أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

شبهة قول الفاروق رضي الله عنه: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"

اتخذت الشيعة هذه الحادثة وسيلة للطعن في فقه الخليفة وأهليته؛ حيث قال صالح الورداني: «ولو كان فقيهًا ما صعد المنبر ليتكلم في أمر فيخطئ وترده امرأة، فيقول: أصابت امرأة وأخطأ عمر" [الخدعة، صالح الورداني، ص 127].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الضعف السندي والانقطاع التاريخي لرواية التخطئة

إن التمحيص العلمي الحديثي لطرق هذه القصة يثبت أن اللفظ الذي يحتوي على عبارة "أصابت امرأة وأخطأ عمر" ساقط سندًا ولا تقوم به حجة؛ حيث تدور أسانيدها الثلاثة بين رواة ضعفاء أو انقطاع واضح:

الطريق الأول: فيه مجالد بن سعيد، وهو راوٍ ضعيف واهي الحديث بإجماع أئمة الجرح والتعديل [الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 3/135].

الطريق الثاني: فيه انقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر [جامع التحصيل، العلائي، ص 208]؛ وفيه أيضًا قيس بن الربيع وهو متروك الحديث [الضعفاء والمتروكون، 3/19].

الطريق الثالث: فيه مصعب بن ثابت وهو ضعيف الحديث [الضعفاء الكبير، العقيلي، 4/196]، وفيه انقطاع كبير.

ولهذا جزم المحققون بنكارتها وضَعفها؛ كقول محمد رشيد رضا: «سنده ضعيف، وفي متنه نكارة» [حقوق النساء في الإسلام، ص 13]، وقول أبي إسحاق الحويني رحمه الله: «وهذا لا يصح حتى يلج الجمل في سم الخياط" [الانشراح في آداب النكاح، ص 35].

ثانيًا: الرواية الصحيحة الثابتة في السنة

إن النص الثابت الصحيح في القضية جاء خاليًا تمامًا من قصة اعتراض المرأة وعبارة التخطئة المزعومة؛ فقد روى الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح» عن أبي العجفاء السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: «ألا لا تغالوا صدقة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية» [سنن الترمذي، تحقيق بشار عواد، 2/414].

فالفاروق كان يحث الرعية على الاستنان بالهدي النبوي في تيسير المهور لتسهيل الزواج؛ ولم يشرّع تحريمًا للمباح.

ثالثًا: التأصيل الأصولي لتقييد المباح لمصلحة الأمة

إن توجه عمر بن الخطاب -باعتباره حاكمًا وفقيهًا- نحو الحد من غلاء المهور يندرج تحت باب السياسة الشرعية المبنية على المصالح المرسلة؛ حيث للحاكم تقييد بعض المباحات تنظيميًّا إذا أدى إطلاقها إلى فساد اجتماعي؛ إذ الشريعة وضعت لمصالح العباد كما يقرر الشاطبي [الموافقات، الشاطبي، 2/12].

وقد استأنس عمر بأحاديث نبوية؛ كالمروي عند ابن حبان: «إن من خير النساء أيسرهن صداقًا» والمروي عند أحمد: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها» [التفسير الحديث، محمد عزة دروزة، 8/60].

أما الآية الكريمة فذكرت "القنطار" على وجه المبالغة والتمثيل الزجري؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجدًّا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة»، ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة حقيقة [تفسير القرطبي، 5/100].

رابعًا: رجوع المجتهد إلى الحق منقبة عظمى

لو تنزلنا جدلًا وصحت الرواية؛ فإنها تمثل أسمى مناقب النزاهة والتواضع الراشدي؛ فالجاهل هو من يصر على خطئه كبرًا، أما الفاروق فكان وقّافًا عند كتاب الله. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه، ورجوعه إلى الحق إذا تبيّن له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له» [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 6/76-77].

وهذا التراجع الفقهي سمة جرت لأكابر الصحابة؛ فقد وقع لـعلي رضي الله عنه أنه سئل عن مسألة، فصوّبه السائل، فقال علانية: «أصبت وأخطأنا، وفوق كل ذي علم عليم» [بيان المعاني، ملا حويش، 5/353].

فخفاء مسألة جزئية أو دلالة تمثيلية لا يقدح في أهلية الإمامة والاجتهاد.

خامسًا: موافقة نهي عمر لنصوص الروايات الشيعية

إن التحذير من غلاء المهور واعتباره سببًا للشؤم وقلة البركة هو عين ما تقرره الأصول الحديثية المعتمدة في معتقد الشيعة نفسه:

•          روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهًا، وأقلهن مهرًا»؛ وهو حديث وصفه المجلسي الأول بأن إسناده قوي [روضة المتقين، 8/95].

•          ورووا في الكافي أن عليًّا زوج فاطمة بمهر قليل؛ وهو درع حطمية تساوي ثلاثين درهمًا [الكافي، /377]؛ ووصفت فاطمة هذا المهر في رواياتهم بقولها: «زوجتني بالمهر الخسيس" [الكافي، 5/378].

•          ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «الشؤم في ثلاثة أشياء: في الدابة، والمرأة، والدار. فأما المرأة فشؤمها غلاء مهرها وعسر ولادتها» [معاني الأخبار، ص 152].

فنهي عمر رضي الله عنه موافق تمامًا للتشريع الهادف لمحاربة هذا الشؤم وقلة البركة الثابت في مروياتهم.

سادسًا: التناقض المنهجي في معيار رَدّ الأقل رتبة

يظهر التناقض عند كُتّاب الشيعة؛ فبينما يلمزون عمر لأن امرأة ذكّرته بآية، نجد أن مصادرهم تطفح بازدراء النساء؛ كقول علي في نهج البلاغة: «فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر" [نهج البلاغة، 1/129].

بينما يحتفي المسلمون بمشورة المرأة؛ كموقف أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية الذي أنقذ الأمة [صحيح البخاري، رقم 2581].

وإذا كان تلقي التصويب من الأدنى يقدح في العلم؛ فإن نصوص معتقدهم تثبت تراجع المعصومين وتلقيهم المعرفة من كائنات أدنى أو عبر وجوه غير معصومة:

1.         سليمان عليه السلام يتعلم من نملة: حيث رووا أن نملة استجوبته فجهل الإجابة وقال: "مالي بهذا علم" حتى فسرّت له وعلمته فتبسم ضاحكًا من قولها [علل الشرائع، 1/72؛ بحار الأنوار، 14/92-93].

2.         قصور علم الإمام: روى الصفار عن أبي عبد الله الصادق أنه سئل عن مسألة فقال للسائل: «ما عندي فيها شيء»، فلما خرج الرجل أصغى الإمام بأذنه إلى الحائط كأن إنسانًا يكلمه ثم استدعى السائل وأجابه، وقال لراوي الحديث: «لولا نُزاد لنفد ما عندنا» [بصائر الدرجات، الصفار، ص 416].

3.         الحسن يتعلم من خاله: روى الصدوق عن الحسن بن علي قوله: «سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم..،" [عيون أخبار الرضا، 2/222].

4.         ابن عباس يصوب لعلي رضي الله عنهم: ثبت أن عليًّا حرّق قومًا ارتدوا، فنبّهه ابن عباس للنهي النبوي عن التعذيب بالنار، فقال علي فورًا: «صدق ابن عباس" [سنن الترمذي، رقم 1458].

الخلاصة:

•          سقوط أثر التخطئة سندًا: ثبت بالدليل الفني الحديثي أن زيادة "أصابت امرأة وأخطأ عمر" واهية ومنقطعة ولا تصح تاريخيًّا.

•          ثبوت التوجيه المرفوع: الرواية الصحيحة في السنن تبين أن عمر كان يوجه الرعية لالتزام الصداق النبوي الميسر دون فرض تشريع جائر.

•          السياسة الشرعية والرجوع للحق: تقييد الحاكم للمباح تنظيمًا هو محض الفقه؛ ورجوعه للصواب (لو صح الأثر) هو منقبة وفضيلة أخلاقية ثبت نظيرها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

•          تطابق فقه عمر مع مرويات الشيعة: أثبتت مرويات الكافي ومعاني الأخبار أن غلاء المهور شؤم ومذموم؛ مما يجعل نهي عمر ممتثلًا للقواعد العامة.

اقرأ أيضا| زعمهم مخالفة الفاروق رضي الله عنه للسنة في طلاق الثلاث

•          تفكيك التناقض الشيعي: ألزم البحث الخصوم برواياتهم المعتمدة التي تثبت حاجة أنبيائهم وأئمتهم المعصومين لتلقي العلم والتصويب من نملة، أو جدار، أو أشخاص غير معصومين؛ مما يبطل منهجهم بالكلية.


لتحميل الملف pdf

تعليقات