محتوى الشبهة:
ألَّف أحد مشايخ الشيعة المعاصرين، وهو نجاحٌ الطائيُّ، كتابًا حاول فيه نفي منقبة تاريخية وقرآنية، وأسماه: «صاحب الغار أبو بكر أم رجل آخر؟»، الصادر عن دار الهدى، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1996م. وقد زعم فيه أنَّ الذي كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم شخصًا آخر يسمَّى عبد الله بن أريقط، وهو ادعاء يقوم على انتقائية الروايات وترك المحكمات من الكتاب والسنة وأقوال مفسري المذهب أنفسهم.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: انحصار فهم النص القرآني في المنقول عن معصومهم
إنَّ القواعد التأصيلية في المذهب الشيعي تمنع أيَّ باحث من تفسير آيات الكتاب العزيز برأيه أو هواه، وتوجب الرجوع في بيان مراد الله إلى ما ورد عن الأئمة حصرًا، وبما أنَّ الأئمة قد أثبتوا الصحبة لأبي بكر في مروياتهم، فإنَّ صنيع الطائي يعدُّ خرقًا لأبسط القواعد التأصيلية في التعامل مع القرآن الكريم، وقد بسط محمد إبراهيم اليزدي النجفي هذا الأصل بتمامه قائلًا:
«ومحصِّل مقالتهم على ما يظهر من مجموع كلماتهم: أنَّ الكتاب العزيز ليس إلَّا كلامًا مُلْقًى إلى النبي صلَّى الله عليه وآله، وقد أريد به تفهيمه صلَّى الله عليه وآله خاصة ثم تفسيره للأمة، وقد فسَّره صلَّى الله عليه وآله بأجمعه لوصيِّه، وفسَّر للأوصياء من بعده يدًا بيد، وليس من قبيل المحاورات العرفية التي يعرفها كل من كان من أهل العرف، بل على طريقة خاصة لا يعرفها إلَّا المعصومون عليهم السلام، هذا مع طروء بعض العوارض الخارجية كالناسخ والمنسوخ والتخصيص والتقييد والمجاز، مع عدم الاقتران بالمخصص والمقيَّد وقرينة المجاز، فما كان منه مفسَّرًا بتفسير المعصوم عليه السلام يجوز العمل به، وما ليس مفسَّرًا لا يجوز العمل به من جهة ما ذكر» [حاشية فرائد الأصول، (1/312)].
ويؤيد هذا المعنى ما ذكره المولى مهدي النراقي في كتابه «أنيس المجتهدين» (1/200) من حرمة التفسير بغير سماع من الصادقين. وهذا التأصيل يقطع الطريق أمام محاولة الطائي؛ فإذا كان أئمته قد سمَّوا أبا بكر "صاحب الغار" في مروياتهم، فإنَّ أيَّ قولٍ يخالف ذلك يعتبر هدمًا للمنهج الذي وضعه منظرو المذهب، ويجعل من هذه الدعوى مجرد هوى شخصي لا يستند إلى أثارة من علم.
ثانيًا: إقرار مفسري الشيعة بهوية الصاحب في الغار
لقد تتابع مفسرو الشيعة عبر العصور على إثبات منقبة الغار لأبي بكر الصديق، معتبرين أنَّ دلالة النص والواقع التاريخي لا تقبل التأويل أو التشكيك، وهذا الاتفاق المذهبي يمثل الحجة البالغة التي ترد على المزاعم الشاذة، وفي هذا السياق يقول الطوسي في تفسيره بوضوح:
«(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)، أي: قد فعل الله به النصر حين أخرجه الكفار من مكة (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، وهو نصب على الحال، أي هو ومعه آخر، وهو أبو بكر في وقت كونهما في الغار من حيث (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) يعني أبا بكر: (لَا تَحْزَنْ) أي: لا تخف ولا تجزع؛ (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) أي: ينصرنا» [التبيان في تفسير القرآن، (5/221)].
وقد ورد هذا المعنى أيضًا في «مجمع البيان» للطبرسي (5/57)، كما أكد محمد حسين الطباطبائي في «الميزان» (2/9) أنَّ المراد بالصاحب هو أبو بكر للنقل القطعي.
وهذا الإطباق من المفسرين على ذكر أبي بكر بالاسم ينسف فرضية "ابن أريقط" تمامًا، ويؤكد أنَّ الانحراف عن هذا الفهم هو وليد أغراض مذهبية معاصرة لا علاقة لها بحقيقة التفسير المستقر في كتبهم.
ثالثًا: حجية شهادة علي بن أبي طالب والاعتراف التاريخي بالمنقبة
إنَّ أقوى دليل على ثبوت الصحبة هو ما صدر عن لسان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو شاهد العيان الذي شارك في تفاصيل تلك الرحلة، واعترافه بتلك المنقبة في أشد المواقف حرجًا يعدُّ فصلًا للخطاب، وإليك قوله بتمامه كما ورد في المصادر المسندة:
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "... قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا إلَّا لِأَنَّا قَدْ أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ إِنَّهُ لِصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ بِشَرَفِهِ وَكِبَرِهِ...» [المستدرك على الصحيحين، (3/70)، وصححه الذهبي].
وتعضد هذه الشهادة روايات أخرى وردت في «فضائل الصحابة» لأحمد بن حنبل، وما أورده الكليني في «الكافي» (15/595) في إثبات المعية.
إنَّ استحضار علي رضي الله عنه لهذه المنقبة بالتحديد في سياق الأحقية بالتقدم يدلُّ على أنها كانت ميزة لا يشاركه فيها غيره، ومحاولة الطائي إنكار ما أقرَّ به علي هي في الحقيقة طعن في مصداقية النقل عن أمير المؤمنين وتجهيل لمقامه الرفيع.
رابعًا: التناقض المنهجي في صرف النص لمشرك
يظهر الخلل في منهج نجاحٍ الطائي من خلال انتقائه لأقوال تتصادم مع صريح القرآن الكريم؛ إذ إنَّ صرف وصف "الصاحب" لمشرك مثل ابن أريقط يتطلب إثبات جواز نزول السكينة الإلهية على غير المؤمنين، وهو ما لا يستقيم لغة ولا شرعًا، فالقرآن يقول: (فأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)، ومن المعلوم في أصول التفسير أنَّ السكينة لا تنزل إلا على قلب النبي والمؤمنين، وابن أريقط كان في ذلك الوقت دليلًا مشركًا ينتظر بالرواحل في أسفل الجبل، مما يجعل إقحامه في مقام "ثاني اثنين" نوعًا من العبث الذي لا يسانده نقل ولا عقل، ويثبت أنَّ الشبهة بنيت على الهوى لا على الدليل.
الخلاصة:
بطلان الشبهة نقلًا: لإجماع علماء الفريقين ولشهادة علي رضي الله عنه.
تناقض الطائي: حيث خالف أصول مذهبه في حصر التفسير بالمعصوم، وخالف مشهور علماء مذهبه المتقدمين.
تهافت بديل "ابن أريقط": لأن السكينة والمعية في الآية لا تنزل إلا على مؤمن، وابن أريقط كان مشركًا أجيرًا.
اقرأ أيضا| شبهة شرب الصديق رضي الله عنه للخمر
منهج الانتقائية: الكشف عن أن منكري الفضائل يتركون الثوابت القطعية لأجل فرضيات معاصرة تخدم أغراضهم المذهبية فقط.
لتحميل الملف pdf