أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يرضى بالاختلاط ويأمر بالسفور

يسعى الشيعة إلى إثارة الشبهات حول تمسك عمر رضي الله عنه بأحكام الشريعة وآدابها المرتبطة بالستر والحياء؛ حيث يزعمون استنادًا إلى رواية تاريخية ساقطة، أنه كان يدعو زوجته السيدة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما إلى البروز أمام الرجال الأجانب ومشاركتهم الطعام، وهو ادعاء يتهافت سندًا ودرايةً.

فاحتجوا برواية أوردها ابن جرير الطبري في تاريخه من طريق سليمان بن بريدة، أن رجلًا غريبًا دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو جالس في صفّة، فقال: «يا أمّ كلثومٍ، غداءنا! فأخرجت إليه خبزةً بزيتٍ..، فقال: يا أمّ كلثومٍ، ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إنّي أسمع عندك حسّ رجلٍ، قال: نعم، ولا أراه من أهل البلد..، قالت: لو أردت أن أخرج إلى الرّجال لكسوتني كما كسا ابن جعفرٍ امرأته، وكما كسا الزّبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته! قال: أو ما يكفيك أن يقال: أمّ كلثومٍ بنت عليّ بن أبي طالبٍ وامرأة أمير المؤمنين عمرَ!» [تاريخ الأمم والملوك، 4/186].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الحكم الحديثي والسندي لطرق الرواية

رواية تاريخ الطبري: ضعيفة تالفة.

العلة: تشتمل على علتين قادحتين؛ الأولى: تفرد الراوي أبو جناب الكلبي، وهو مجمع على ضعفه وتدليسه للمناكير [الضعفاء، البخاري، ص 139؛ الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 3/133]. والعلة الثانية: الإرسال والانقطاع الكبير بين سليمان بن بريدة وعمر؛ لأن عمر رضي الله عنه مات سنة ثلاث وعشرين هجرية، بينما كان عمر سليمان حينها ثماني سنوات فقط، فلا يصح تحمله للرواية عنه [سير أعلام النبلاء، 5/53].

ثانيًا: نكارة الرواية من جهة الدراية والمتن

إنَّ هذه القصة باطلة وموضوعة؛ لمخالفتها الأصول الشرعية الثابتة، والطباع الفطرية، والسيرة المتواترة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 وقد نقض العلماء ومحقّقو الأثر هذه الدعوى الباطلة وكشفوا نكارتها من وجوه؛ ومن ذلك ما أوضحه الإمام ابن باز رحمه الله في تفنيد هذه الأباطيل:

مخالفة غيرة عمر المشهورة: القصة تشذ تمامًا عما عُلم من شدة غيرة عمر بن الخطاب وحرصه البالغ على حجاب أمهات المؤمنين حتى نزل القرآن بموافقته في آية الحجاب.

مصادمة أحكام الدين القطعية: الدعوة للاختلاط تواجه النصوص المحكمة التي تحرم البروز للأجانب وتمنع مفاسد الاختلاط.

النكارة وصناعة التشويه: المتن مصنوع بغرض تشويه السمعة الراشدة، أو لمحاولة إيجاد مسوغ للسفور والفساد الاجتماعي من خلال نسبة ذلك كذبًا لبيت الخلافة [مجموع فتاوى ابن باز، 4/205].

ثالثًا: روايات التكشف المنسوبة لفاطمة وسلمان

من باب الإلزام؛ بينما يتكلف الشيعة التمسك برواية منقطعة للطعن في عمر؛ فإن مصادرهم المعتمدة تروي بأسانيد صححوها وقبلوها مواقف تُسند إلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها -وحاشاها العيب- تنتهك حدود الحجاب والحياء مع سلمان الفارسي في غياب زوجها:

رواية التكشف والخطاب المستنكر: روى كاتبهم المجلسي رواية طويلة جاء فيها أن عليًّا قال لسلمان: «يا سلمان، ائت منزل فاطمة..، فإنها إليك مشتاقة»، قال سلمان: «فهرولت إلى منزل فاطمة..، فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء، إذا خمرت رأسها انجلى ساقها، وإذا غطت ساقها انكشف رأسها..، فقالت: يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبي، قلت: حبيبتي أأجفاكم؟!» [بحار الأنوار، 43/66].

توثيق الشيعة للرواية: حكم المجلسي باعتبار صحة هذه الرواية؛ إذ أودعها في كتابه الذي اشترط في مقدمته ألا يذكر فيه إلا الأسانيد المعتبرة والمستوحاة من الطريقة الصحيحة [حلية المتقين، ص 14، ص 389]. كما رواها الطبري الشيعي في مصنفه [دلائل الإمامة، ص 107].

إن هذه النصوص المعتمدة عندهم تتضمن طعنًا صريحًا ومقذعًا في غيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين يرسل رجلًا أجنبيًّا لزوجته ويصفها بأنها مشتاقة إليه، وطعنًا في ستر فاطمة رضي الله عنها؛ ونحن أهل السنة نبرأ إلى الله من هذه المرويات الساقطة، وننزه آل البيت الأطهار من هذه الأباطيل.

الخلاصة:

سقوط الإسناد كليًّا: ثبت بالدليل الحديثي بطلان الرواية؛ بسبب ضعف وتدليس "أبي جناب الكلبي"، وانقطاع السند بين سليمان بن بريدة وعمر بن الخطاب لعدم المعاصرة الفاعلة.

نكارة المتن والدراية: تبين أن متن الشبهة شاذ ومصادم لغيرة عمر بن الخطاب المشهورة تاريخيًّا، ومخالف للأحكام القطعية في وجوب الحجاب ومنع الاختلاط.

إلزام الخصوم بمروياتهم: كشف البحث أن كتب الشيعة المعتبرة لديهم (كالبحار والحلية) أوردت بأسانيد صححتها قصصًا تنسب التكشف وسقوط الحجاب لفاطمة الزهراء أمام سلمان الفارسي؛ مما يسقط أهليتهم للنقد.

اقرأ أيضا| طعنهم في الفاروق رضي الله عنه لوضعه الخراج على أرض السواد

تنزيه الصحابة وآل البيت: يؤكد التحقيق العلمي براءة عمر، وعلي، وفاطمة، وأم كلثوم رضي الله عنهم من هذه المرويات المختلقة، وأنها من باب البهت العظيم المرفوض شرعًا وعقلًا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات