أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن عمر رضي الله عنه كان يجيز نكاح المتعة: «ويشير بيده: مهرٌ مهرٌ»

أورد الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه جاء في متنها: «عن أبي سلمة بن سفيان، أن امرأة جاءت عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين، أقبلت أسوق غنمًا، فلقيني رجل فحفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم أصابني، فقال عمر: قلت ماذا؟ فأعادت. فقال عمر ويشير بيده: مهرٌ مهرٌ، ويشير بيده كلما قال، ثم تركها» [مصنف عبد الرزاق، 7/406].

وقد علق كاتبهم مرتضى الأردبيلي الموسوي على هذه الواقعة قائلًا: «من قال بإباحة المتعة عند الضرورة، فقد قلد في ذلك عمر بن الخطاب في إسقاطه الحد من راعية الغنم» [المتعة أو النكاح المنقطع، مرتضى الأردبيلي، ص 147]. وزعموا أن تسمية عمر رضي الله عنه للتمر مهرًا، وإسقاطه العقوبة عن المرأة، يبرهن على أنه كان يرى هذا الفعل نكاح متعة جائزًا.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: تواتر نهي الفاروق رضي الله عنه عن نكاح المتعة

إن دعوى إجازة عمر للمتعة تصطدم بالحقائق المتواترة في كتب الحديث والسير، والتي تنص على أن عمر كان أشد الناس منعًا للمتعة تتبعًا لتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها في أواخر حياته:

•          النهي العام: روى عبد الرزاق في مصنفه عن سويد بن غفلة قال: «سمعت عمر ينهى عن متعة النساء» [مصنف عبد الرزاق، 7/505].

•          شهادة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ثبت في صحيح مسلم عن أبي نضرة قال: «كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما» [صحيح مسلم، 2/914].

•          الوعيد بالعقوبة: أخرج الدارقطني عن ابن عباس: «أن عمر نهى عن المتعة التي في النساء، وقال: إنما أحل الله الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنساء يومئذ قليل، ثم حرم عليهم بعد، فلا أقدر على أحد يفعل من ذلك شيئًا، فتحل به العقوبة» [سنن الدارقطني، ص 383]. فكيف يجيز عمر في قضيته ما يتوعد فاعله بالرجم والجلد على المنبر؟!

ثانيًا: إسقاط الحد كان لعلة الاضطرار المانع للاختيار

إن تفسير النص يستلزم جمع طرق الرواية؛ وحين نراجع الروايات المفسرة لذات الحادثة في مصنف عبد الرزاق يتضح أن المرأة لم تكن مخيرة باحثة عن نكاح مؤقت؛ بل كانت مشرفة على الموت جوعًا، فاستغل الرجل حاجتها واشترط لإنقاذها تمكينها من نفسها:

•          رواية أبي الطفيل المبينة: عن أبي الطفيل: «أن امرأة أصابها جوع، فأتت راعيًا، فسألته الطعام، فأبى عليها حتى تعطيه نفسها، قالت: فحثا لي ثلاث حثيات من تمر، وذكرت أنها كانت جهدت من الجوع، فأخبرت عمر فكبر، وقال: مهرٌ مهرٌ مهرٌ، كل حفنة مهر، ودرأ عنها الحد» [مصنف عبد الرزاق، 7/406].

•          رواية ابن المسيب بالجهد: عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة لقيها راع بفلاة من الأرض وهي عطشى، فاستسقته، فأبى أن يسقيها إلا أن تتركه فيقع بها، فناشدته بالله فأبى، فلما بلغت جهدها أمكنته، فدرأ عنها عمر الحد بالضرورة» [مصنف عبد الرزاق، 7/406].

•          القاعدة الشرعية في الإكراه والضرورة: إن الشريعة الإسلامية تدرأ العقوبة، بل والذنب، عن المضطر والمكره؛ لأن الإرادة والاختيار قد انتفيا عنه؛ وتجوز صيانة النفس بارتكاب المحظور، كما رخص الله في النطق بكلمة الكفر للمكره؛ حيث قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106]. وقال سبحانه في إباحة المحرمات للمضطر: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 115].

•          حد الضرورة: يوضح العلماء معنى الضرورة المانعة للحد؛ ويقول الشيخ محمد المختار الشنقيطي في ذلك: «فإذا ثبت أن الشريعة تخفف عن المضطر، فالضرورة عند العلماء بالمصطلح الخاص: هي خوف فوات النفس، فإذا خاف الإنسان أنه إذا لم يفعل هذا الشيء فإنه سيموت فهو مضطر، مثل: من جاع ولم يجد طعامًا إلا ميتًا، فإنه إذا بقي على حكم الشرع بالتحريم فإنه سيموت، وحينئذ يرخص له بأكل الميتة اضطرارًا لا اختيارًا؛ لأنه لو لم يأكلها لهلكت نفسه» [شرح زاد المستقنع، محمد المختار الشنقيطي، 20/352].

وعليه؛ فإن فقه عمر تجلى في تكبيره فرحًا بنجاة المرأة من الحد؛ لأن الجوع ألجأها، والحدود تدرأ بالشبهات.

ثالثًا: المقصد اللغوي والشرعي لكلمة «مهر» في لغة العرب

إن إطلاق عمر بن الخطاب لفظ "مهر" على التمرات التي قبضتها المرأة، لا يعني أنه عقد زواج شرعي؛ بل هو استخدام لغوي دقيق، وإحالة فقهية معروفة:

•          مهر الفرج المغصوب: تطلق العرب المهر على العقر، وهو العوض المالي الواجب للمرأة إذا استُكرهت على الجماع أو وُطئت بشبهة؛ صيانة لكرامتها وجبرًا لما أصابها؛ ويقول ابن فارس: «ومما حمل على هذا قولهم لدية فرج المرأة عقرٌ، وذلك إذا غصبت، وهذا مما تستعمله العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا كانا متقاربين، فسمي المهر عقرًا» [مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/92].

ويؤيده ابن منظور بقوله: «العقر المهر، وقال ابن المظفر: عقر المرأة دية فرجها إذا غُصِبت فرجُها» [لسان العرب، ابن منظور، 4/595]. فسمَّى عمر التمر مهرًا لأنه عِوض أخذته الجاهدة المغصوبة باضطرارها.

•          مهر البغي في لسان الشريعة: يُطلق المهر في النصوص أيضًا على العوض المالي الذي تأخذه الزانية (البغي) كأجرة؛ وثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» [متفق عليه].

•          وروده في روايات الشيعة: استخدمت روايات الشيعة لفظ المهر لوصف مال الزنا؛ وروى الصدوق في الخصال عن الحسين بن علي عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة خيبر قوله: «ونهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي» [الخصال، ابن بابويه الصدوق، 1/417].

وروى في علل الشرائع: «قال علي: إني لأكره أن يكون المهر أقل من عشرة دراهم؛ لئلا يشبه مهر البغي» [علل الشرائع، الصدوق، 2/501].

فثبت لغة وشرعًا عند الطرفين أن تسمية العوض مالًا أو مهرًا في سياق الفجور أو الإكراه لا تعني إجازة النكاح ولا شرعيته.

رابعًا: إجماع الشيعة وعلمائهم على درء الحد عن المكرهة

إن صنيع عمر بن الخطاب في درء الحد عن هذه المرأة الجاهدة هو عين ما قرره علي بن أبي طالب، وعين ما يفتي به مراجع الشيعة أنفسهم في كتبهم الفقهية:

•          رواية الكافي في درء علي للحد: روى الكليني بسنده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «أُتي علي عليه السلام بامرأة مع رجل قد فجر بها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين، فدرأ عنها الحد، ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا: لا تصدق، وقد فعله أمير المؤمنين عليه السلام»؛ وقد وصف محمد باقر المجلسي سندها بقوله: «صحيح» [الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، 7/196؛ مرآة العقول، المجلسي، 23/299].

•          فتوى مراجعهم المعاصرين: نص كبار فقهائهم على قبول دعوى المرأة في هذا الباب؛ وحيث يقول الخوئي: «إذا ادعت الإكراه على الزنا قبلت» ويوافقه الفياض في كتابه. [القضاء والشهادات، أبو القاسم الخوئي، 2/357؛ منهاج الصالحين، محمد إسحاق الفياض، 3/280].

فلماذا يُعد إسقاط الحد عن المضطرة والمكرهة عند عمر إجازة للمتعة، بينما هو عند علي رضي الله عنه وعند فقهائهم عدلٌ ورحمةٌ وتطبيق للشرع؟!

خامسًا: وجود ذات الحادثة بنصها في كتب الشيعة منسوبة لعلي

إن الطامة الكبرى الماحقة لهذه الشبهة أن ذات القصة برمتها مسطورة في أمهات جوامع الأخبار عند الشيعة، ولكن الرواة قلبوا الحادثة وجعلوا عليًّا هو الذي أنقذ المرأة من حكم عمر بالرجم، بل ووصف علي هذا الفعل بأنه "تزويج" على جهة المجاز والاضطرار:

•          رواية الكافي بلفظ تزويج: روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله قال: «جاءت امرأة إلى عمر، فقالت: إني زنيت فطهرني، فأمر بها أن ترجم فأخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: كيف زنيت؟ فقالت: مررت بالبادية فأصابني عطش شديد فاستسقيت أعرابيًّا فأبى أن يسقيني إلا أن أمكنه من نفسي، فلما أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تزويج ورب الكعبة» [الكافي، الكليني، 5/467].

•          توجيه المجلسي للفظ التزويج: خشية أن يفهم أحد من الشيعة أن هذا زنا أو متعة حقيقية، سارع محمد باقر المجلسي إلى توجيه عبارة علي بن أبي طالب بقوله: «ولعل المراد والمعني بهذا الخبر أن الاضطرار يجعل هذا الفعل بحكم التزويج، ويخرجه عن الزنا» [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلسي، 20/257].

•          رواية وسائل الشيعة بالآية: روى الحر العاملي في الوسائل بسنده في ذات الحادثة: «فقال له علي عليه السلام: هذه التي قال الله عز وجل: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173]، هذه غير باغية ولا عادية إليه، فخلى سبيلها» [وسائل الشيعة، 28/112].

وهذا يقطع دابر الشبهة تمامًا؛ فالمرأة معذورة بنص القرآن لضرورتها عند علي بن أبي طالب في رواياتهم، وفعلها ليس زنًا ولا متعة؛ بل هو فعل أخرجه الاضطرار عن العقوبة؛ وهو تمامًا ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رواية المصنف حين سمى العوض مهرًا وترك المرأة لحال سبيلها تبرئة لها.

الخلاصة:

•          بطلان تهمة الإجازة: ثبت بالروايات المتواترة المستفيضة نهي عمر رضي الله عنه الشديد عن نكاح المتعة، ووعيده لفاعله بالعقوبة الرادعة؛ تتبعًا لمنع النبي صلى الله عليه وسلم، مما يستحيل معه أن يجيزه في قضاء عابر.

•          إعمال فقه الضرورات: تبين أن إسقاط عمر للحد عن راعية الغنم كان تطبيقًا للقاعدة الشرعية القطعية في درء الحدود بالشبهات والاضطرار؛ بعد أن ثبت أن الجوع والعطش في الفلاة ألجآها لتمكين الرجل دون اختيار منها؛ صيانة لنفسها من الهلاك.

•          المقصد اللغوي للمهر: وضح علميًّا أن كلمة "مهر" أطلقها عمر على جهة اللغة والعرف؛ كعوض مالي واجب لفرج استبيح باضطرار وإكراه (وهو ما يعرف بالعقر)، وليس لإنشاء عقد زواج مؤقت.

اقرأ أيضا| زعمهم أن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان يتهم أبا هريرة رضي الله عنه بعدم العدالة

•          انقلاب الحجة من كتب الشيعة: انقطعت حجة الطاعنين بوجود ذات القصة في مصادرهم المعتمدة (كالكافي والوسائل)؛ وفيها أن عليًّا برأ المرأة مستدلًا بآية الضرورة في سورة البقرة، ووصف صنيعها بأنه "تزويج ورب الكعبة" لإخراجه عن حد الزنا؛ مما يجعل هجومهم على فقه عمر الفاروق هجومًا على فقه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بطريق الأولى.


لتحميل الملف pdf

تعليقات