يُكرِّرُ الطاعنونَ مقالةً قبيحةً ومنكرةً تهدفُ إلى تشويهِ صورةِ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه؛ حيثُ يزعمونَ أنهُ كانَ مصابًا بداءٍ لا يهدأُ إلا بارتكابِ الفاحشةِ (وحاشاهُ).
وقد روَّجَ لهذهِ الفريةِ عالمُهم نعمةُ الله الجزائريُّ، محاولًا إيهامَ القارئِ البسيطِ بأنَّ هذا الكلامَ موجودٌ في كتبِ أهلِ السنةِ أنفسِهم.
فزعمَ نعمةُ الله الجزائريُّ أنَّ علماءَ السنةِ ذكروا هذا الأمرَ القبيحَ في كتبِهم، فقالَ ساخرًا: «وأما أفعالهُ -يعني عمر- الجميلة، فلقد نقل منها محبّوه ومتابعوه ما لم ينقله أعداؤه، ومنها: ما قاله المحقق جلال الدين السيوطي في حواشي القاموس، عند تصحيح لغة الأبنة، وقال هناك: "وكانت في جماعة في الجاهلية، أحدهم سيّدنا عمر"، وأقبح منه ما قاله الفاضل ابن الأثير: "زعمت الروافض أن سيّدنا عمر كان مخنّثًا. كذبوا، ولكن كان به داء، دواؤه ماء الرجال"» [الأنوار النعمانية، نعمة الله الجزائري، (1/63)].
الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:
أولًا: كذبُ المصادرِ المذكورةِ وعدمُ وجودِها:
إنَّ الكلامَ الذي نسبَهُ الجزائريُّ لكتبِ أهلِ السنةِ هو محضُ كذبٍ وافتراءٍ؛ فكتابُ "حاشية القاموس" المنسوبُ للسيوطيِّ هو كتابٌ وهميٌّ لا وجودَ لهُ في الواقعِ، ولم يسمع بهِ أحدٌ من علماءِ الإسلامِ.
كما أنَّ هذهِ الفريةَ لا توجدُ في أيِّ كتابٍ معتبرٍ أو غيرِ معتبرٍ عندَ أهلِ السنةِ،
ومن العجيبِ أنَّ علماءَهم المعاصرينَ ما زالوا ينقلونَ هذهِ الكذبةَ عن بعضِهم البعضِ دونَ أن يُخرجَ لنا أحدٌ منهم هذا المصدرَ المزعوم!
ثانيًا: التزويرُ في حقِّ ابنِ الأثيرِ:
ما نُسبَ إلى ابنِ الأثيرِ هو تزويرٌ فاضحٌ؛ فابنُ الأثيرِ مؤرخٌ مشهورٌ ولهُ مؤلفاتٌ معروفةٌ كـ (الكاملِ في التاريخِ) و(أسدِ الغابةِ)، وليسَ في شيءٍ من كتبِهِ هذا الكلامُ الساقطُ.
وإنما تجرَّأَ الجزائريُّ على هذا الكذبِ بناءً على ما هو مقررٌ لديهم من جوازِ الافتراءِ على المخالفينَ [المكاسب المحرمة، الخميني، (1/251-252)].
وقد أجمع علماء الشيعة على جواز الكذب على المخالف، وعدُّوا ذلك من القربات إلى الله تعالى، وممن نصّ على جواز الكذب على المخالف: شيخهم الأعظم مرتضى الأنصاري في كتابه (المكاسب) (2/118-119)، وآيتهم العظمى أبو القاسم الخوئي في أكثر من موضع، منها: في كتابه «مصباح الفقاهة» (1/701)، وفي كتابه «صراط النجاة» (1/447)، وآيتهم العظمى الخميني في كتابه «المكاسب المحرمة» (1/251 -252)، وآيتهم العظمى محمد رضا في كتابه «در المنضود» (2/148).
ثالثًا: المصدرُ الحقيقيُّ للفريةِ في كتبِ الرافضةِ:
إنَّ أصلَ هذهِ التهمةِ مأخوذٌ من مروياتِهم المكذوبةِ التي تَدَّعي أنَّ لقبَ "أميرِ المؤمنين" لا يتسمَّى بهِ غيرُ عليٍّ رضي الله عنه إلا وكانَ (منكوحًا) [تفسير العياشي، العياشي، (1/276)].
فهذا هو النبعُ القذرُ الذي استقى منهُ الجزائريُّ فرِيتَهُ، ثم نسبَها كذبًا وزورًا إلى أهلِ السنةِ ليُلبسَ على الناسِ دِينهم.
رابعًا: كمالُ التناقضِ في الدعوى:
لو كانَ هذا الكلامُ موجودًا حقًّا في كتبِ السنةِ قبلَ الجزائريِّ، لطارَ بهِ خصومُ الفاروقِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فكيفَ لم يسمع بهِ أحدٌ حتى جاءَ الجزائريُّ بعدَ وفاةِ السيوطيِّ بقرنٍ ونصفٍ ليكتشفَ هذا "السرَّ المكنونَ"؟ إنَّ هذا وحدهُ كافٍ لإثباتِ دجلِ القائلِ.
خامسًا: برهانُ العقلِ والمصاهرةِ:
لو كانَ الفاروقُ رضي الله عنه على هذهِ الحالةِ المنكرةِ (وحاشاهُ)، فكيفَ رضيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوجَ ابنتَهُ حفصةَ رضي الله عنها؟ وكيفَ رضيَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه أن يزوجَهُ ابنتَهُ أمَّ كلثومٍ ويكونَ صِهرًا لهُ ووزيرًا؟
أفيصاهرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليٌّ رضي الله عنه رجلًا بهذا السوءِ؟! إنَّ هذا طعنٌ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي عليٍّ رضي الله عنه قبلَ أن يكونَ طعنًا في عمرَ.
الخلاصةُ:
1. الادعاءُ بأنَّ هذهِ الفريةَ موجودةٌ في كتبِ أهلِ السنةِ هو كذبٌ صريحٌ، والمصادرُ المذكورةُ (كحاشيةِ السيوطيِّ) لا وجودَ لها.
2. أصلُ الفريةِ نابعٌ من رواياتِ الرافضةِ المكذوبةِ، والجزائريُّ دلسَّها ونسبَها لغيرِ أصحابِها.
3. مصاهرةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعليٍّ رضي الله عنه للفاروقِ هي أعظمُ تزكيةٍ أخلاقيةٍ تُبطلُ هذهِ المقالاتِ السخيفةَ.
اقرأ أيضا| الطعنُ في نسبِ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه
4. تكرارُ هذهِ الشناعةِ في كتبِهم المعاصرةِ دونَ دليلٍ يُثبتُ انعدامَ الأمانةِ العلميةِ لديهم.
لتحميل الملف pdf