في سياق الردود العلمية والتفصيلية المتواصلة لتفنيد الشبهات المثارة حول الصحابة الكرام، وفي إطار المعالجة اليومية لشبهات الشيعة حول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قدم الدكتور رامي عيسى، الباحث في الشأن الشيعي، رداً تفصيلياً دحض فيه المزاعم والشبهات التي يلقيها الشيعة؛ والتي يدّعون فيها افتقار عمر بن الخطاب للشجاعة، وهروبه في الحروب، محتجين بعدم نقل كتب السير قتله لأحد من مشاهير المشركين، ومستشهدين بتساؤل جعفر مرتضى العاملي حول حماسته في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولماذا لم يقتل أحداً طيلة السنوات العشر في عشرات الغزوات والسرايا التي اشترك فيها.
وفيما يلي تفصيل المحاور العلمية والتاريخية التي استند إليها الدكتور رامي عيسى لإبطال هذه الشبهة من واقع المصادر المعتمدة:
أولاً: اعتراف كبار الرافضة بنصرة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم
أكد الدكتور رامي عيسى أن شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حقيقة ساطعة أقر بها الخصوم واعترفوا بها في كتبهم المعتمدة؛ حيث أقروا بأنه نصر النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في مواطن كثيرة.
شهادة الحسين بن علي رضي الله عنه: يروي كاتبهم (لجنة الحديث بمعهد باقر العلوم) عن الحسين بن علي رضي الله عنه أنه قال لابن عمر: "اتق الله أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي واذكرني في صلاتك فوالذي بعث جدي محمداً بشيراً ونذيراً لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي وأقام من دون قيامه قيامه بين يدي أو بين يدي جدي يا ابن عمر"، وهو ما أورده كتاب "موسوعة كلمات الإمام الحسين".
شهادة محمد حسين فضل الله: اعترف آية الله العظمى محمد حسين فضل الله بأن عمر بن الخطاب كان من القادة الذين يثبتون مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد القتال، وذلك في كتابه "الإسلام ومنطق القوة" (صفحة 176).
ثانياً: حضور عمر لجميع المشاهد والمغازي
بيّن الدكتور رامي عيسى أنه من المتفق عليه تاريخياً أن عمر بن الخطاب لم يتخلف عن غزوة واحدة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من السرايا، بل خاضها جميعاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أميراً على بعض السرايا. وهذا الحضور وحده كافٍ لإثبات شجاعته؛ إذ لا يمكن لإنسان جبان أن يرمي بنفسه في أتون المعارك الكبرى كبدر أو أُحد حيث تطيح الرؤوس وتشتعل السيوف.
يقول ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (المجلد الثالث، صفحة 206): "قالوا شهد عمر بن الخطاب بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في عدة سرايا وكان أميراً على بعض هذه السرايا".
ويؤكد ابن الجوزي ذلك في "صفة الصفوة" بقوله: "ولما أسلم عمر عزّ الإسلام وهاجر جهراً وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها".
ثالثاً: ثبوت قتله لعمالقة المشركين تاريخياً
أوضح الدكتور رامي عيسى أن الزعم بأن عمر لم يقتل مشركاً هو كذب مفضوح. ومع أنه ليس من شرط الشجاعة أن يذكر الرواة أسماء كل من قتلهم الصحابي إلا إذا كان القتيل من كبار القادة (بدليل التساؤل الإلزامي المقابل عن عدد من قتلهم جعفر الصادق، أو الإمام الجواد، أو إمامهم الحجة الغائب منذ 1200 سنة)، فإن التاريخ قد حفظ لعمر رضي الله عنه قتله لخاله العاص بن هشام بن المغيرة (وهو من صناديد قريش) في غزوة بدر إعلاءً لكلمة الله وقطعاً لأواصر الشرك.
يقول ابن هشام في "السيرة النبوية" (المجلد الثاني، صفحة 289): "حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر رضي الله عنه قال لسعيد بن العاص: إني قتلت خالي، خالي العاص بن هشام بن المغيرة".
رابعاً: مراتب الشجاعة وأقسام الجهاد
أشار الباحث رامي عيسى إلى خطأ النظرة السطحية التي تظن أن الشجاعة محصورة في المبارزة الفردية فقط، في حين أن الشجاعة الحقيقية هي شجاعة القلب والثبات عند اشتداد الكرب، وهو ما تميز به عمر بن الخطاب.
يوضح ابن حزم أن الجهاد أقسام: جهاد باللسان كالدعوة، وجهاد بالرأي والتدبير، وجهاد باليد.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشغل كبار الصحابة كأبي بكر وعمر بالقسمين الأولين (جهاد الرأي والتدبير) لمكانتهما وعقلهما، ولم يبعثهما للمبارزة الفردية إلا نادراً؛ لأن مصلحة الجيش في بقائهما بجوار النبي صلى الله عليه وسلم وإدارة المعركة أهم من قتل مشرك واحد على أيديهم.
خامساً: الطعن في شجاعة عمر يلزم منه الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم
وفي محاورة طرحها الدكتور رامي عيسى، بيّن أنه لو كان معيار الشجاعة هو كثرة القتلى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل بيده طيلة حياته إلا رجلاً واحداً وهو (أُبي بن خلف)، فهل يجرؤ هؤلاء على وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالجبن؟ فالقائد يحتاج إلى ثبات القلب وإدارة المعركة، ولذا كان الصحابة يحتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم عند اشتداد البأس. وكان أبو بكر رضي الله عنه أقرب الناس من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المواقف، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة".
سادساً: شهادة المؤرخ الشيعي اليعقوبي (إلزام قاصم)
استند الدكتور رامي عيسى إلى ما رواه المؤرخ الشيعي اليعقوبي عن حادثة –ورغم بطلانها عند أهل السنة إلا أنها تُعد إلزاماً للشيعة– تدل على أن عمر كان يصرع الأبطال؛ حيث يقول اليعقوبي في تاريخه (المجلد الثاني، صفحة 126): "فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار وخرج علي ومعه السيف فلقيه عمر فصارعه عمر فصرعه وكسر سيفه". والسياق يدل تاريخياً ومن واقع كتبهم على أن عمر هو من صرع علياً وكسر سيفه ودخل الدار، حتى إنهم قالوا إن عمر وضع الحبل الأسود في رقبة علي.
سابعاً: فتوحات الفاروق.. البرهان العملي الأعظم
خلُص الدكتور رامي عيسى إلى أن البرهان العملي الذي لا يمكن إنكاره على قوة وبأس عمر بن الخطاب هو تهاوي إمبراطوريتي فارس والروم تحت ضربات جيوشه وبإشرافه المباشر وتدبيره.
وقد اعترف علماء الشيعة بأن زمانه كان زمان نصرة للدين:
يقول نعمة الله الجزائري في كتاب "الأنوار النعمانية" (المجلد الأول، صفحة 103): "أكثر البلاد إنما فُتحت في خلافة عمر".
يروي الكليني في حديث وصفه المجلسي بالصحيح: "إن المسلمين لما افتتحوا فارس فرحوا بنصر الله الموعود في سورة الروم"، وكان ذلك في خلافة عمر.
وتساءل الباحث مستنكراً: هل تُفتح الدنيا ويُذل كسرى وقصره على يد رجل جبان؟ إن هذا لا يقبله عقل ولا منطق.
خلاصة ما قدمه الدكتور رامي عيسى:
شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثابتة باعتراف أئمة وعلماء الشيعة .
حضور عمر جميع الغزوات والمشاهد، وقتله لعمالقة المشركين كخاله العاص بن هشام، ينقض دعوى عدم قتله للمشركين.
الشجاعة المطلوبة من القادة هي شجاعة القلب والتدبير، وهو ما كان يتفرغ له عمر بجوار النبي صلى الله عليه وسلم.
اقرأ أيضا| زعمهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفض أن يسير بسيرة الشيخين
الفتوحات الإسلامية العظمى في عهد عمر هي البرهان العملي القاطع الذي لا يمكن إنكاره على قوته وبأسه، وهذا كله يدل على شجاعة الفاروق عمر رضي الله عنه.
لتحميل الملف pdf