تدعي الشيعة أن الصحابة -وعلى رأسهم عمر- أكرهوا عليًّا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعًا، وأنه لم يبايع إلا تحت التهديد والشدة، ويروون في ذلك قصصًا عن محاصرة بيته وتهديده بالتحريق.
فقد ذكر هاشم البحراني في كتابه (غاية المرام): «الباب السادس والخمسون في إخراج أمير المؤمنين (ع) لبيعة أبي بكر مكرهًا ملببًا، وإرادة حرق بيت فاطمة عند امتناعه من البيعة، وفيه ستة أحاديث: الأول: الشيخ المفيد في أماليه، عن مروان بن عثمان قال: لما بايع الناس أبا بكر دخل علي والزبير والمقداد بيت فاطمة وأبوا أن يخرجوا، فقال عمر بن الخطاب: أضرموا عليهم البيت نارًا». (غاية المرام، هاشم البحراني، 5/334) بتصرف.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان دعوى الإكراه من واقع معتقد الشيعة
إن القول بأن عليًّا -وهو الشجاع الكرار- قد أُكره على البيعة، يمثل طعنًا مباشرًا في شخصه ومكانته من عدة وجوه، نلخصها فيما يلي:
الوجه الأول: اتهامه بالكفر (بمنطقهم): يرى علماء الشيعة أن بيعة "غير المعصوم" كفر، كما برروا عدم بيعة الحسين ليزيد. فقد روى أبو مِخنف عن عمار قوله: «أُخذت قهرًا أن أبايع يزيد..، وإن فعلت كفرت". (تاريخ أبي مخنف، ص24).
فلو كان الصديق عندهم كيزيد، لكان المبايع له كافرًا، فهل يرضون هذا في حق علي؟
الوجه الثاني: الإكراه لا يسوغ التنازل عن أصل الدين: يقرر علماء الشيعة أن الإمام المعصوم لا يجوز له الرضوخ للبيعة الإكراهية إذا كان فيها ضرر على الإسلام.
يقول عالمهم مرتضى مطهري: «لم يكن معذورًا فيما لو رضخ للبيعة الإكراهية، فتقبُّل الإكراه من وجهة نظر الإسلام لا يشمل مثل هذه الحالات، كأن يجبر الإنسان على كتابة كتاب ضد الإسلام". (الملحمة الحسينية، مرتضى مطهري، 3/108)، وعلي لم يهاجر ولم يختفِ، مما يدل على أن بيعته كانت اختيارًا لا إكراهًا.
الوجه الثالث: إثبات السبيل للظالم: القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. فكيف يقبل الشيعة أن يجعل علي لأبي بكر سبيلًا عليه بالبيعة؟ يؤكد هذا ما رواه ابن ميثم البحراني عن علي في كتابه لطلحة والزبير: «وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ، فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ». (شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، 5/188)، فكيف ينهى عن شيء ويفعله هو مع الصديق؟
الوجه الرابع: تعطيل الولاية التكوينية: يقول آياتهم العظمى محمد الحسين الطهراني: "إنّ الإمام مع كلّ قطرة مطر تهطل من السماء، وكلّ ذرّة تلمع في ضوء الشمس، وكلّ مدرة ملقاة على الأرض، وكلّ كوكب ونجم، وصولًا إلى المجموعة الشمسيّة والمجرّات.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى سيطرة الإمام وإحاطته النفسيّة بعالم البقاء بالله تعالى، وهذا هو معنى الولاية التكوينيّة. وهو مقام لم يبلغه أي نبيّ من الأنبياء، حتّى شيخ النبيّين: نوح، وحتّى حامل لواء التوحيد: إبراهيم". (معرفة الميعاد 9/263 – 264).
فهل عجز من يملك التصرف في الكون عن دفع حفرة نار أو إكراه بشر؟ إن هذا التناقض يثبت بطلان قصة الإكراه من أساسها.
الوجه الخامس: مخالفة وصية النبي ﷺ: روى الكليني في (الكافي) وصية النبي ﷺ لعلي: «يا علي، أوصيك في نفسك بخصال..، والخامسة: بذل مالك ودمك دون دينك». (الكافي، 15/196، وقال المجلسي في مرآة العقول 25/180: "صحيح").
فإذا كانت الخلافة ركنًا من الدين، فكيف تنازل عنها علي ولم يبذل دمه دونها كما أمره النبي ﷺ؟
ثانيًا: ثبوت بيعة علي طوعًا ومناصحةً
النصوص الموجودة في أمهات كتب الشيعة تثبت أن عليا بايع أبا بكر رضي الله عنهما عن قناعة ورضا، بل وأثنى على سيرته وسيرة عمر من بعده.
شهادة علي في كتاب (بحار الأنوار): "... فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدًا». (بحار الأنوار، المجلسي 33/568).
شهادة عالمهم محمد كاشف الغطاء: يقول عن علي: «وحين رأى أنَّ الخليفتين قبله بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجيوش، وتوسيع الفتوح، ولم يستأثِرا ولم يستبدّا، بايع وسالم». (أصل الشيعة وأصولها، ص123-124).
إقراره بأنه "رابع الخلفاء": روى ابن شاذان القمي عن أمير المؤمنين ﷺ قوله: «من لم يقل إني رابع الخلفاء الأربعة فعليه لعنة الله".
وعندما سئل جعفر الصادق عن ذلك استشهد بخلفاء الله (آدم، داود، هارون) ثم علي ليكون الرابع في الترتيب الزمني للخلافة. (مائة منقبة، ابن شاذان القمي، 1/125).
ومن كلامهم يستبين التالي:
إلزام الشجاعة: القول بالإكراه هو اتهام لعلي بالجبن والضعف، وهو ما يرفضه العقل والنقل؛ فالذي صرع أبطال المشركين لا يمكن أن يُساق مكرهًا لبيعة رجل "واحد" كما يزعمون.
إلزام النص من كتبهم: نص كتاب (بحار الأنوار) ينسف الشبهة تمامًا؛ إذ استمل على كلمات صريحة في الاختيار والمحبة والمناصحة، لا في الإكراه والتهديد.
إلزام التناقض العقدي: إذا كان المعصوم يملك "تصرفًا تكوينيًا" ومع ذلك يُجر مكرهًا، فإما أن الولاية التكوينية خرافة، وإما أن قصة الإكراه مكذوبة. والجمع بينهما مستحيل عقلًا.
الخلاصة:
دعوى إكراه علي على البيعة هي أسطورة تخالف صريح العقل وتطعن في شجاعة أمير المؤمنين ودينه.
أثبت علماء الشيعة أن بيعته كانت طواعية، قائمة على المناصحة والرضا بسيرة الصديق والفاروق.
النصوص تظهر أن عليًّا قدّم مصلحة الإسلام ووحدة المسلمين، ورأى في أبي بكر وعمر قادةً نشروا التوحيد وفتحوا البلاد، فبايعهم وساندهم.
اقرأ أيضا| دعوى تناقض أهل السنة في خلافة الصديق بين النص والشورى
كل القصص التي تروى عن حرق البيت أو سحب أمير المؤمنين هي مرويات تالفة السند، وتناقض الثابت من سيرة عليٍّ ومكانته عند الصحابة جميعًا.
لتحميل الملف pdf