أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

إنكارُهم زواجَ الفاروق رضي الله عنه من أمِّ كلثومٍ رضي الله عنها

يعمِدُ كثيرٌ من علماءِ الشيعةِ إلى إنكارِ الحوادثِ التاريخيةِ التي تنسفُ عقيدةَ "المظلوميةِ" وتُثبتُ المودةَ بينَ الآلِ والأصحابِ؛ ومن أبرزِ ذلكَ إنكارُ زواجِ عمرَ بنِ الخطابِ من أمِّ كلثومٍ بنتِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ.

وعُمدةُ النافينَ لهذا الزواجِ هو "الشيخ المفيد" الذي زعمَ أنَّ الخبرَ لم يَرِدْ إلا من طريقِ رجلٍ واحدٍ مطعونٍ فيهِ عندَهم وهو "الزبير بن بكار"، لِيصلَ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ الزواجَ لم يقعْ أصلًا.

يقولُ المفيدُ: «إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين ابنته من عمر غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكار، ولم يكن موثوقًا به في النقل، وكان متهمًا فيما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين، وغير مأمون فيما يدعيه على بني هاشم» [المسائل السروية، ص 86].

الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:

أولًا: ثبوتُ الزواجِ في أصحِّ كتبِ الحديثِ بعيدًا عن طريقِ "الزبير بن بكار":

ادعاءُ المفيدِ بأنَّ الخبرَ منحصرٌ في طريقِ "الزبير بن بكار" هو جهلٌ فاضحٌ أو تدليسٌ متعمدٌ؛ فقد رُويَ الزواجُ بأسانيدَ صحيحةٍ ليسَ فيها الزبيرُ أصلًا:

١. في صحيحِ البخاريِّ: «عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق» [صحيح البخاري، رقم 2881].

٢. في سننِ النسائيِّ: «عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عمر، أنه صلى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلُون الإمام، والنساء يلِين القبلة..، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب، وابن لها يقال له زيد وُضعا جميعًا..، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة» [سنن النسائي، رقم 1978].

فالزواجُ ثابتٌ في أصحِّ دواوينِ الإسلامِ وبشهادةِ كبارِ الصحابةِ (كابن عباس وأبي هريرة) الذينَ حضروا جنازتَها وهي زوجةُ عمرَ.

ثانيًا: إثباتُ الزواجِ في "أمهاتِ الكتبِ الشيعيةِ" وبأسانيدَ صحيحةٍ:

لقد أثبتَ كبارُ علماءِ الشيعةِ ومحدثوهم هذا الزواجَ، ورووهُ في كتبِهم المعتمدةِ:

١. روايةُ الكافي (الموثقة): روى الكليني عن أبي عبد الله قال: «إن عليًّا لما توفي عُمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته» [الكافي، ج6، ص 115]؛ وعلقَ المجلسيُّ عليها بقولهِ: «موثق» [مرآة العقول، ج21، ص 197].

٢. روايةُ الكافي (الصحيحة): روى الكليني عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عن امرأة توفي عنها زوجها أين تعتد؟.. فقال: «بل حيث شاءت، ثم قال: إن عليًّا لما مات عُمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته» [الكافي، ج6، ص 115]؛ وصححها المجلسيُّ في [مرآة العقول، ج21، ص 199].

ثالثًا: تواترُ الخبرِ عندَ محققي الشيعةِ وتسفيهُ مَن أنكرَهُ:

خالفَ محققو الشيعةِ معتقدَ "المفيدِ" وصرَّحوا بأنَّ إنكارَ الزواجِ لا يصدرُ إلا عن جاهلٍ؛ ومن ذلكَ:

١. قولُ الشريفِ المرتضى: «فأما من جحد من غفلة أصحابنا وقوع هذا العقد، ونقل هذا البيت، وأنها ولدت أولادًا من عمر معلوم مشهور، ولا يجوز أن يدفعه إلا جاهل أو معاند، وما الحاجة بنا إلى دفع الضرورات والمشاهدات؟» [رسائل المرتضى، ج3، ص 149].

٢. قولُ محمد تقي التستري: «لم ينكره محقق محققًا، فأخبارنا به متواترة في نكاحها وعدتها، فضلًا عن أخبار العامة واتفاق السير» [قاموس الرجال، ج12، ص 216].

٣. قولُ محمد الحسين الطهراني: «إن زواج عمر بن الخطاب بأم كلثوم بنت الصديقة الكبرى من الحوادث التاريخية المسلّم بها، فلماذا يريد بعض الشيعة أن ينكر ذلك؟» [معرفة الإمام، ج15، ص 258].

رابعًا: ثبوتُ "الرضا" والإذنِ من عليٍّ رضي الله عنه:

يدَّعي البعضُ أنَّ الزواجَ كانَ إكراهًا، لكنَّ محققيهم أثبتوا الرضا والموافقةَ والوساطةَ؛ يقولُ النسابةُ الشيعيُّ عليُّ بنُ أبي الغنائمِ العمريُّ: «والمعوّل عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفًا من أن العباس بن عبد المطلب زوّجها عُمر برضا أبيها وإذنه، وأولدها عُمر زيدًا» [المجدي في أنساب الطالبيين، ص 199].

وهذا يُلزمُهم بقاعدةِ "الكفاءةِ"؛ فلو كانَ عمرُ عندهم كافرًا أو منافقًا، لَمَا جازَ لِعليٍّ تزويجُهُ؛ لأنَّ "تزويجَ البنتِ بغيرِ الكفءِ لا يجوزُ" كما قررَ ذلك المدرسيُّ [فاطمة الزهراء قدوة وأسوة، ص 33].

خامسًا: تهافتُ طعنِ المفيدِ في "الزبير بن بكار":

يُعدُّ الزبيرُ بنُ بكارٍ قاضي مكةَ وأعلمَ الناسِ بالأنسابِ، وقد أثبتَ محققو الشيعةِ صدقَهُ في هذهِ الواقعةِ؛ يقولُ الميرزا أبو الحسن الشعراني: «ونقل من يدّعي العلم والثقة كزبير بن بكار الذي كان قاضي مكة، وكان معروفًا بعلم الأنساب في عصره وبعده لا بد أن يكون صادقًا..، وما ورد في أحاديثنا أيضًا مؤيد له» [الوافي، ج21، ص 109].

الخلاصةُ:

١. إنكارُ الزواجِ هو محاولةٌ للتملصِ من حقيقةِ المودةِ والمصاهرةِ بينَ عليٍّ وعمرَ، وهو إنكارٌ للواقعِ التاريخيِّ الذي أثبتَهُ البخاريُّ والنسائيُّ بأسانيدَ مباينةٍ لِطريقِ الزبيرِ بنِ بكارٍ.

٢. الأحاديثُ "الصحيحةُ" و"الموثقةُ" في أهمِّ كُتبِ الشيعةِ (الكافي) تقطعُ بوقوعِ الزواجِ، وتجعلُ من إنكارِ المفيدِ مجردَ "اجتهادٍ عاطفيٍّ" لا قيمةَ علميةَ لهُ.

٣. إجماعُ كبارِ محققي الشيعةِ (كالمرتضى والتستري والمجلسي) على وقوعِ الزواجِ وتواترِهِ هو أكبرُ ردٍّ على مَن يحاولُ إنكارَهُ من المتأخرينَ.

اقرأ أيضا |  اتهامُ الفاروق رضي الله عنه بأنهُ كانَ يأتي أهلهُ في الدبرِ

٤. رضا عليٍّ رضي الله عنه بالمصاهرةِ هو شهادةٌ عمليةٌ بفضلِ عمرَ ودينِهِ وكفاءتِهِ، وإلا لكانَ ذلكَ طعنًا في غيرةِ عليٍّ ودينِهِ، وحاشاهُ.


لتحميل الملف pdf

تعليقات