روى الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني قال: "خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته من فاطمة..، فقام علي فأمر بابنته من فاطمة، فُزيّنت، ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلما رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي لأبيك قد رضيت، قد رضيت، قد رضيت، فلما جاءت الجارية إلى أبيها، قال لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟ قالت: دعاني وقبّلني، فلما قمت أخذ بساقي، وقال: قولي لأبيك قد رضيت. فأنكحها إياه..". [تاريخ بغداد، 7/126].
فيحاول الشيعة تجاوز حدود الطعن الفقهي والسياسي إلى المساس بالجانب الأخلاقي والمسلكي؛ حيث يزعمون أن الفاروق رضي الله عنه كشف عن ساق السيدة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما وقبّلها حين بعث بها أبوها إليه ليرى ملاحتها قبل عقد النكاح. انظر: [الكافي، 5/346]، [مرآة العقول، 21/197]، [بحار الأنوار، 38/88]..، وغيرها
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الحكم الحديثي والسندي لطرق الرواية
• رواية الخطيب البغدادي: الحكم: باطلة.
العلة: تفرد إبراهيم بن مهران بن رستم، وهو منكر الحديث عن الثقات وكثير الوهم [الضعفاء والمتروكون، ، 1/32؛ الضعفاء الكبير، 1/52].
• رواية الحاكم في المستدرك: الحكم: ضعيفة.
العلة: الانقطاع بين علي بن الحسين وعمر بن الخطاب، وخلوها من زيادتي اللمس والتقبيل [المستدرك، تعليق الذهبي، 3/153].
• رواية ابن إسحاق في السير: الحكم: ضعيفة.
العلة: الانقطاع؛ لأن عمر بن عاصم لم يدرك الخليفة عمر، وفي طريقها الآخر راوٍ مجهول [السير والمغازي، ، ص 248].
• رواية الطبراني في الكبير: الحكم: موضوعة (مكذوبة).
العلة: مجيئها من طريقين؛ الأول فيه الحسن بن سهل وهو مجهول العين [الفتاوى الحديثية، الحويني، 2/356]، والثاني فيه سيف بن محمد وهو كذاب وضاع [تقريب التهذيب، رقم 2726].
تنبيه: صحح الشيخ الألباني أصل القصة في "الصحيحة" [1/156] بناءً على تقليد ابن حجر، ثم تراجع عن التصحيح علانية وحكم بضعف الأسانيد ونكارتها في مصنفه اللاحق [سلسلة الأحاديث الضعيفة، 3/433-434].
ثانيًا: ثبوت الزواج وإبطال مرويات المظلوميات الشيعية
إن زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما حقيقة تاريخية ثابتة ومستقرة في أصول (السنة والشيعة)، ولا ينكرها إلا معاند؛ فقد ثبت عند أهل السنة في صحيح البخاري وسير النبلاء للذهبي، وثبت عند الشيعة في أمهات كتبهم: كـ"الكافي" للكليني في باب (تزويج أم كلثوم) [5/346] وصححه المجلسي في "مرآة العقول" [21/197]، ورواه الطوسي في "الاستبصار" [3/352] وفي "تهذيب الأحكام" [8/161]، وبحار الأنوار للمجلسي [38/88] ، بل ونقل الشريف المرتضى إجماعهم عليه [رسائل المرتضى، 3/150].
وهذا الثبوت الفعلي والشرعي لهذا الزواج يترتب عليه إلزامان ينسفان الفكر الشيعي:
1. نسف فرية كسر الضلع: إن مصاهرة علي لعمر تزيل كافة الروايات الموضوعة التي تدعي أن عمر ضرب فاطمة وأسقط جنينها؛ إذ لا يمكن عقلًا ولا مروءة أن يزوج علي ابنته لقاتل زوجته وضاربها.
2. شهادة علي بعدالة عمر وأمانته: إن تزويج علي لابنته يمثل تزكية عظمى لدين عمر وأمانته؛ عملًا بالقواعد النبوية الثابتة في كتب الشيعة أنفسهم؛ كالمروي في أمالي الطوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب إليكم فزوجوه» [الأمالي، ص 519].
ثالثًا: ثبوت نقائص العورات والأخلاق في فقه الشيعة
من باب الإلزام؛ يُظهر تفتيش المصادر الفقهية للشيعة نصوصًا حوت تشريعات وأفعالًا تُسند للأئمة تفوق نكارة القصة الموضوعة على عمر؛ حيث تشرعن انتهاك الحياء:
• هل كشف علي رضي الله عنه ساق الجواري؟: روى الكليني والصفار عن علي بن علوان عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام: «أنه كان إذا أراد أن يبتاع الجارية يكشف عن ساقيها فينظر إليها» [قرب الإسناد، الحميري، 1/103].
• المباشرة أمام الغير وسقوط الحياء: روى الطوسي في التهذيب عن أبي عبد الله الصادق في الرجل ينكح جاريته ومعه في البيت من يرى ذلك ويسمع؟ قال: «لا بأس» [تهذيب الأحكام، الطوسي، 8/208؛ الحدائق الناضرة، البحراني، 23/137].
• النساء بمنزلة اللعب: روى محمد تقي المجلسي موثقًا عن غياث بن إبراهيم عن الصادق: «لا بأس أن ينام الرجل بين أمتين والحرتين, إنما نساؤكم بمنزلة اللعب» [روضة المتقين، المجلسي الأول، 8/449؛ جامع المدارك، الخوانساري، 4/357].
• عورة المرأة عندهم قُبُلها ودُبُرُها فقط: أفتى فقيههم ابن الجنيد الإسكافي بأن حدود عورة المرأة الأجنبية كعورة الرجل تمامًا؛ حيث قال: «الذي يجب ستره من البدن العورتان، وهما القبل والدبر من المرأة والرجل» [مجموع فتاوى ابن الجنيد، ص 52؛ مختلف الشيعة، الحلي، 2/97-98].
رابعًا: تنزيه غيرة ونخوة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إن تفنيد هذه الرواية الساقطة لا يحمي جناب الفاروق عمر فحسب، بل هو في المقام الأول تنزيهٌ وتكريمٌ لمقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآل البيت الأطهار.
فالمستقر في الفِطَر والطباع أن العرب عمومًا، ورجال البيت الهاشمي خصوصًا، هم ذروة النخوة، والغيرة، وحماية الأعراض وصيانتها.
وبناءً عليه، لا يمكن أن يُقبل عقلًا ولا مروءةً إسناد مثل هذه التفاصيل المنكرة إلى علي رضي الله عنه؛ بادعاء أنه يرسل ابنته شابةً مُزيّنة إلى رجل أجنبي قبل عقد النكاح ليفعل بها ذلك، ثم يمضي النكاح بعدها كأن شيئًا لم يكن!
إن نكارة المتن في حد ذاتها تؤكد أن هذه القصة صيغت بأيدي وضّاعين جُهّال لا يقدرون مكانة علي بن أبي طالب، ولا يعرفون ما يجب له من الإجلال والغيرة الراسخة على حُرَمه وأهله.
الخلاصة:
• بطلان الرواية حديثيًّا: أسفر النقد السندي عن سقوط الفرية بجميع أساليبها؛ لتفرد المتروكين والكذابين بها، مع ثبوت تراجع الألباني عن تحسين أصلها.
• قطعية المصاهرة الراشدة: حظي زواج عمر من أم كلثوم بثبوت قطعي في مصادر السنة والشيعة (كالكافي والتهذيب)، مما ينسف مرويات ضرب فاطمة وكسر ضلعها كليًّا.
• تزكية العقيدة والأمانة: نكاح أم كلثوم يمثل تطبيقًا عمليًّا لرضا علي بن أبي طالب بـ دين وأمانة عمر بن الخطاب؛ وفق القواعد المستقرة في أمالي الطوسي.
• إسقاط الحياء في فقه الخصوم: أثبت البحث الإلزامي وجود نصوص شيعية تبيح كشف ساق الجواري للنظر، والنكاح أمام الرعاة، وتحديد عورة المرأة بالقبل والدبر؛ مما يسقط أهليتهم الأخلاقية للنقد.
اقرأ أيضا| إنكارهم حديث: «لو كان نبي بعدي لكان عمر»
• لازم الطعن: تبين أن متن الشبهة يسيء لغيرة ونخوة علي وآل البيت رضي الله عنهم أضعاف إساءتها لعمر رضي الله عنه؛ مما يؤكد وضعها من قِبل جهلة حاقدين.
لتحميل الملف pdf