أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم علم الصديق بتقدمه على علي مع علمه أنه الوصي

تتمسك الشيعة بأثرٍ ورد في المصادر السنية عن التابعي هزيل بن شرحبيل، يزعمون فيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرُّ بأنه "تأمَّر" على وصي رسول الله ﷺ (علي بن أبي طالب)، وأنه كان يودُّ لو وجد نصًّا شرعيًّا يلزمه بذلك.

فقالوا: إن أبا بكر كان يعلم أنه تقدَّم على وصي رسول الله ﷺ؛ ولذلك قال هزيل بن شرحبيل: «أبو بكر كان يتأمَّر على وصي رسول الله ﷺ، وَدَّ أبو بكر أنه وجد من رسول الله ﷺ عهدًا فخُزم كلاهما بخزامة ذلك». انظر: [بحار الأنوار، المجلسي 30/531].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن هذه الشبهة قائمة على بتر النصوص من سياقها اللغوي، وقلب "الاستفهام الاستنكاري" إلى "تقرير إخباري"، وإليك تفصيل ذلك:

أولًا: سياق الرواية في كتب السنة (نفي الوصية)

الرواية وردت في مصادر عديدة كمسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، والدارمي، ومسند البزار، وكلها جاءت في "كتاب الوصايا" أو "باب من لم يوصِ".

•             تبدأ الرواية بسؤال صريح وُجه للصحابي عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: «هل أوصى رسول الله ﷺ؟ قال: لا».

•             وعندما سُئل كيف أمر الناس بالوصية ولم يوصِ هو؟ قال: «أوصى بكتاب الله".

فالرواية في أصلها تنفي وجود وصية لأي شخص بالخلافة، فكيف يُستدل بآخرها على إثبات ما نُفي في أولها قطعيًّا؟!

ثانيًا: المعنى الحقيقي لكلام هزيل بن شرحبيل

هزيل بن شرحبيل (وهو تابعي ثقة) لم يقل هذا الكلام كحقيقة واقعة يقرُّ بها، بل قاله مستنكرًا لفكرة وجود وصية لعلي رضي الله عنه.

 ويدل على ذلك صراحةً لفظ الرواية عند ابن سعد في الطبقات:

1.            الرواية الأولى: «أَأَبُو بكر كان يتأمَّر على وصي رسول الله ﷺ؟». [طبقات ابن سعد، ج 2، ص 260].

2.            الرواية الثانية: «أكان أبو بكر يتأمَّر على وصي رسول الله؟!". [طبقات ابن سعد، ج 3، ص 183].

فدخول "ألف الاستفهام" ولفظ "أكان" يقلب المعنى تمامًا؛ فهو يستبعد ويستنكر أن يكون هناك وصي شرعي ثم يأتي الصديق رضي الله عنه ليخالفه؛ لعلم الجميع بورع الصديق وتقواه.

ثالثًا: دلالة "الخزام" وكمال انقياد الصديق للشرع

كلمة "خزم" في اللغة تعني الانقياد التام، و"الخزامة" هي الحلقة التي تُوضع في أنف البعير ليُنقاد بها بسهولة ويسر.

•             قال العلماء في شرح الأثر: معناه أنه لو كان هناك "عهدٌ" أو "وصية" لعلي رضي الله عنه بالخلافة، لكان الصديق رضي الله عنه من شدة طاعته لله ورسوله أطوع وأسرع انقيادًا لهذا العهد من الجمل المخطوم بخزامته.

•             هذا الكلام هو غاية المدح للصديق رضي الله عنه؛ لأنه يُظهره كعبدٍ وقّاف عند حدود النص، لا يقدم رأيه أو هواه على أمر الله ورسوله ﷺ.

رابعًا: دلالة كلمة "وَدَّ" وتجرد الصديق عن الهوى

قول هزيل: «وَدَّ أبو بكر أنه وجد من رسول الله ﷺ عهدًا» يُثبت أمرين مهمين:

1.            عدم وجود العهد: فالتمني (وَدَّ) لغةً يكون لشيء غير موجود أصلًا في الواقع.

2.            زهد الصديق: أنه كان يكره الخلافة ويخاف مسؤوليتها العظيمة، وكان يتمنى لو أن النبي ﷺ نصَّ على شخص بعينه ليعفيه من هذا الثقل؛ وهذا ينسجم مع قوله المشهور: «أقيلوني».

الخلاصة:

1.            الأثر يُثبت بلسان الصحابة (ابن أبي أوفى رضي الله عنه) أن النبي ﷺ لم يوصِ لأحدٍ بالخلافة، بل كانت وصيته هي التمسك بـ"كتاب الله".

2.            كلام هزيل بن شرحبيل هو استفهام استنكاري، استبعد فيه أن يتجرأ الصديق رضي الله عنه على مخالفة وصية نبوية لو وُجدت.

3.            التعبير بـ"الخزام" يُبرز ورع الصديق رضي الله عنه وانقياده التام للشرع، وأنه لا يتحرك إلا بنص.

4.            بتر "ألف الاستفهام" من بداية الجملة في كتب الشيعة هو تزييف مفضوح، يقلب المدح إلى ذم، والاستنكار إلى إقرار.


اقرأ أيضا| دعوى إكراه علي على بيعة الصديق رضي الله عنهما

5.            الرواية في حقيقتها شهادة للصديق رضي الله عنه بالتجرد التام، والزهد في المنصب، والوقوف عند حدود الله سبحانه.


لتحميل الملف pdf

تعليقات