَبِّهُ المرأةَ بالكلب إذا أراد أن يبول!

أخرج الطوسي في تهذيب الأحكام عن أبي عبد الله قال: «قلت له: المرأة ترى الطُّهر وترى الصُّفرة أو الشيء فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال: فإذا كان كذلك، فلتقم فلتلصِقْ بطنها إلى حائط، وترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد أن يبول، ثم تدخل الكرسف، فإذا كان ثمة من الدم مثل رأس الذباب خرج، فإن خرج دم فلم تطهر، وإن لم يخرج فقد طهرت»([4]).

أرأيت ما نسبوه زورًا وكذبًا لجعفر الصادق، وهو أنه يأمر المرأة أن تُلصقَ بطنها إلى حائط، وترفع رجلها على حائط، ويقول: «كما رأيت الكلب يصنع»، فهل هذا كلام يُنسبُ إلى أهل بيت نبينا؟!

ثم يَترُكُ هذا الرافضي ذاك الخُبْث الموجود في كتبه، ويأتي إلى أهل الإسلام، ويزعم أنه يصحح لهم كتبهم بذوقه العالي!!

2. قولهم: علي بن أبي طالب هو البعوضة.

ومن الطَّوَام قولُهم: «إن هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فالبعوضة أمير المؤمنين، وما فوقها رسول الله »([5]).

فأنتم هنا جعلتم عليًّا هو البعوضة، مع أن المثل يُضرب لتقريب وتصوير المعنى للذهن، وليس لانطباق كل مفرداته وحقيقته على المضروب له المثل، ولكنكم أعاجم سبئية جعلتم علي بن أبي طالب بعوضة، بَيْدَ أن الأمثال هي محاولةُ تجسيد حسي في خيال السامع، وهذا أبلغ في البيان.

خامسًا: ضرب الأمثال هدفه تقريب المقال

المثل لا ينطبق على ما يراد أن يمثل له واقعًا، بل لا يعدو الأمر إلا وجود ارتباط في المعنى بينهما من وجهٍ ما، وهو مورد ضرب المثل، والغاية المتوخاة منه، وعليه: فليس في ضرب المثل بالثريد في كونه أحبَّ الطعام عند العرب وأفضلَه عند رسول الله وقد جمع بين أفضل الأقوات وأفضل الإدام معًا- أي عيب، بل هو غاية البلاغة وحسن التشبيه.

قال ابن القيم: «وَالثَّرِيدُ وَإِن كَان مُرَكَّبًا، فَإِنهُ مُرَكَّبٌ مِن خُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَالْخُبْزُ أَفْضَلُ الْأَقْوَاتِ، وَاللَّحْمُ سَيِّدُ الْإِدَامِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَكُن بَعْدَهُمَا غَايَةٌ»([6]).

سادسًا: لماذا ضرب النبي المثل بالثريد؟

أما جواب قوله: «لمَ ضرب المثل بالثريد دون غيره من اللبن أو القرع؟».

1. فالثريد هو أجل أطعمة العرب.

يضرب النبي المثل بشيء هو الأشهر على الإطلاق في المحبة عند العرب، وهو الذي اتفقت عليه العرب، بل هو أجل طعامهم.

قال السندي في حاشيته: «الثَّرِيد هُوَ أفضل طَعَام الْعَرَب؛ لِأَنهُ مَعَ اللَّحْمِ جَامعٌ بَين اللَّذَّة وَالْقُوَّة، وسهولة التَّناوُل، وَقلة الْمُؤْنة فِي المضغ؛ فَيُفِيد أَنهَا جَامِعَة لحسن الْخلق، وحلاوة الْمنطق وَنحْو ذَلِك»([7]).

وقال السيوطي: «كان أجَلَّ أطعمتِهم يومئذٍ»([8]).

وفي سفينة البحار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكلتم الثريد فكلوا من جوانبه، فإن الذروة فيها البركة».

وقال: «الثريد بركة».

وقال: «بورك لأمّتي في الثرد والثريد»([9]).

2. وجه المشابهة وفائدة المثل

قال ابن الجوزي: «الْعَرَبُ تفضل الثَّرِيد؛ لِأَنهُ أسهل فِي التَّناوُل، وَلِأَنهُ يَأْخُذ جَوْهَر المرق»([10]).

وقال المظهري: «ثم إنه جمعَ بين الغذاء واللذة والقوة، وسهولة الأخذ، وقلة الْمُؤْنة في الْمَضْغ، وسُرعة المرور في الحُلْقوم والمَرِيء، فضربَ رسولُ الله  بها الْمَثَل؛ ليعرِّفَ أنها جَمَعَتْ خِصالَ الكمال، وهي حُسن الخُلق والمعاشرة، وحلاوة الْمَنطِق، وفَصَاحة اللسان، ورَزَانة العقل، والتحبُّب إلى الزوج، وغيرها من أنواع الكمال، كما اجتمع في الثريد ما ذُكر من أنواع الكمال في الأغذية الشريفة، والنساء الأُخر بمثابة الطعام الذي هو الحِنطة، فكما أنها تحتاج إلى أشياءَ كثيرةٍ حتى تصلُح للتغذِّي بها كما ذُكر، فكذا النساء يحتجن خصالًا كثيرةً؛ ليظهر فيهن حسن المعاشرة وغير ذلك، فإذا عرفتَ أن الثريدَ أفضلُ الطعام؛ فاعرفْ أن عائشةَ ل أفضلُ النساء»([11]).

اقرأ أيضا| تحريض الجونيَّةِ على الاستعاذة من رسول الله 

([1]) الفاحشة (ص292 - 293).

([2]) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص44).

([3]) جامع أحاديث الشيعة، البروجردي (16/668).

([4]) تهذيب الأحكام، الطوسي (1/161).

([5]) نور الثقلين، للحويزي (1/45).

([6]) الطب النبوي، ابن القيم (ص221).

([7]) حاشية السندي على سنن النسائي، محمد بن عبد الهادي (7/68).

([8]) التوشيح شرح الجامع الصحيح (5/2200).

قال التُّورِبِشْتِي: «الثريد أشهى الأطعمة عند العرب، شبهت به عائشة؛ لأنها أعطيت من حلاوة المنطق وعذوبة الحديث، والتحبُّب إلى رسول الله ق ما لم يُعْطَ غيرها» (منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري، حمزة محمد قاسم (4/201).

([9]) سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، عباس القمي (1/494).

([10]) كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/415).

([11]) المفاتيح في شرح المصابيح، مظهر الدين الزَّيْداني (6/334).


لتحميل الملف pdf

تعليقات