يقول الرافضي: «ومن نماذج ما جاءت به عائشة مما انطلى على العقول والأذهان، زعمها أن النبي الأعظم ص استشهد بين سحرها ونحرها، أو بين حاقنتها وذاقنتها! أي أنها كانت أقرب الناس عهدًا به -صلى الله عليه وآله-»([1]) ثم ساق عدة روايات، وزعم أنها تبطل هذه الحقيقة.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: فساد الدليل وبطلانه:
جميع الروايات التي فيها أن النبي توفي ورأسه في حجر علي بن أبي طالب لا تصح، وقد اختلقها الشيعة نصرة لمذهبهم، قال الحافظ في «الفتح»: «وَكُلُّ طَرِيقٍ مِنهَا لَا يَخْلُو مِن شِيعِيٍّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ»([2]).
ولنستعرض تلك الروايات لنرى ما فيها:
الرواية الأولى:
أخرجها البزار في مسنده عَن عُبَيْدِ اللهِ بْن أَبِي رَافِعٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَقُولُ لِعَلِيٍّ: «اللهَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ. اللهَ، وَالصَّلاةَ». فَكَان آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ »([3]).
ضعيفة جدًّا، في إسنادها مجاهيل:
- غسان بن عبد الله: مجهول، قال الهيثمي: «رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ غَسَّان بْن عَبْدِ اللهِ، وَلَمْ أَجِدْ مَن تَرْجَمَهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ»([4]).
- يوسف بن نافع: مجهول الحال، قال الحافظ: «أبو يعقوب التوأم، آخر اسمه يوسف بن نافع، بصري مستور من العاشرة تمييز»([5]).
الرواية الثانية:
أخرجها الإمام أحمد في مسنده عَن أُمِّ مُوسَى، عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ، إِن كَان عَلِيٌّ لَأَقْرَبَ الناسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ . قَالَتْ: عُدْنا رَسُولَ اللهِ غَدَاةً بَعْدَ غَدَاةٍ يَقُولُ: «جَاءَ عَلِيٌّ؟» مِرَارًا، قَالَتْ: وَأَظُنهُ كَان بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ. قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ فَظَننتُ أَن لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنا مِن الْبَيْتِ، فَقَعَدْنا عِندَ الْبَابِ، فَكُنتُ مِن أَدْناهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُناجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَان أَقْرَبَ الناسِ بِهِ عَهْدًا»([6]).
ضعيف:
ضعفه محققو مسند أحمد بأم موسى، فقالوا: «إسناده ضعيف، أمُّ موسى: وهي سُرِّيَّةُ عليِّ بن أبي طالب، تفرَّد بالرواية عنها مُغيرة، وهو ابن مِقْسَم الضَّبِّي، وذكرها العجلي في «ثقاته»، وقال الدارقطني حديثُها مستقيم يخرّج حديثها اعتبارًا»([7]).
وفيه علة أخرى، وهو المغيرة بن مقسم، مدلس ولم يصرح بالسماع، ولم يصرح بالسماع من أم موسى عند أحد من مخرجي الحديث، فتحسين بعض المعلقين لإسناده غير حسن؛ وعلى رأسهم الحاكم، فإن تصحيحه منفردٌ لا يعتد به عند أهل العلم.
قال ابن القيم: «قَالُوا: وَأما تَصْحِيح الْحَاكِم فَكَمَا قَالَ الْقَائِل:
فأصبحت من ليلى الْغَدَاة كقابض
على الْمَاء خانته فروج الْأَصَابِع
وَلَا يعبأ الْحفاظُ أطباءُ علل الحَدِيث بتصحيحِ الْحَاكِم شَيْئًا، وَلَا يرفعون بِهِ رَأْسًا الْبَتَّةَ، بل لَا يعدل تَصْحِيحه وَلَا يدل على حسن الحَدِيث، بل يصحح أَشْيَاء مَوْضُوعَة بِلَا شكّ عِند أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وَإِن كَان من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ لَا يعرف ذَلِك، فَلَيْسَ بمعيار على سنة رَسُول الله، وَلَا يعبأ أهل الحَدِيث بِهِ شَيْئًا»([8]).
وعلى فرض صحة الرواية، فليس فيها أصلًا الشاهد الذي يثبت ادعاء الرافضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات ورأسه في حجر علي بن أبي طالب!
ومتن الرواية يمكن تأويله بما لا يخالف الصحيح، فقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «وَمِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَلِيٌّ آخِرُهُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللهِ، وَالْحَدِيثُ عَن عَائِشَةَ أَثْبَتُ مِن هَذَا، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ آخِرَ الرِّجَالِ بِهِ عَهْدًا، وَيُمْكِن الْجَمْعُ بِأَن يَكُون عَلِيٌّ آخِرَهُمْ عَهْدًا بِهِ، وَأَنهُ لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى مَالَ، فَلَمَّا مَالَ ظَن أَنهُ مَاتَ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ أَن تَوَجَّهَ فَأَسْندَتْهُ عَائِشَةُ بَعْدَهُ إِلَى صَدْرِهَا فَقُبِضَ»([9]).
الرواية الثالثة:
أخرجها ابن سعد في طبقاته بسنده عَن أَبِي غَطَفَان قَالَ: «سَأَلْتُ ابْن عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ تُوُفِّيَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ أَحَدٍ؟
قَالَ: تُوُفِّيَ وَهُوَ لَمُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ. قُلْتُ: فَإِن عُرْوَةَ حَدَّثَني عَن عَائِشَةَ أَنهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ بَيْن سَحْرِي وَنحْرِي! فَقَالَ ابْن عَبَّاسٍ: أَتَعْقِلُ؟ وَاللهِ لَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَإِنهُ لَمُسْتَندٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ وَأَخِي الْفَضْلُ بْن عَبَّاسٍ، وَأَبَى أَبِي أَن يَحْضُرَ وَقَالَ: إِن رَسُولَ اللهِ كَان يَأْمُرُنا أَن نسْتَتِرَ، فَكَان عِندَ السِّتْرِ»([10]).
ضعيف جدًّا:
- فيها الواقدي، وهو متروك، قال الحافظ ابن حجر: «متروك مع سعة علمه»([11]).
- وفيها سليمان بن داود بن الحصين، وهو لا يعرف، أورده ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا([12])، وقال الحافظ ابن حجر: «وسليمان لا يُعرف حاله»([13]).
الرواية الرابعة:
أخرجها ابن سعد في طبقاته عَن جَابِرِ بْن عَبْدِ اللهِ الأَنصَارِيِّ، أَن كَعْبَ الأَحْبَارَ قَامَ زَمَن عُمَرَ فَقَالَ وَنحْن جُلُوسٌ عِندَ عُمَرَ أَميرِ الْمُؤْمِنين: «مَا كَان آخِرُ ما تَكَلَّمَ بِهِ رسولُ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: سَلْ عَلِيًّا. قَالَ: أَيْن هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُنا. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَسْندْتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مَنكِبِي فَقَالَ: «الصَّلاةَ الصَّلاةَ!» فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ الأَنبِيَاءِ، وَبِهِ أُمِرُوا، وَعَلَيْهِ يُبْعَثُون. قَالَ: فَمَن غَسَّلَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنين؟ قَالَ: سَلْ عَلِيًّا»([14]).
موضوع:
- فيه الواقدي، وحرام بن عثمان، قال ابن حجر: «قال مالك ويحيى: ليس بثقة. وقال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الشافعي وَغيره: الرواية عن حرامٍ حرامٌ. وقال ابن حبان: كان غاليًا في التشيع، يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. وقال إبراهيم بن يزيد الحافظ: سألت يحيى بن مَعِين عن حرامٍ فقال: الحديث عن حرامٍ حرامٌ، وكذا قال الجُوزَجَاني»([15]).
الرواية الخامسة:
أخرجها ابن سعد في طبقاته عَن الشَّعْبِيِّ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، وَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ مُحْتَضِنهُ، وَأُسَامَةُ يُناوِلُ الْفَضْلَ الْمَاءَ»([16]).
ضعيف جدًّا مع انقطاعه:
- فيه الواقدي، أبو الجويرية، قال الحافظ: «قال الأزدي: لين لا يقوم حديثه»([17])، وأبوه لم أجد له ترجمه، فضلًا عن الانقطاع؛ فالشعبي لم يدرك هذا الزمان.
الرواية السادسة:
أخرجها ابن سعد في طبقاته عَن عَلِيِّ بْن حُسَيْن قَالَ: «قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ»([18]).
ضعيف لانقطاعه:
- فيه الواقدي، علي بن الحسين ولد في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وهذا انقطاع ظاهر في الرواية.
الرواية السابعة:
أخرجها ابن سعد في طبقاته قال: «أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْن عُمَرَ، حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ ابْن مُحَمَّدِ بْن عُمَرَ بْن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ فِي مَرَضِهِ: «ادْعُوا لِي أَخِي» قَالَ: فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ، فَقَالَ: «ادْن مِني»، فَدَنوْتُ مِنهُ، فَاسْتَندَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَندًا إِلَيَّ وَإِنهُ لِيُكَلِّمُني حَتَّى إِن بَعْضَ رِيقِ النبِيِّ لَيُصيِبُني، ثُمَّ نزَلَ بِرَسُولِ اللهِ وَثَقُلَ فِي حِجْرِي، فَصِحْتُ: يَا عَبَّاسُ، أَدْرَكَني فَإِني هَالِكٌ، فَجَاءَ الْعَبَّاسُ فَكَان جَهْدُهُمَا جَمِيعًا أَن أَضْجَعَاهُ»([19]).
ضعيف مع انقطاعه:
- الواقدي، قال الحافظ: «فِيهِ انقِطَاعٌ مَعَ الْوَاقِدِيِّ، وَعَبْدُ اللهِ فِيهِ لِين»([20])، وضعفه السيوطي والمتقي الهندي([21])، وقال محمد الخضر الشنقيطي: «وفي لفظه نكارة»([22])، وقال الألباني: «قلت: وهذا إسناد موضوع؛ آفته محمد بن عمر (وهو الواقدي) كذاب؛ كما تقدم مرارًا، وعبد الله بن محمد بن عمر العلوي مقبول كما في «التقريب»، وأما أبوه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب فثقة، لكن روايته عن جده مرسلة كما قال الحافظ. وقال: فيه انقطاع؛ مع الواقدي، وهو متروك، وعبد الله فيه لين»([23]).
الرواية الثامنة:
أخرجها أبو يعلى في مسنده عَن جَمِيعِ بْن عُمَيْرٍ: «أَن أُمَّهَ وَخَالَتَهُ دَخَلَتَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنين، كَيْفَ كَانتْ إِحْدَاكُن تَصْنعُ إِذَا هِيَ حَاضَتْ؟
قَالَتْ: «تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارًا، ثُمَّ يَلْتَزِمُ النبِيُّ بَطْنهَا وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ».
قَالَتَا: كَيْفَ يَغْتَسِلُ؟
قَالَتْ: «يُفِيضُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَنجِي، ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا.
قَالَتْ: وَأَمَّا نحْن فَنفِيضُ خَمْسًا مِن أَجْلِ الضُّفُرِ».
قَالَتَا: فَأَخْبِرِينا عَن عَلِيٍّ.
قَالَتْ: «أَيَّ شَيْءٍ تَسْأَلْن عَن رَجُلٍ وَضَعَ يَدَهُ مِن رَسُولِ اللهِ مَوْضِعًا فَسَالَتْ نفْسُهُ فِي يَدِهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي دَفْنهِ فَقَالَ: إِن أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ مَكَان قُبِضَ فِيهِ نبِيُّهُ». قَالَتَا: فَلِمَ خَرَجْتِ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: «أَمْرٌ قُضِيَ لَوَدِدْتُ أَن أَفْدِيَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ»([24]).
ضعيف جدًّا:
قال الهيثمي: «رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِمْ، وَأُمُّ جُمَيْعٍ وَخَالَتُهُ لَمْ أَعْرِفْهُمَا»([25])، وقال ابن كثير: «مُنكَرٌ جِدًّا، وَفِي الصَّحِيحِ مَا يَرُدُّ هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ»([26]).
قلت: فيه جميع بن عمير، مختلف فيه، وصدقة بن سعيد، مختلف فيه، وأم وخالة جميع بن عمير، مجاهيل، مع مخالفته لما ثبت في الصحيح.
وقال الألباني: «قلت: وهذا إسناد ضعيف وله ثلاث علل:
الأولى: جميع بن عمير -وهو التيمي الكوفي- مختلف فيه، قال الذهبي في الضعفاء: «روى الناس عنه وأحسبه صادقًا، وقد رماه بعضهم بالكذب، فالله أعلم»، وقال في الكاشف: «واه»، وقال: «فيه نظر»، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق يخطئ ويتشيع».
الثانية: صدقة بن سعيد، مختلف فيه أيضًا، قال البخاري: «عنده عجائب»، وضعفه ابن وضاح، وقال الساجي: «ليس بشيء» وقال أبو حاتم: «شيخ» وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الكاشف: «صدوق» وقال الحافظ في التقريب: «مقبول».
قلت: وهذا هو الأقرب أن حديثه مقبول عند المتابعة، وضعيف عند التفرد.
الثالثة: الاضطراب في متنه....»([27]).
الرواية التاسعة:
أخرجها ابن عساكر في تاريخه عن علقمة الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله -وهو في بيتها لما حضره الموت-: «ادعوا لي حبيبي»، فدعوت له أبا بكر، فنظر إليه، ثم وضع رأسه، ثم قال: «ادعوا لي حبيبي»، فدعوا له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه، ثم قال: «ادعوا لي حبيبي»، فقلت: ويلكم ادعوا لي علي بن أبي طالب، فوالله ما يريد غيره، فلما رآه أفرد الثوب الذي كان عليه، ثم أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه»([28]).
ضعيف جدًّا:
قال الألباني: «عبد الله بن مسلم الملائي؛ لم أجد له ترجمة... فهو متروك؛ كما قال النسائي وغيره، قلت: وهذا من أكاذيبه -أو على الأقل: من أوهامه الفاحشة»([29]).
واستدلت الإمامية بما ورد في النهج عن أمير المؤمنين؛ حيث ذكروا عن علي أنه قال: «وفاضت بين نحري وصدري نفسك»([30]).
وقال أيضًا: «ولقد قبض رسول الله -صلى الله عليه وآله- وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي...»([31]).
وهذا الكتاب بأسره مكذوب على علي بن أبي طالب ، فضلًا عن انعدام أسانيده، قال الإمام الذهبي في ترجمة المرتضى علي بن حسين بن موسى الموسوي (المتوفى سنة436هـ): «قُلْتُ: هُوَ جَامعُ كِتَابِ (نهْجِ البلاغَة)، المنسوبَة أَلفَاظُه إِلَى الإِمَامِ عَلِيّ ، وَلَا أَسَانيدَ لِذَلِكَ، وَبَعْضُهَا بَاطِلٌ، وَفِيهِ حقٌّ، وَلَكِن فِيهِ مَوْضُوعَاتٌ حَاشَا الإِمَامَ مِن النطْقِ بِهَا، وَلَكِن أَيْن الْمُنصِفُ؟! وَقِيلَ: بَلْ جَمْعُ أَخِيهِ الشَّرِيف الرَّضي... وَفِي توَالِيفه سَبُّ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ ق، فَنعُوذُ بِاللهِ مِن علمٍ لَا ينفع»([32]).
وقال أيضًا: «ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين على، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر، وعمر، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين، جزم بأن الكتاب أكثره باطل»([33]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فَأَكْثَرُ الْخُطَبِ الَّتِي يَنقلُهَا صَاحِبُ كتاب «نهْجِ الْبَلَاغَةِ» كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَلِيٌّ ا أَجَلُّ وَأَعْلَى قَدْرًا مِن أَن يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ، وَلَكِن هَؤُلَاءِ وَضَعُوا أَكَاذِيبَ وَظَنوا أَنهَا مَدْحٌ، فَلَا هِيَ صِدْقٌ وَلَا هِيَ مَدْحٌ، وَمَن قَالَ: إِن كَلَامَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِن الْبَشَرِ فَوْقَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَكَلَامُ النبِيِّ ق فَوْقَ كَلَامِهِ، وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ...
وَأَيْضًا فَالْمَعَاني الصَّحِيحَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ عَلِيٍّ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، لَكِن صَاحِبَ كتاب «نهْجِ الْبَلَاغَةِ» وَأَمْثَالَهُ أَخَذُوا كَثِيرًا مِن كَلَامِ الناسِ فَجَعَلُوهُ مِن كَلَامِ عَلِيٍّ، وَمِنهُ مَا يُحْكَى عَن عَلِيٍّ أَنهُ تَكَلَّمَ بِهِ، وَمِنهُ مَا هُوَ كَلَامٌ حَقٌّ يَلِيقُ بِهِ أَن يَتَكَلَّمَ بِهِ، وَلَكِن هُوَ فِي نفْسِ الْأَمْرِ مِن كَلَامِ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ «الْبَيَان وَالتَّبْيِين» لِلْجَاحِظِ وَغَيْرِهِ مِن الْكُتُبِ كَلَامٌ مَنقُولٌ عَن غَيْرِ عَلِيٍّ، وَصَاحِبُ كتاب «نهْجِ الْبَلَاغَةِ» يَجْعَلُهُ عَن عَلِيٍّ.
وَهَذِهِ الْخُطَبُ الْمَنقُولَةُ فِي كِتَابِ «نهْجِ الْبَلَاغَةِ» لَوْ كَانتْ كُلُّهَا عَن عَلِيٍّ مِن كَلَامِهِ لَكَانتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذَا الْمُصَنفِ، مَنقُولَةً عَن عَلِيٍّ بِالْأَسَانيدِ وَبِغَيْرِهَا، فَإِذَا عَرَفَ مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَنقُولَاتِ أَن كَثِيرًا مِنهَا -بَلْ أَكْثَرَهَا- لَا يُعْرَفُ قَبْلَ هَذَا، عُلِمَ أَن هَذَا كَذِبٌ، وَإِلَّا فَلْيُبَيِّن الناقِلُ لَهَا فِي أَيِّ كِتَابٍ ذُكِرَ ذَلِكَ؟ وَمَن الَّذِي نقَلَهُ عَن عَلِيٍّ؟ وَمَا إِسْنادُهُ؟ وَإِلَّا فَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ لَا يَعْجِزُ عَنهَا أَحَدٌ.
وَمَن كَان لَهُ خِبْرَةٌ بِمَعْرِفَةِ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالْمَنقُولِ بِالْأَسَانيدِ، وَتَبَيُّن صِدْقِهَا مِن كَذِبِهَا، عَلِمَ أَن هَؤُلَاءِ الَّذِين يَنقُلُون مِثْلَ هَذَا عَن عَلِيٍّ مِن أَبْعَدِ الناسِ عَن الْمَنقُولَاتِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْن صِدْقِهَا وَكَذِبِهَا»([34]).
والكتاب جُمع بعد وفاة علِي ا بقرابة أربعة قرون، فالشريف الرضي توفي سنة (406هـ)، وأمير المؤمنين علي توفي سنة (40هـ)، وليس هناك إسناد متصل بينه وبين علِي، وكتابٌ هذا حالُهُ لا يستدِل بِه إلا مجنون.
وأما عند الرافضة فالقوم باعترافهم لا يملكون لكتاب نهج البلاغة إسنادًا، بل قالوا: «إن الكتب التي نقل عنها الشريف المرتضي هذا الكتاب قد ضاعت؛ وبالتالي فلا يمكننا معرفة تلك الأسانيد، إلا أن ثقتهم بجامع الكتاب جعلتهم يصدقون نسبة الكتاب إلى علي بن أبي طالب ا»([35]).
وبناء على ما سبق بيانه من فساد كل ما استدل به الرافضي من أدلة على دعواه، فإن الذي ثبت بالتواتر عندَ أمة الإسلام أن النبي ق مات في حجر أم المؤمنين عائشة كما هو الثابت في الصحيحين: «عن إبراهيم بن الأسود قَالَ: ذَكَرُوا عِندَ عَائِشَةَ أَن عَلِيًّا كَان وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟! فَقَدْ كُنتُ مُسْندَتَهُ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: فِي حِجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انخَنثَ فِي حِجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ»([36]).
فتلك الفضيلة الثابتة لأم المؤمنين عائشة التي مفادها أن خاتمة رسول الله السعيدة وحضور ملائكة الله الكرام، وذاك المحفل الهائل في الأرض وفي السماء فرحًا بسعادة نبينا الأبدية في جنة الفردوس عند مليك مقتدر بعد طول عناء الدنيا، فلم يكن من الممكن أن يختم الله لنبيه تلك الدنيا إلا مع حبيبِ قلبه، وبين يدي أخص وأخلص وأحب خلق الله إليه، ولم ينل تلك الفضيلة إلا أم المؤمنين عائشة، وهذا هو الثابت المتواتر عند أهل الإسلام قاطبة.
ثانيًا: وردت رواية عند الرافضة توافق رواية عائشة
جاء عند الرافضة ما يؤيد ذلك؛ ففي كتاب الجعفريات قال: «أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْن مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَني مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ جَعْفَرِ بْن مُحَمَّدٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ عَلِيِّ بْن الْحُسَيْن قَالَ حَدَّثَني أَبِي أَن أَبَا ذَرٍّ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَسَندْتُهُ، فَكَان مُتَسَاندًا إِلَى صَدْرِي، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْن أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «أَدْن إِلَيَّ عَلِيًّا فَأَتَسَاندَ إِلَيْهِ؛ فَإِنهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنكَ»، فَقَالَ: فَقُمْتُ وجَزِعْتُ مِن ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَ: «أَبَا ذَرٍّ، اجْلِسْ بَيْن يَدَيَّ اعْقِدْ بِيَدِكَ: مَن خُتِمَ لَهُ بِشَهَادَةِ ألَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِإِطْعَامِ مِسْكِين دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِصِيَامِ يَوْمٍ دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِقِيَامِ لَيْلَةٍ دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِحِجَّةٍ دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِعُمْرَةٍ دَخَلَ الْجَنةَ، ومَن خُتِمَ لَهُ بِجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ ولَوْ قَدْرَ فُوَاقِ ناقَةٍ دَخَلَ الْجَنةَ»، قَالَ: فَبَيْنمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَعَا بِالسِّوَاكِ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: لَتَبُلِّينهُ [لينيه] لِي بِرِيقِكِ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَعَلَ يَسْتَاكُ بِهِ ويَقُولُ: «بِذَلِكَ رِيقِي عَلَى رِيقِكِ يَا حُمَيْرَاءُ»، ثُمَّ شَخَصَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ كَالْمُخَاطِبِ ثَمَّ فَمَاتَ»([37]).
اقرأ أيضا| زعمهم قذف أم المؤمنين عائشة لمارية.. رد مفصل على شبهات الشيعة
([1]) الفاحشة (ص428).
([2]) فتح الباري، ابن حجر (8/139).
([3]) مسند البزار (9/329).
([4]) جمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/293).
([5]) تقريب التهذيب (ص685).
قال الدكتور الطحان: «مجهول الحال: «ويسمى المستور.... حديثه من نوع الضعيف». تيسير مصطلح الحديث (ص151).
([6]) مسند أحمد ط الرسالة (44/190).
([7]) مسند أحمد ط الرسالة (44/190).
قال الحافظ ابن حجر في التقريب في ترجمتها: «مقبولة». تقريب التهذيب (ص759).
«وحكم حديث الراوي المقبول هو الضعف؛ لأنه يمثل حديث الراوي المجهول، والجمهور على رده وتضعيفه». انظر: كتاب «مصطلح» مقبول عند ابن حجر وتطبيقاته على الرواة من الطبقتين الثانية والثالثة في كتب السنن الأربعة، محمد راغب راشد الجيطان - رسالة ماجستير2010 (ص277).
وخلاصة القول فيه هو قول الحافظ ابن حجر لما قال: «مقبولة» وقد بيَّن الحافظ مراده منها، فقال: «السادسة: مَن ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول. حيث يتابع، وإلا فلين الحديث». تقريب التهذيب (1/12).
ومن هذا يتضح أن الحافظ ابن حجر يضع ثلاثة شروط للمقبول عنده، وهي:
1- قلة الحديث.
2- عدم ثبوت ما يترك حديث الراوي من أجله.
3- المتابعة.
انظر: التقريب من الأوهام (ص43).
ومعلوم أن الشرط الثاني والثالث للقبول منعدمان كما هو ظاهر.
([8]) الفروسية (ص245).
([9]) فتح الباري، ابن حجر (8/139).
([10]) الطبقات الكبرى، ط العلمية (2/202).
([11]) التقريب، ابن حجر (1/882).
([12]) الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم (4/111).
([13]) فتح الباري، ابن حجر (8/139).
([14]) الطبقات الكبرى، ط العلمية (2/201).
([15]) لسان الميزان، ت أبي غدة (3/6).
([16]) الطبقات الكبرى ط العلمية (2/202).
([17]) لسان الميزان، ت أبي غدة (5/222).
([18]) الطبقات الكبرى، ط العلمية (2/202).
([19]) الطبقات الكبرى، ط دار صادر (2/263).
([20]) فتح الباري، ابن حجر (8/139).
([21]) جمع الجوامع المعروف بالجامع الكبير (18/402)، كنز العمال (8/253).
([22]) كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (12/180).
([23]) فتح الباري (8/107).
([24]) مسند أبي يعلى الموصلي (8/279).
([25]) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/112).
([26]) البداية والنهاية، ط إحياء التراث (7/397).
([27]) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (10/647 -648) (12/463 -464).
([28]) تاريخ دمشق، ابن عساكر (42/393).
([29]) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (10/647 -648).
([30]) نهج البلاغة (1/182).
([31]) نهج البلاغة (1/172).
([32]) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (17/589 -590).
([33]) ميزان الاعتدال (3/124).
([34]) منهاج السنة النبوية (8/55 – 56).
([35]) بتصرف من كتاب مدارك نهج البلاغة، هادي كاشف الغطاء (ص53).
([36]) صحيح البخاري (4/3)، صحيح مسلم (3/1257).
([37]) الجعفريات – الأشعثيات، محمد بن أشعث الكوفي (1/212).
لتحميل الملف pdf