أورد كاتبهم محسن الخياط هذه الشبهة في مصنفه تحت عنوان استفهامي: (هل كان عمر بن الخطاب كاذبًا؟!) [الإفصاح عن المتواري من أحاديث المسانيد والسنن الصحاح، 1/551].
واستدل بما رواه مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في حديث طويل، جاء فيه أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها دخلت على حفصة زائرة، فدخل عمر فقال حين رآها: «الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، فغضبت، وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلًا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء في الحبشة..،» [صحيح مسلم، 4/1946].
قالوا: فهذا تصريح من أسماء بنت عميس باتهام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكذب حقيقة.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الاستعمال اللغوي لكلمة (كذب) بمعنى (أخطأ) عند أهل الحجاز
إن الجهل بأساليب العرب في الخطاب ولغة قريش وأهل الحجاز هو الذي يوقع هؤلاء الطاعنين في مثل هذه الشبهات المتهافتة؛ إذ إن لفظ "الكذب" يطلق في لغة أهل الحجاز ويراد به (الخطأ والغلط في الرأي)، وليس الافتراء المتعمد كما يتبادر إلى الأذهان اليوم.
ويؤصل الإمام النووي لهذا المعنى اللغوي في شرحه للحديث قائلًا: «قولها لعمر رضي الله عنه: "كذبت" أي: أخطأت، وقد استعملوا كذب بمعنى أخطأ» [شرح النووي على مسلم، 16/65].
ويؤكده المرتضى الزبيدي في معجمه بقوله: «وفي التوشيح: أهل الحجاز يقولون: كذبت بمعنى أخطأت، وقد تبعهم فيه بقية الناس" [تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، 2/365].
ويشرح الدكتور محمد عجاج الخطيب هذا العرف الاجتماعي بين الصحابة قائلًا: «وإذا صدر عنهم ألفاظ (الكذب) فإنما يقصدون بها الخطأ والغلط، لا التكذيب والافتراء، وكان هذا يقع كثيرًا بين الصحابة ولا يرون فيه جرحًا ولا إهانة، ولا يخرجون من قيل له ذلك من العدالة والصدق..، فهل يتصور من أسماء أو غيرها أنها تعني التكذيب بمعنى الافتراء؟ إنها تعني الخطأ ولا شك» [أبو هريرة راوية الإسلام، ص 232-233].
ومن الشواهد المرفوعة على هذا الاستعمال؛ حديث أبي السنابل رضي الله عنه لما أفتى سبيعة الأسلمية بعدم انقضاء عدتها بوضع الحمل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كذب أبو السنابل» [مسند أحمد، 7/305، رقم 4273]؛ ومعناه قطعًا: أخطأ أبو السنابل في فتياه؛ لأن أبا السنابل مجتهد متأول ولم يكن يتعمد الكذب على الشريعة.
ثانيًا: اعتراف علماء الشيعة بمجيء الكذب بمعنى الخطأ
مما يبطل تشغيب الخصوم، أن محققيهم وفقهاءهم يعترفون في مصنفاتهم الأصولية والفقهية بهذه القاعدة اللغوية، ويحملون لفظ الكذب على معنى الخطأ والاشتباه لتبرير مروياتهم؛ يقول محمد الجواهري: «إنه لم يؤخذ في مفهوم الكذب التعمد، فمعنى أكذب نفسه أنه أظهر اشتباهه، لا أنه اعترف بتعمد كذبه، وقد أجابني بهذا السيد الأستاذ، وكتب اللغة تؤكد صحة ما قاله دام ظله؛ فإن الكذب يأتي بمعنى الخطأ، يقولون: كذبت، بمعنى أخطأت" [الشهادات والحدود، محمد الجواهري، 2/83].
ثالثًا: المفارقة المنهجية وتبرير الكذب الصريح لرواتهم
تظهر المفارقة المنهجية الصارخة عند الشيعة؛ فبينما يتكلفون المستحيل لحمل كلام أسماء بنت عميس -المبني على مذهب أهل الحجاز في الخطأ- على معنى الافتراء للطعن في عمر؛ نراهم في المقابل يخترعون الأعذار والتبريرات الباردة لأعمدة رواتهم الذين ثبت عنهم الكذب الصريح والمتعمد بنسبتهم أحاديث مكذوبة للأئمة، ويحكمون ببقاء وثاقتهم وعدالتهم؛ ومن أبرز الأمثلة على ذلك الراوي عبد الله بن بكير:
• حيث يذكر علي الطباطبائي إقدام ابن بكير على اختراع نسبة رواية لزرارة نصرةً لرأيه الفقهي في الطلاق، ويبرر ذلك بقوله: «وليس مثل ذلك قدحًا فيه، ومنافيًا لدعوى إجماع العصابة على صحة ما صحّ عنه من الرواية..، لاحتمال رؤيته المصلحة في ذلك لتشييد ما رآه وصحّحه..، فالتجأ إلى اختراع تلك النسبة إلى زرارة إعلاءً لما هو المذهب عنده والحجّة، ويكون ذلك عنده كذبًا لمصلحة، ولعلَّ مثل ذلك عنده لا ينافي العدالة» [رياض المسائل، 12/248]. فصار الكذب والاختراع والتدليس حماية للمذهب أمرًا سائغًا لا يسقط العدالة!
• ويعتذر له شيخ طائفتهم الطوسي قائلًا: «ومن هذه صورته: يجوز أن يكون أسند ذلك إلى زرارة نصرة لمذهبه الذي أفتى به، وأنه لما رأى أن أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه، أسنده إلى من رواه عن أبي جعفر عليه السلام، وليس عبد الله بن بكير معصومًا لا يجوز هذا عليه» [الاستبصار، 3/276].
• ويؤكد أبو القاسم الخوئي بقاء وثاقة الكاذب معترفًا بكذبه المخصوص بقوله: «وأما ما ذكره الشيخ في (الاستبصار) فلا ينافي الحكم بوثاقته، غايته أن الشيخ احتمل كذب عبد الله بن بكير في هذه الرواية بخصوصها نصرة لرأيه، ومن المعلوم أن احتمال الكذب لخصوصية في مورد خاص لا ينافي وثاقة الراوي في نفسه» [معجم رجال الحديث، 11/132].
فيقال لهؤلاء: إذا كان الكذب المتعمد، واختراع الأسانيد، ونسبة الأقوال الباطلة للأئمة نصرةً للمعتقد يُعد عند علمائكم (الطوسي، والطباطبائي، والخوئي) أمرًا سائغًا لا يقدح في وثاقة الراوي وعدالته؛ فكيف تبيحون لأنفسكم الطعن في الفاروق عمر بن الخطاب بكلمة خرجت من صحابية فاضلة بناءً على لغتها الحجازية المستقرة في معنى الخطأ والاشتباه الفكري؟!
الخلاصة:
• المعنى الحجازي للفظ: أثبت النقل الأثري واللغوي (كالنووي والزبيدي) أن كلمة "كذبت" في عرف أهل الحجاز وعصر الصحابة تعني "أخطأت واشتبهت في الرأي"، ولم تدل يومًا على تهمة الافتراء الأخلاقي.
• الشاهد من السنة: تمثلت القاعدة اللغوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب أبو السنابل»؛ والمراد الفقهي الجازم هو تخطئته في الفتيا لا اتهامه بالتعمد.
• إقرار علماء الخصوم: أثبت البحث اعتراف علماء الشيعة (كالجواهري) بأن الكذب في لغة العرب يطلق على الخطأ والاشتباه دون اشتراط التعمد.
اقرأ أيضا فرية محاولة عمر رضي الله عنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة
• تناقض معايير التوثيق والعدالة: كشف البحث عن مأزق أخلاقي وعلمي في المنهج الشيعي؛ حيث يبرر أكابرهم (كالطوسي والخوئي) الكذب الصريح والتدليس المتعمد لراوٍ مثل "عبد الله بن بكير" بدعوى نصرة المعتقد، بينما يتكلفون الطعن في عمر بن الخطاب بناءً على عبارات حجازية بريئة من تهمة الكذب حقيقة.
لتحميل الملف pdf