ادَّعتِ الرَّافِضَةُ أن عَائِشَة وحفصة قد سَقَتَا النبي سمًّا في مرضه، فقالوا: «سقتاه السُّمَّ، وهذا هو نص الرواية الصحيح عن عَائِشَة؛ حيث قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنا: «لَا تَلُدُّوني»، قَالَ: فَقُلْنا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنهَكُمْ أَن تَلُدُّوني؟» قَالَ: قُلْنا: كَرَاهِيَةً لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «لَا يَبْقَى مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ -وَأَنا أَنظُرُ- إِلَّا العَبَّاسَ، فَإِنهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ»»([1]).
قال الرافضي معلقًا على هذه الواقعة: «إن جميع دلائل ومؤشرات الجريمة تحوم حول عائشة ومن أعانها من نساء النبي -صلى الله عليه وآله- على وضع هذه المادة الغريبة في فمِه الشريف، وغني عن القول أن أقربهن إليها ليست إلا حفصة، وبذا تكون هذه جميعًا قرائن على صدق ما جاء عن الأئمة الأطهار -عليهم الصلاة والسلام- في بيان سبب استشهاد الرسول الأعظم .
وإنا لو دققنا النظر في مجريات الأيام والساعات الأخيرة من حياته الشريفة، لانتبهنا إلى أن التدهور الصحي المتسارع له قد بدأ بعد عملية (اللدود) هذه مباشرة، حتى أنه توفي في اليوم التالي»([2]).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: اللَّدُود:
هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض([3])، فكيف عَرَف الرَّافِضَة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عَائِشَة للنبي ق ثم حكموا عليه بأنه سم؟! أطَّلعوا الغيب؟!
ثانيًا: اتحاد الفعل مع انعدام الآية الإلهية
قد وقعت نفس القصة مع المرأة اليهودية التي سمَّت النبي بشاةٍ مصليةٍ في خيبر، وهذا السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّةُ في الشاة وقُدِّم للنبي كُشِفَ أمرُه من الله تعالى، وأخبرتِ الشاةُ النبِيَّ أنها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه ق الأمر نفسه في السُّمِّ الذي وضعته عَائِشَة في فمه؟!
الجواب بكل بساطة أن الذي وُضِع في فم النبي كان دواء لذات الجنب كما جاء مصرحًا به في الروايات الأخرى، وليس سمًّا كما ادعى هذا الرويفضي.
ثالثًا: تناول الدواء كان على مرأى من الجميع إلا العباسَ
لم يُعطَ النبِيُّ الدواءَ إلَّا بعد تشاوُرِ نسائه في ذلك، وكان حاضرًا العباس ورجالٌ من أصحاب النبي وبعضُ النساء الأخريات كما جاء التصريح به نصًّا في الروايات الأخرى، بل قد وقع التصريح في بعض الروايات أن الذي أشار عليهن بلَدِّه هو عمه العباس.
رابعًا: سمٌّ لا يؤثر في نسائه ومن لُدَّ، ويؤثر في صاحب العصمة والرسالة!
إذا كان الذي أُعطيه النبي في لده سُمًّا، فقد جاء في الأخبار أنه قد أمر بِلَدِّ كل من في البيت إلا عمه العباس، فلماذا تأثر النبي وحده بهذا السم في حين أن جميع من لُدَّ به من الآخرين لم يتأثر به، أو حتى يشكو ألمه؟
أكانوا جميعًا في حصانة من السم ولم يتأثر به إلا النبي؟!
خامسًا: النبيُّ مات متأثرًا بسم الشاة الخيبرية:
لا ننكر أن يكون النبِيُّ ماتَ بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة له في طعامٍ دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ اللُّقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النبِيُّ في آخر أيامه أنه يجد أثرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال من سلف هذه الأُمة: «إن الله تعالى جمع له بين النبوَّة والشهادة».
اعتراف علماء الشيعة بهذه الحقيقة وإقرارها
قال الصدوق: «واعتقادنا في النبي أنه سُمُّ في غزوة خيبر، فما زالت هذه الأكلة تعاده حتى قطعت أبهره فمات منها»([4]).
وقال الشهيد الثاني: «الخبر المستفيض أو المتواتر بأكل النبيِّ -صلى الله عليه وآله- من الذراع المسمومة التي أهدتها اليهوديَّة إليه -صلى الله عليه وآله-، وأكل منها هو وبعض أصحابه، فمات رفيقه وبقي يعاوده ألمه في كل أوان، إلى أن مات منه -صلّى اللّه عليه وآله-»([5]).
وقال الأستراباذي: «ومنها: كلام الشاة المسمومة المهداة من اليهوديَّة بخيبر؛ حيث دعا أصحابه إليه فوضع يده، ثمَّ قال: «ارفعوا فإنها تخبرني بأنها مسمومة»، وقد كان -صلى الله عليه وآله- تناول منها قليلًا قبل أن كلَّمته؛ ليعلم أنه مخلوق وعبد، وصار ذلك سبب الشهادة مع عوده كلَّ سنة»([6]).
فهذه النصوص وغيرها تبين أن سبب شهادة النبي هو السمُّ الذي سقته إياه اليهودية عام خيبر، وليس زوجاته وحاشاهن من ذلك.
سادسًا: لم ينتهين لنهيه لقيام القرينة الصارفة عن الوجوب
من الواضح في الرواية أن نساء النبِيِّ لم يفْهَمن مِن نهْي النبِيِّ بعدم لَدِّه أنه نهْي شرعي، بل فهِمن أنه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهن هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحن بأنهن -وإن لم يكن لهن عذرٌ عند النبِيّ؛ لأن الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه- قد أخطأن في تشخيص دَائِه، فناوَلنه دواءً لا يُناسب عِلَّته.
قال ابن حجر: «وإنما أنكَرَ التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به «ذات الْجَنب»، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياق الخبر كما ترى»([7]).
سابعًا: أمره بلَدّ الجميع لم يكن عقوبةً ولا قصاصًا، إنما كان تأديبًا:
قال الطحاويُّ: «فإن قال قائل: فهل كان ما أمر أن يُفعل قصاصًا ممن أمر أن يفعل ذلك به مما فعلوه به؟ قيل له: قد يحتمل أن يكون ذلك كان منه على العقوبة والتأديب، حتى لا يَعُدن إلى مثله، ومما يدل على أن ذلك ليس على القصاص: أنه لم يَأمر أن يُلدُّوا بمقدار ما لَدُّوه به من الدواء؛ لأنه لو كان قصاصًا لأمر أن يُلدوا بمقدار ما لَدوه به، لا بأكثر منه»([8]).
وقال الحافظ ابن حجر: «والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا، لا قصاصًا، ولا انتقامًا»([9]).
وهذا الفعل من النبي فيه أبلغ رد على الطاعن في زوجاته، وأن ذاك اللدود لو كان سُمًّا لماتوا جميعًا، وهذا لم يكن، فثبتت براءتهن جميعًا من تلك التهمة الخرقاء، بل إنه عاقبهن وأخذ حقه منهن في حياته؛ ليُخرس لسان كل متطاول عليهن، وأنه لا يجوز لأحد أن يستدرك عليه ق فيطلب عقابًا آخر غير ذلك العقاب الذي أمر به لهن، وبه يكون الذي هو الذي رَدَّ الشبهةَ عن نسائه.
اقرأ أيضا| لطمُ أم المؤمنين وجهها عند موت رسول الله.. رد مفصل على شبهات الشيعة
([1]) صحيح البخاري (6/14)، صحيح مسلم (4/1733).
([2]) الفاحشة، ياسر الحبيب (ص789 -790).
([3]) ينظر: تهذيب اللغة (14/49)، والفائق في غريب الحديث (3/85)، ولسان العرب (3/390).
([4]) الاعتقادات، الصدوق (ص97).
([5]) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني (11/459).
([6]) البراهين القاطعة، محمد جعفر الأستراباذي (3/43).
([7]) فتح الباري (8/147).
([8]) شرح مشكل الآثار (5/198).
([9]) فتح الباري (8/147).
لتحميل الملف pdf