يُحاول الشيعة رمي عمر رضي الله عنه بـ "الجهل"؛ لمجرد أنه نهى عن التسمي بأسماء الأنبياء، متجاهلين الدوافع الشريفة وراء هذا التوجه، والتي تتمثل في صيانة هذه الأسماء عن الابتذال والسب، وغافلين عن أنَّ مراجعهم قرروا المعنى ذاته في كتبهم.
فشنعوا على الفاروق رضي الله عنه في قضية التسمي بالأسماء الشريفة، زاعمين أنَّ موقفه يكشف عن جهلٍ بالسنة.
قال عالمهم الأميني: «تكشف هذه الروايات عن موارد من الجهل: نهي الخليفة عن التسمية باسم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وأمره المسمين به بتغيير أسمائهم، ونهيه عن التسمي بأسماء الأنبياء» [نوادر الأثر في علم عمر، الأميني، 228].
وادعى ميثاق عباس الحلي أنَّ لعمر دورًا بارزًا في التدخل لتغيير الأسماء ومنع التسمي بأسماء الأنبياء [يتيم عاشوراء من أنصار كربلاء، الحلي، 109].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حقيقة النهي وصيانة جناب النبوة
إنَّ ما رُوي عن عمر رضي الله عنه في هذا الباب لم يكن جهلًا بفضل هذه الأسماء، بل كان حمايةً لها من أن تُهان أو تُسب في عرض التعاملات اليومية.
• كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: «لا تسموا أحدًا باسم نبي»، وأمر جماعة بتغيير أسماء أبنائهم؛ حتى علم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذن لبعضهم فتركهم. [التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن، 18/430].
• ذكر الإمام القرطبي أنَّ مقتضى النهي (على تسليم صحته) هو "النهي عن لعن من تسمى بمحمد" لا عن التسمية ذاتها؛ بدليل أنَّ عمر سمع رجلًا يسب ابن أخيه (محمد بن زيد) قائلًا: "فعل الله بك يا محمد"، فغضب عمر وقال: «وإن سيدنا رسول الله يسب؟! بل والله لا يدعى محمدًا ما بقيت»، وسماه عبد الرحمن. [التوضيح، ابن الملقن، 18/430].
ثانيًا: المسألة محل خلاف فقهي معتبر
مسألة التسمية بأسماء الأنبياء كانت محل أخذٍ ورد بين الفقهاء؛ والجمهور على الجواز. يقول الإمام النووي: «مذهبنا ومذهب الجمهور، جواز التسمية بأسماء الأنبياء والملائكة..، ولم ينقل فيه خلاف إلا عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنه نهى عن التسمية بأسماء الأنبياء..، وعن مالك كراهة التسمية بجبريل وياسين» [المجموع شرح المهذب، النووي، 8/436].
ثالثًا: المقصد الشرعي (التوقير والتنزيه)
كان قصد الفاروق تنزيه أسماء الأنبياء عن العبث. يقول القاضي عياض: «ولعلَّ تأويله ما قدمناه من تنزيه أسمائهم عن العبث بها فيمن سميت به؛ توقيرًا لهم، وتنزيهًا عن ذم أسمائهم، وأن يسمى بها غيرهم» [إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، 7/10].
رابعًا: رجوع الفاروق عن قوله
من كمال إنصاف عمر رضي الله عنه أنه كان وقافًا عند السنة؛ فبمجرد أن علم بمشروعية التسمي بها أمسك عن نهيه.
يقول ابن القيم: «خفي عليه جواز التّسمّي بأسماء الأنبياء، فنهى عنه حتَّى أخبره به طلحة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كنّاه أبا محمّدٍ؛ فأمسك ولم يتماد على النّهي» [إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/193].
خامسًا: موافقة مراجع الشيعة لعمر في هذه العلة
العجيب أنَّ ما رماه به الأميني بـ"الجهل"، هو ذاته ما يراه كبار مراجع الشيعة مستحبًا في حق المماليك والعبيد؛ خشية إهانة الاسم الشريف.
• يقول الجواهري: «وأما التسمية بأسماء الأنبياء والأئمة فالأولى تركه؛ لخوف إهانة الاسم باستخدامه، والأمر سهل» [جواهر الكلام، النجفي الجواهري، 24/170].
• ويقول جعفر كاشف الغطاء: «وأما التسمية بأسماء الأنبياء والأئمة عليهم السلام فالأولى تركه لخوف إهانة الاسم باستخدامه» [شرح الشيخ جعفر على قواعد العلاّمة، كاشف الغطاء، 337].
الخلاصة:
• صيانة الجناب النبوي: نهي عمر كان بدافع الغيرة والتعظيم لأسماء الأنبياء؛ لكي لا تُبتذل بالسب والشتم في ساعات الغضب والخصومات.
• الرجوع للحق: لم يصر عمر رضي الله عنه على رأيه بمجرد قيام الحجة عنده من السنة؛ وهذا شأن المؤمن المنقاد للحق، وليس شأن الجاهل كما زعم الأميني.
• ازدواجية مراجع الشيعة: إن كان نهي عمر رضي الله عنه "جهلًا"؛ فبماذا يصف الشيعة مراجعهم (الجواهري وكاشف الغطاء) الذين قرروا أنَّ الأولى ترك التسمي بأسماء الأنبياء والأئمة في بعض الحالات لخوف إهانتها؟!
• مراعاة المقاصد: إنَّ نظر المجتهد في صيانة المقدسات عن الامتهان هو نظرٌ سديد؛ ولذلك اعتذر كبار أئمة السنة لعمر رضي الله عنه وبيّنوا وجهة نظره الفقهية الرفيعة.
• التشغيب الأحمق: محاولة تصوير مواقف عمر رضي الله عنه الفقهية على أنها "تدخل" أو "جهل" هي محاولة بائسة؛ فالواقع يثبت أنَّ الصحابة جميعًا كانوا يتدارسون العلم ويُصحح بعضهم لبعض في جوٍ من الأدب والاحتساب.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يجهل قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين
• كلمة جامعة: يقول الإمام ابن تيمية: «وما من أحدٍ من الأئمة إلا وله أقوالٌ خفيت عليه فيها السنة، وعمر رضي الله عنه أتبع الناس للسنة، فإذا خفي عليه شيءٌ منها وعُرف به رجع إليه» [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 20/240].
لتحميل الملف pdf