أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ضرب الباكيات على الصدّيق رضي الله عنه

يتشبث منتقدو الفاروق رضي الله عنه ببعض المواقف التنظيمية والزجرية التي باشرها في عهد خلافته؛ محاولين تصويرها على أنها محض غلظة وقسوة مجردة عن الحق، ومن ذلك قصة تأديبه لبعض النسوة اللواتي نُحنَ على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فادعى كاتبهم ناصر حسين الموسوي الهندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل الغلظة والضرب مع نساء بيت أبي بكر حين بَكينَ عليه [إفحام الأعداء والخصوم، ص 107].

واستدل بما رواه ابن سعد في طبقاته عن سعيد بن المسيب قال: «لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح، فبلغ عمر، فجاء فنهاهن عن النوح على أبي بكر، فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: أخرج إليّ ابنة أبي قحافة، فعلاها بالدرة ضربات، فتفرق النوائح حين سمعن ذلك، وقال: تردن أن يعذّب أبو بكر ببكائكن، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» [الطبقات الكبرى، ابن سعد، 3/156].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الحكم الحديثي والسندي لطرق الرواية

•          رواية ابن سعد والخط الطبري: ضعيفة لا تصح.

العلة: الانقطاع والإرسال فيما فوق سعيد بن المسيب؛ فالسند متصل وصحيح إلى سعيد، لكنّ سعيدًا ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل لأربع سنين، فلم يدرك الواقعة ولا عاصرها [التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 15/498].

•          تعليق البخاري في صحيحه: جزم البخاري بالقصة تعليقًا في باب إخراج أهل المعاصي والخصوم، وتعقبه الشراح ببيان الانقطاع الفني للقصة؛ حيث قال العيني: «هذا منقطع فيما بين سعيد وعمر؛ فينظر في جزم البخاريّ» [عمدة القاري، 12/260].

ثانيًا: حقيقة التأديب والنهي عن المنكر

إن محاولة تصوير هذا الموقف على أنه غلظة مذمومة هو تأويل باطل؛ بل هي شدة فاروقية في إقامة الحق والزجر عن المعاصي والبدع التي كان يبدأ بها عمر رضي الله عنه في أهل بيته وخاصته قبل عامة الناس.

فالمحرّم الذي ارتكبته أخت أبي بكر رضي الله عنه (أم فروة) هو "النياحة" وشق الجيوب، وهو من أفعال الجاهلية التي جاء الإسلام بتحريمها، فلما نهاهن الخليفة أول مرة وأبين الانتهاء، تعيّن عليه زجرهن وتأديبهن؛ يقول ابن الجوزي تعليقًا على الحادثة: «ابنة أبي قحافة هي: أم فروة أخت أبي بكر، فلما لم يمكنه أن يكلم عائشة هيبة لها واحترامًا، أدّب هذه» [كشف المشكل من حديث الصحيحين، 1/60].

فهذا الصنيع يندرج ضمن واجبات الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية العامة التي تسوي بين الجميع في القصاص والتعزير.

ثالثًا: التفريق التشريعي بين البكاء الطبيعي والنياحة المحرمة

إن زجر عمر رضي الله عنه لم يكن متوجهًا إلى مجرد دمع العين أو حزن القلب الطبيعي على الميت ليصح تشغيب كاتبهم عباس القمي واحتجاجه بوقائع بكاء النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة أو جعفر رضي الله عنهما [تعريب منتهى الآمال، هاشم الميلاني، 1/823]؛ وإنما انصب الإنكار الراشدي على "النوح" الصريح والتعدد الجاهلي؛ إذ النياحة معصية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد على النساء بتركها:

•          ثبت في الصحيح عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس..،» [صحيح مسلم، 2/645].

•          وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: «أغمِيَ على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، وكذا، وكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: كذلك؟! فلما مات لم تبك عليه» [صحيح البخاري، 5/144].

رابعًا: شفقة الفاروق على الصديق وحفظه من العذاب

إن الباعث الحقيقي وراء حزم عمر رضي الله عنه مع أولئك النسوة لم يكن جفاءً؛ بل كان محض شفقة، ومحبة، وخوف على رفيقه وصاحبه في الغار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يناله شيء من الأذى أو اللوم في قبره؛ ولهذا علل فعله صراحة بذكر السُنّة النبوية قائلًا: «تردن أن يعذّب أبو بكر ببكائكن، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليُعذّب ببكاء أهله عليه» [الطبقات الكبرى، 3/208].

خامسًا: إلزام الخصوم باستعمال علي بن أبي طالب للدرة والتأديب

إذا كان الشيعة يستنكرون حمل عمر للدرة وتأديب الرعية بها في الأسواق والبيوت لإقامة الشريعة؛ فإن مصادرهم المعتمدة تثبت بصورة أشد وأوسع أن عليًّا رضي الله عنه كان لا تفارق الدرة يده، وكان يضرب بها الرجال والنساء والنسوة في الأسواق متى استحقوا الزجر:

•          ضربه للتاجر بالدرة لحماية الضعفاء: روى الطبرسي عن مختار التمار في قصة علي رضي الله عنه مع الجارية الباكية والتاجر، وجاء فيها حمايته لحقها ثم نزول المطر ودخوله إلى دكان، فدفعه صاحب الحانوت، فقال علي: «يا قنبر أخرجه إليّ، فعلاه بالدرة، ثم قال: ما ضربتك لدفعك إياي؛ ولكني ضربتك لئلا تدفع مسلمًا ضعيفًا فتكسر بعض أعضائه فيلزمك» [مكارم الأخلاق، ص 100].

•          ملازمة الدرة لعلي في أحكامه الفورية: يذكر عالمهم المجلسي مرافقة الدرة لعلي رضي الله عنه في نصره للمظلومين وسياسته للرعية: «وكان إذا ذهب إلى مكان أخذ الدرة بيده، والسيف معلق تحت يده، فمن حل عليه حكم بالدرة ضربه، ومن حل عليه حكم بالسيف عاجله» [بحار الأنوار، 40/113].

•          ضربه للمطففين والغشاشين في الأسواق: روى قاضي الشيعة النعمان المغربي: «وعن علي عليه السلام أنه كان يمشي في الأسواق وبيده درّة يضرب بها من وجد من مطفّف، أو غاشّ في تجارة المسلمين» [دعائم الإسلام، 2/538].

فإذا كان صنيع علي بالدرة في كتب الشيعة هو محض حسن سياسة وعدل وحزم إمامي ممدوح؛ فكيف ينقلب الفعل نفسه عند الفاروق إلى قسوة وغلظة مذمومة تخرجه عن المروءة؟! إن هذا لا يخرج عن التناقض والهوى.

الخلاصة:

•          انقطاع الرواية: ثبت بالدليل الحديثي أن الأثر منقطع الإسناد بين سعيد بن المسيب وعمر بن الخطاب؛ لأن سعيدًا لم يعاصر الواقعة، مما يسقط الاحتجاج التاريخي باللفظ.

•          التعزير الشرعي للنياحة: ثبت أن الفعل (لو صح الأثر) هو محض سياسة شرعية وتأديب زجري مارسه الخليفة ضد معصية النياحة الجاهلية التي تظاهرت النصوص الصحيحة على تحريمها والنهي عنها.

•          التفريق بين النوح والبكاء: بيّن البحث أن نية عمر رضي الله عنه كانت قائمة على الشفقة بأبي بكر لمنع النوح المحرم وليس البكاء الفطري؛ مستندًا للحديث المرفوع: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».

اقرأ أيضا| زعمهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفض أن يسير بسيرة الشيخين

•          إلزام الخصوم بسيرة علي: أثبتت نصوص مصادر الشيعة (كالبحار ودعائم الإسلام) أن عليًّا رضي الله عنه كان يستعمل الدرة بانتظام ويضرب بها رعيته وتجاره لإقامة العدل؛ مما يرفع التهمة عن عمر ويبطل الكيل بمكيالين.


لتحميل الملف pdf

تعليقات