أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن النبي ﷺ رفض تزويج فاطمة للصديق أو الفاروق طعنًا في دينهما

يزعم الطاعنون أن رسول الله ﷺ حينما خطب أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما فاطمة عليها السلام، ردهما ولم يزوجهما، معتبرين هذا الرد دليلًا على عدم رضا النبي ﷺ عن دينهما، مستدلين بالقاعدة النبوية: «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ».

واحتجوا بما رواه ابن حبان بسنده «عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خطب أبو بكرٍ وعمر فاطمة، فقال رسول الله ﷺ: "إنّها صغيرةٌ"، فخطبها عليٌّ فزوّجها منه» [صحيح ابن حبان، 15/399].

وزعموا أن هذا الرفض لم يكن للصغر، بل لأن دينهما غير مرضٍ عند النبي ﷺ.

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن استغلال هذا الحديث للطعن في الشيخين هو ضرب من التعسف في الفهم ومخالفة لصريح اللفظ النبوي، وإليك البيان:

أولًا: الحديث يثبت مسارعة الشيخين إلى الفضائل

إن هذا الحديث حجةٌ للشيخين لا عليهما؛ فهو يثبت أنهما كانا أسبق الناس لطلب القرب من رسول الله ﷺ ومصاهرته، وهو من أعظم القربات.

وقد سبقا عليًّا رضي الله عنه في هذه الفضيلة، وهذا يدل على شدة حرصهما على نيل البركة النبوية والارتباط ببيت النبوة.

ثانيًا: النبي ﷺ حدد سبب الرفض بالصغر

لقد علل النبي ﷺ الرفض بقوله: «إنّها صغيرةٌ»؛ فذكر سببًا واحدًا يتعلق بفاطمة وعمرها، ولم يذكر شيئًا يتعلق بدين الخاطب أو خلقه. ومن أوجد سببًا غير الذي ذكره المعصوم ﷺ فقد استدرك على النبي واتهمه بكتمان الحق أو التدليس في المبررات؛ وحاشاه ﷺ.

فالنبي ﷺ كان أغير الناس على الدين، ولو كان المانع دينيًّا لَمَا تورع عن ذكره كما فعل في مواقف أخرى.

ثالثًا: رفض الخطبة ليس طعنًا في الدين بالضرورة

لا يجب شرعًا ولا عرفًا قبول خطبة كل مؤمن؛ فقد رُدت خطبة النبي ﷺ نفسه لسببٍ دنيوي مقبول. روى الكليني في (الكافي) بسنده: «أن النبي ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إنّي مصابةٌ في حجري أيتامٌ..، فقال رسول الله ﷺ: ما ركب الإبل مثل نساء قريشٍ أحناه على ولدٍ» [الكافي، الكليني، 5/327].

فهل يقول عاقل إن أم هانئ رفضت خطبة النبي ﷺ لعدم رضاها عن دينه؟! وكذلك ردُّ الشيخين كان لتقديرٍ رآه النبي ﷺ في ابنته لا طعنًا في المتقدمين.

رابعًا: شهادة علي رضي الله عنه بدين عمر بن الخطاب

مما يبطل الزعم بأن الرفض كان للدين، أن عليًّا رضي الله عنه نفسه استعمل نفس الحجة (الصغر) حين خطب عمر بن الخطاب ابنته (أم كلثوم) بنت فاطمة. يقول محسن الأمين الشيعي نقلًا عن الاستيعاب: «خطبها عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب، فقال: إنها صغيرة. فقال له: زوجنيها يا أبا الحسن..، فقال علي: أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها» [أعيان الشيعة، 3/486].

وهذا الزواج ثابت عند كبار علماء الشيعة كالمرتضى والطوسي؛ فلو كان عمر غير مرضي الدين، فكيف زوجه علي ابنة الزهراء بعد أن تعلل أولًا بصغر سنها؟ هذا يثبت أن "الصغر" مانع مؤقت يزول، وليس طعنًا في الدين.

خامسًا: أبو بكر وعمر هما من دفعا عليًّا لخطبة فاطمة

تذكر كتب الشيعة أن عليًّا رضي الله عنه كان غافلًا عن خطبة فاطمة حتى جاءه أبو بكر وعمر وحثاه على ذلك؛ وهذا يدل على كمال مروءتهما وحبهما لعلي ولفاطمة.

روى الطوسي بسنده عن علي عليه السلام قال: «أتاني أبو بكر وعمر فقالا: لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فاطمة..» [الأمالي، الطوسي، 1/39].

فلو كان بينهما وبين علي شقاق أو غيرة دينية على هذا المنصب، لما كانا هما الواسطة والدليل له لنيل هذه المكرمة.

سادسًا: التناقض المنهجي عند الشيعة

يدعي الشيعة أن رفض الشيخين طعن في دينهما، بينما يروون في كتبهم أن عليًّا رضي الله عنه كان يحذر الناس من تزويج ابنه الحسن (سيد شباب أهل الجنة)! جاء في (الكافي): «أن عليًّا قال وهو على المنبر: لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق» [الكافي، 6/56؛ ووثقه المجلسي في مرآة العقول، 21/96].

فهل يقال إن الحسن رضي الله عنه غير مرضي الدين؟ أم أن الرفض أو التحذير قد يكون لأسباب تربوية أو اجتماعية لا تمس جوهر الإيمان؟

الخلاصة:

1.            رد النبي ﷺ لأبي بكر وعمر كان معللًا بـ "الصغر" فقط، وهو تعليل يتعلق بالمخطوبة لا بالخاطب، مما يعد شهادة ضمنية بأهلية الخاطبين لولا عائق السن.

2.            سيرة علي رضي الله عنه في تزويج ابنته لعمر بن الخطاب تهدم دعوى أن عمر غير مرضي الدين عند أهل البيت.

3.            أبو بكر وعمر هما من دلا عليًّا رضي الله عنه على خطبة فاطمة، مما يثبت سلامة صدورهما ومحبتهما لبيت النبوة.

4.            المصاهرة فضيلة، ولكنها ليست المعيار الوحيد للإيمان؛ فالنبي ﷺ زوج ابنتيه لعثمان بن عفان، وتزوج هو من عائشة وحفصة بنتي أبي بكر وعمر؛ فلو كان الدين معيبًا لما قبل النبي مصاهرتهما لنفسه.

اقرأ أيضا| زعمهم أن أبا سفيان كان يلقب الصديق بأبي فصيل ولا يرتضيه للخلافة

5.            الاستدلال بالرفض للطعن في الدين هو قول بلا دليل واستدراك على منطوق النص النبوي الصريح.


لتحميل الملف pdf

تعليقات