تتحرك الآلة الدعائية لخصوم الصحابة عبر التقاط الروايات الفقهية المتعلقة بأحكام العبيد والإماء في صدر الإسلام؛ محاولةً صياغتها بأسلوب يوهم الشخص البسيط بوجود خلل أخلاقي أو تبرج في دار الخلافة الراشدة، ومن ذلك التشغيب بمسألة كشف إماء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرؤوسهن أثناء الخدمة.
فزعم كاتبهم علي الكوراني أن جَواري عمر رضي الله عنه في دار الخلافة كنّ متبرجات [جواهر التاريخ، 2/67-68].
واستدل بما نقله عن سنن البيهقي ومبسوط السرخسي وتصحيح الألباني في إرواء الغليل لحديث أنس رضي الله عنه: «كنّ إماء عمر رضي الله عنه يخدمننا كاشفات عن شعورهن، تضطرب ثديّهن»، وزعم أن فقهاء السنة شرعنوا هذا التبرج، مستشهدًا بضرب عمر للأمة المتقنعة وقوله لها: «ألقي عنك الخمار يا دفار».
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الحكم الحديثي اللفظي والتفريق بين (تضرب) و(تضطرب)
رواية السنن الكبرى للبيهقي:: جيد مقطوع.
العلة: السند صحيح ورجاله ثقات إلى أنس؛ واللفظ المحفوظ المحقق هو: «تضرب ثديّهن»، والضمير يعود على "الشعور"، ومعناه اللغوي أن شعر الجارية كان طويلًا يضرب صدرها من الخلف أو الأمام نتيجة سرعة حركتها ودأبها في الخدمة والعمل [السنن الكبرى، 2/320].
رواية يحيى بن سلام في تفسيره: ساقطة موضوعة (مكذوبة).
العلة: هي الرواية التي ورد فيها لفظ "تضطرب ثديهن" بوصف الصدر نفسه؛ وفي سندها نصر بن طريف (أبو جزي القصاب)، وهو متهم بالوضع ومجمع على كذبه؛ قال الفلاس: «وممن أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروي عنهم قوم: نصر بن طريف» [تفسير يحيى بن سلام، 1/441؛ لسان الميزان، ابن حجر، 6/153]. فلا يصح الاحتجاج بلفظة صاغها كذاب.
ثانيًا: التكييف الفقهي والتشريعي لثياب الخدمة والإماء
إن الشريعة الإسلامية فرقت في أحكام اللباس والستر بين "الحرائر" و"الإماء" لاعتبارات عملية محضة لا علاقة لها بالشهوة؛ فالإماء يكثر احتياجهن للمشي في الأسواق، والخدمة، والذهاب والمجيء، فخُفف عنهن الحجاب التزامًا برفع المشقة؛ ويؤصل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: «قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]؛ الآية دليل على أن الحجاب إنما أُمر به الحرائر دون الإماء؛ لأنه خص أزواجه وبناته..، والإماء لم يدخلن في نساء المؤمنين» [مجموع الفتاوى، 15/448].
وهذا التخفيف خاص بـ "ثياب المهنة والخدمة" للأمة المبتذلة، وليس إباحة مطلقة للتبرج؛ يقول ابن القيم مفرقًا: «وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق، والطرقات، ومجامع الناس، وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟! فهذا غلط محض» [أعلام الموقعين، 2/354].
وكان ضرب عمر للأمة التي تلبس الخمار (النقاب) تأكيدًا وتطبيقًا صارمًا لمنع التدليس التميزي حتى لا تتشبه الأمة بالحرائر فيقع اللبس والفساد.
ثالثًا: حدود عورة الأمة وإجبارها على كشف رأسها في فقه الشيعة
إن تشغيب كُتَّاب الشيعة بهذا الأثر ينم عن جهل فاضح بأحكامهم؛ إذ إن الفقه الشيعي يطابق فعل عمر بل ويزيد عليه في التضييق على الأمة ومنعها من الستر:
عورة الأمة عندهم كعورة الرجل: روى الحميري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنه قال: «إذا زوّج الرجل أمته فلا ينظرنّ إلى عورتها، والعورة ما بين السرة والركبة» [قرب الإسناد، 1/103]. وطبقًا لهذا؛ فإن شعر الأمة وصدرها ليس عورة عندهم.
تحريم وترجيح كراهة الحجاب للأمة: ينقل فقههم منع الأمة من التقنع؛ يقول يوسف البحراني: «وظاهر الصدوق في كتاب العلل القول بتحريم الستر على الأمة؛ حيث قال: باب العلة التي من أجلها لا يجوز للأمة أن تقنع رأسها» [الحدائق الناضرة، 7/18].
ضرب الأمة إذا غطت رأسها في الصلاة: روى العطاردى عن الصادق قال: «سألته عن الأمة تقنع رأسها في الصلاة؟ قال: اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة» [مسند الإمام الصادق، 10/271].
فإذا كان فقههم يوجب ضرب الأمة لإجبارها على كشف رأسها حتى في الصلاة؛ فعلامَ يشنعون على الفاروق؟!
رابعًا: إباحة "تحليل الفرج" وإعارة الجواري في فقه الشيعة
من باب الإلزام؛ بينما يستنكر الشيعة مجرد رؤية شعر الأمة أثناء تقديم الطعام للضيوف؛ نجد أن فقههم وعلمائهم يجيزون تشريعًا غريبًا يسمى "تحليل الجارية"؛ حيث يحق لمالك الأمة أن يعير فرجها وجسدها لأجنبي آخر دون زواج أو بيع:
مستويات تحليل الجارية: روى الكليني وصححه المجلسي عن أبي عبد الله قال: «إذا أحل الرجل للرجل من جاريته قبلة لم يحل له غيرها؛ فإن أحل له منها دون الفرج لم يحل له غيره؛ وإن أحل له الفرج حل له جميعها» [الكافي، 11/69؛ مرآة العقول، 21/197].
إعارة الجارية لقضاء الوطر: روى الطوسي موثقًا كالصحيح عن أبي عبد الله قال: «يا محمد خذ هذه الجارية تخدمك وتصب منها، فإذا خرجت فارددها إلينا»؛ وهو خبر معتبر محتج به عندهم [الاستبصار، الطوسي، 3/136؛ روضة المتقين، المجلسي الأول، 8/437؛ رياض المسائل، الطباطبائي، 11/432؛ الحدائق الناضرة، 24/316].
فيقال لهؤلاء: إذا كان دينكم يبيح للرجل الأجنبي أن يأخذ جارية غيره ليطأها ويفعل بها ما يشاء بمجرد لفظ "التحليل"؛ فكيف تجرؤون على التشنيع بأن إماء عمر بن الخطاب كنّ يخدمن الضيوف كاشفات عن شعورهن الطويلة التي تضرب متونهن وصدرهن من كثرة الحركة؟!
الخلاصة:
تحريف اللفظ الحديثي: أثبت النقد العلمي أن اللفظ المحفوظ في الصحيح هو «تضرب ثديّهن» والمقصود به طول شعر الرأس الـمتحرك، أما لفظ "تضطرب" الدال على وصف الصدر فهو من رواية "نصر بن طريف" وهو كذاب وضّاع بإجماع المحدثين.
التخفيف الشرعي للإماء: تبين أن كشف الرأس للإماء أثناء الخدمة هو حكم شرعي تشترك فيه المذاهب الإسلامية لرفع المشقة والتفريق البصري بين الحرة والمملوكة.
مطابقة الفقه الشيعي للفعل: أثبت البحث من بطون مصادر الشيعة (ككتاب العلل ومسند الصادق) أن عورة الأمة لديهم هي ما بين السرة والركبة فقط، وأنهم يوجبون ضرب الأمة لو سترت رأسها في الصلاة.
اقرأ أيضا| الطعن في خلافة الفاروق رضي الله عنه لقول الحسين رضي الله عنه له: «انزل عن منبر أبي»
إلزامهم بتشريع التحليل: كشف التحقيق الفقهي أن الشيعة يبيحون بنصوص معتبرة إعارة الفرج للجواري (تحليل الجارية) ليفعل بها الأجنبي ما يشاء؛ مما يجعل تشنيعهم على سيرة عمر تناقضًا أخلاقيًّا صارخًا.
لتحميل الملف pdf