يزعم الشيعة أن أبا حنيفة شبَّه إيمان أبي بكر بإيمان إبليس، وجعلهما متساويين في الإيمان، ويقولون: أبو بكر عندكم كالشيطان!
انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (15/502)، الصراط المستقيم، البياضي (3/213)، إحقاق الحق، القاضي التستري (1/130).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: التحقيق العلمي للرواية وسياقها في تقرير أصل الإيمان
إن التمهيد لفهم هذه الرواية يكمن في إدراك منهج أبي حنيفة في تعريف الإيمان؛ حيث يرى أن أصل الإيمان هو "التصديق"، وهذا التدليس الشيعي في تحريف النصوص يهدف لنزع الكلام من سياقه العلمي؛ فالرواية عند وضعها في إطارها الصحيح تظهر أن المقصد هو البحث في "أصل التصديق بوجود الخالق" لا في "رتبة الإيمان ومآله".
وردت رواية في تاريخ بغداد للخطيب بسنده فيها: «حدثني: محمد بن هارون، نا أبو صالح قال: سمعت الفزاري، وحدثني إبراهيم بن سعيد، نا أبو توبة، عن أبي إسحاق الفزاري قال: كان أبو حنيفة يقول: إيمان إبليس وإيمان أبي بكر واحد، قال أبو بكر: يا رب، وقال إبليس: يا رب» (تاريخ بغداد، 15/502).
والرواية ليس فيها ما يسيء لأبي بكر رضي الله عنه، بل فيها مدح للصديق؛ لأن أبا حنيفة اختار النقيضين: قمة الإيمان وهو أبو بكر رضي الله عنه، وقمة الكفر وهو إبليس لعنه الله، لبيان أن أصل المعرفة بالرب يشترك فيها الجميع.
ومما يقطع بأن أبا حنيفة لا يقصد النيل من الأشخاص، أن ذات العبارة ذُكرت في حق نبي الله آدم عليه السلام، حيث روى الخطيب نقلًا عن الفزاري: «قال أبو حنيفة: إيمان آدم وإيمان إبليس واحد، قال إبليس: (قال رب بما أغويتني) {الحجر:39} وقال: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) {الحجر:36} وقال آدم: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) {الأعراف:23}» (تاريخ بغداد، 15/502).
فأبو حنيفة هنا يقرر مسألة علمية بحتة؛ فكلاهما -آدم أو أبو بكر- ومعهما إبليس اللعين جميعهم مُؤمن بوجود الله ومعترف بربوبيته، إلا أن آدم والصدّيق استسلما وطلبا المغفرة، والشيطان -لعنه الله- استكبر ولم يستغفر، فاتفقا في أصل المعرفة واختلفا في العمل والانقياد.
وفي الكامل لابن عدي عن حماد بن زيد قالَ: «قُلتُ لأبي حنيفة: إن جابرًا روى عنك، وإنك تقول: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، قَال: مَا قلت هذا، ومَنْ قَالَ هذا فهو مبتدع، قَالَ: فذكرت ذلك لمحمد بن الحسن صاحب الرأي قول حماد بن زيد، فَقَالَ: صدق حماد؛ إن أبا حنيفة كَانَ يكره أن يَقُول ذلك».
ثانيًا: التحليل الأصولي لمعنى "تساوي المعرفة" عند الحنفية
إن التساوي في "ثبوت العلم" في القلب لا يقتضي تساوي المنزلة عند الله، وهو ما حرره المحققون من علماء المذهب ردًا على هذه الفرية: قال ابن النجار البغدادي: قال أبو المظفر عيسى بن أبي بكر بن أيوب الحنفي: «فهذا أيضًا لم ينقل عن أبي حنيفة، لكن لو نقل لكان على ما ذكرت لك من الأصل أن معرفة أبي بكر الصديق بالله كمعرفة إبليس، وهذا لا ينكره عالم؛ لأنا قد أصلنا أن الإيمان هو المعرفة، ولا يشك أن إبليس رأى صنع الله تعالى عيانًا، وأبو بكر إنما ثبت هذا عنده بقول النبي صلى الله تعالى وسلم والنقل، ولا شك أن ثبوت العلم في القلب بالرؤية أكثر من ثبوته بالنقل.
ويدل على هذا أن من وصف له طريق حتى حفظ صفاتها كالماء الجاري ثم أراد أن يسلكها فإنه لا يقدر على ذلك، ومن سلكها دفعة بعد أخرى قدر على سلوكها وإن لم يصفها، ويدلك على ما ذكرت أن أكابر الفقهاء إذا حجوا احتاجوا من يعرفهم، فإذا عرفت هذا كان القياس أن يقول: إن إيمان إبليس أقوى من إيمان أبي بكر، إلا أن العلم لما استوى قلنا: إنه مثله».
(الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي - ابن النجار البغدادي، 22/48).
وعند التحقيق نرى أن معرفة إبليس ليست كمعرفة الصديق، فإن إبليس شك في حكمة الله حين اعترض على السجود، بينما الصديق لم يَرْتَبْ في ذلك طرفة عين.
ثالثًا: حجية الإجماع في إيمان الصديق
ليس في قول أبي حنيفة ما يقدح في الصديق؛ لأن الإجماع انعقد قبل قول أبي حنيفة على إيمان الصديق وكفر إبليس، فلا عبرة لقول شاذ يُبنى عليه فهم سقيم يخالف إجماعًا مستقرًّا للأمة.
رابعًا: مراتب الإيمان (اللغوي والشرعي والاصطلاحي)
يجب التنبيه إلى أن الإيمان له معانٍ متعددة؛ فإبليس لم يحقق الإيمان بالمعنى الشرعي المنجي، لكنه حقق المعنى الاصطلاحي وهو "المعرفة"، وهذا تمامًا كحال أهل الكتاب الذين قال الله فيهم بوضوح: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) {البقرة:146}.
فبالرغم من معرفتهم اليقينية للحق لم يؤمنوا بالمعنى الشرعي المستوجب لاجتماع التصديق والعمل، إلا أنهم آمنوا بمعنى "المعرفة".
خامسًا: مكانة الصديق في عقيدة أبي حنيفة
لقد ثبت تواترًا أن أبا حنيفة يرى تفضيل الصديق ركنًا من أركان السنة، فكيف يشكك في إسلامه؟ وقد جاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني أن نوح بن أبي مريم سأل أبا حنيفة عن مذهب أهل السنّة فقال: «أن تفضّل أبا بكر وعمر، وتحبّ عليًّا وعثمان".
وفي مناقب أبي حنيفة للمكي: «كان أبو حنيفة يفضّل أبا بكر على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر، ثم يقول: علي وعثمان".
سادسًا: فساد الاستدلال بالشذوذ لإسقاط الفاضل
لو ثبت تنزلًا أن أبا حنيفة يريد القدح -وهو باطل- فإن القدح يرجع للمفضول لا للفاضل؛ فأهل السنة مجمعون على تفضيل الصديق على كل من جاء بعده، فلو تم القدح فلن يكون متوجهًا لأبي بكر الصديق، بل يسقط به قدر القادح، وهو المطلوب.
سابعًا: حقيقة اتهام الرواية لأبي حنيفة
إن التدقيق في الرواية يظهر أن من ذكرها أراد اتهام أبي حنيفة بـ "المرجئة" (أي القول بأن العمل ليس من الإيمان)، ولم يرد أن أبا حنيفة يكفر الصديق، وكلاهما باطل، إلا أن النقل لا يدل من أي وجه على القدح في رتبة الصديق رضي الله عنه.
ثامنًا: إلزام الخصوم (إبليس المؤمن في مذهب الشيعة)
بناءً على مبدأ إلزام الخصم بما يلتزم به، ما رأيكم أن روايات الشيعة تثبتُ لإبليس إيمانًا منجيًا بمحبة علي بن أبي طالب؟!
فقد روى المجلسي في بحاره: «قال علي عليه السلام: كنت جالسًا عند الكعبة، فإذا شيخ محدودب قد سقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر، وفي يده عكازة وعلى رأسه برنس أحمر، وعليه مدرعة من الشعر، فدنا إلى النبي صلى الله عليه وآله والنبي مسند ظهره على الكعبة، فقال: يا رسول الله، ادع لي بالمغفرة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: خاب سعيك يا شيخ وضل عملك، فلما تولى الشيخ قال لي: يا أبا الحسن أتعرفه؟ قلت: لا، قال: ذلك اللعين إبليس، قال علي عليه السلام: فعدوت خلفه حتى لحقته وصرعته إلى الأرض، وجلست على صدره ووضعت يدي في حلقه لأخنقه، فقال لي: لا تفعل يا أبا الحسن، فاني من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، والله يا علي إني لأحبك جدًّا، وما أبغضك أحدٌ إلا شركت أباه في أمه فصار ولد زنا، فضحكت وخليت سبيله». (بحار الأنوار، 27/148).
فهنا إبليسُ مؤمنٌ حقًّا بحبه لعلي، وهذا الحب هو ميزان النجاة في معتقدهم، فهل يدخل إبليس الجنة ببركة هذا الحب؟
الخلاصة:
وحدة أصل المعرفة: كلام أبي حنيفة يتعلق بـ "أصل التصديق" بوجود الخالق، وهو قدر مشترك يشترك فيه إبليس واليهود مع المؤمنين، ولا يعني تساوي المراتب في الثواب.
القياس بآدم: إيراد الرواية في حق آدم عليه السلام في تاريخ بغداد يثبت أن الغرض هو تقرير مسألة في "تعريف الإيمان" اللغوي لا النيل من الصديق.
التفريق الأصولي: "المعرفة" تجتمع مع الكفر في حال الجحود (كحال إبليس واليهود)، والنجاة منوطة بـ "الانقياد" والعمل (الإيمان الشرعي).
عقيدة الإمام: مذهب أبي حنيفة صريح وقاطع في تفضيل الصديق على سائر الأمة، مما يجعل ادعاء قدحه فيه تناقضًا مستحيلًا.
اقرأ أيضا| زعم اعتقاد أهل السنة في عصمة الصديق رضي الله عنه
إلزام الخصم: الشيعة يروون أن إبليس يدين بـ "أعظم القربات" لديهم وهي محبة علي بن أبي طالب، مما يلزمهم بإثبات الإيمان الشرعي والنجاة لإبليس!
لتحميل الملف pdf