أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

دعوى تأخر بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما

زعم الشيخ المفيد أن الأمة أجمعت على تأخر علي بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ونقل أقوالًا متضاربة في مدة هذا التأخر؛ فمنهم من قال ثلاثة أيام، ومنهم من قال أربعين يومًا، ومنهم من قال ستة أشهر (حتى وفاة فاطمة رضي الله عنها). (الفصول المختارة، المفيد، 1/56).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: إثبات البيعة من اليوم الأول (البيعة العامة)

الثابت في الأسانيد الصحيحة أن علي بن أبي طالب بايع في اليوم الأول مع الناس في المسجد، ولم يتخلف عن الجماعة.

روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي نضرة قال: «لما اجتمع الناس على أبي بكر رضي الله عنه فقال: ما لي لا أرى عليًّا؟! فذهب رجال من الأنصار فجاءوا به، فقال له: يا علي، قلت: ابن عم رسول الله وختن رسول الله؟ فقال عليٌّ رضي الله عنه: لا تثريب يا خليفة رسول الله، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه". (السنة، عبد الله بن أحمد، 2/554 - وقال المحقق د. محمد القحطاني: "إسناده صحيح").

وروى الحاكم في (المستدرك) القصة ذاتها بسند صحيح على شرط الشيخين، وفيه قول علي بن أبي طالب: «لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه". (المستدرك على الصحيحين، الحاكم، 3/80 - وقال عنه ابن خزيمة: "هذا حديث يسوى بدرة").

ثانيًا: توجيه رواية "الستة أشهر" والجمع بين النصوص

ما ورد في بعض الروايات (كقول الزهري) عن تأخره ستة أشهر، وجهه العلماء بتوجيهات دقيقة تنفي دعوى الخصومة:

بيعة ثانية مؤكدة: يرى المحققون أن علي بن أبي طالب بايع أولًا، ثم بايع بيعة ثانية بعد ستة أشهر لإزالة ما قد يتوهم البعض من وحشة بسبب الكلام في الميراث.

يقول ابن كثير: «فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث..، ولله الحمد». (البداية والنهاية، ابن كثير، 9/418).

الانقطاع للملازمة لا للمخالفة: يحمل قول الزهري (لم يبايعه) على إرادة الملازمة؛ أي أن علي بن أبي طالب انشغل بتمريض السيدة فاطمة ولم يكن يكثر الحضور في مجلس الصديق، فظن من لا يعرف باطن الأمر أنه لم يبايع.

يقول الحافظ ابن حجر: «فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر عليٌّ المبايعة التي بعد موت فاطمة رضي الله عنها؛ لإزالة هذه الشبهة". (فتح الباري، ابن حجر، 7/495).

صيانة مكانة علي بن أبي طالب: التأخر عن بيعة إمام اجتمعت عليه الأمة ستة أشهر لا يليق بديانة علي بن أبي طالب؛ لأنه نوع من الإثم والعصيان الذي ينزه عنه أمير المؤمنين.

يقول الباقلاني: «وليس يجوز لمسلم اتقى الله أن يضيف إلى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام التأخر عن بيعته بأخبار آحاد واهية..، لأن تأخرهم ضرب من الإثم والعصيان". (تمهيد الأوائل، الباقلاني، ص482).

ثالثًا: اعتراف علي بن أبي طالب بالبيعة في كتب الشيعة

حتى في مرويات الشيعة، نجد اعترافًا صريحًا منه بأنه بايع ودخل فيما دخل فيه المهاجرون.

كتابه إلى معاوية: «ولعمري ما كنت إلا رجلًا من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ولا ليضربهم بالعمى». (تمام نهج البلاغة، صادق الموسوي، ص655).

ما رواه المجلسي: يذكر أن علي بن أبي طالب لما رأى راجعة الناس عن الإسلام (أهل الردة) قال: «فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق». (بحار الأنوار، المجلسي، 33/568).

ومن كلامهم يستبين التالي:

إلزام التقوى: إذا كانت البيعة "حقًّا" فالتأخر عنها إثم، وإذا كانت "باطلًا" ففعلها بعد ستة أشهر إثم أكبر. فبطل قول المفيد؛ لأن أمير المؤمنين لا يرتكب الإثم، بل بايع طاعة لله ورسوله منذ اللحظة الأولى.

إلزام الشورى: يقرر علي بن أبي طالب في "نهج البلاغة" قاعدة ملزمة: «إنَّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضىً». وبما أنهم اجتمعوا على الصديق، فبيعته "رضىً لله" باعتراف أمير المؤمنين نفسه.

إلزام "لا تثريب": قول علي بن أبي طالب للصديق "لا تثريب يا خليفة رسول الله" ينفي وجود أي ضغينة أو إكراه أو تأخر ناتج عن عدم قناعة، بل هو إقرار كامل باللقب والمكانة.

الخلاصة:

الثابت تاريخيًّا وحديثيًّا أن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر الصديق في البيعة العامة مع عامة الصحابة في أول الأمر.

الروايات التي توهم التأخر هي إما منقطعة (كقول الزهري) أو محمولة على "تجديد البيعة" لإظهار التلاحم بعد انشغاله بوفاة فاطمة رضي الله عنها.

اقرأ أيضا| إنكار بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما

كتب الشيعة نفسها تروي عن علي بن أبي طالب نصوصًا صريحة في مبايعته للصديق ومناصحته له، وتأكيده أن الله لا يجمع المهاجرين والأنصار على ضلالة.

لا يصح شرعًا ولا عقلًا وصف أمير المؤمنين بالتأخر عن واجب شرعي كبيعة الإمام، مما يثبت أن هذه الشبهة تتصادم مع مكانته قبل أن تتصادم مع الحقائق التاريخية.


لتحميل الملف pdf

تعليقات