يزعم الشيعة أن فدكًا لم تكن ميراثًا فحسب، بل كانت "نِحلة" (هبة) أعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة عليها السلام في حياته. ويدعون أنها لما طالبت بها أبا بكر الصديق، طلب منها شهودًا، فشهد لها علي بن أبي طالب وأم أيمن، فرفض الصديق شهادتهما؛ بحجة أن عليًّا يجر لنفسه نفعًا لكونه زوجها، وأن أم أيمن امرأة واحدة لا تكفي. (انظر: تفسير القمي2/155-157)، (السقيفة وفدك 107-109).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية من تفسير القمي
روى عالمهم علي بن إبراهيم القمي في تفسيره النص التالي:
«حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى وَحَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ وَاسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى جَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ بَعَثَ إِلَى فَدَكَ فَأَخْرَجَ وَكِيلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مِنْهَا، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَنَعْتَنِي عَنْ مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللهِ، وَأَخْرَجْتَ وَكِيلي مِنْ فَدَكَ، فَقَدْ جَعَلَهَا لِي رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِأَمْرِ اللهِ، فَقَالَ لَهَا: هَاتِي عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا، فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ فَقَالَتْ: لَا أَشْهَدُ حَتَّى أَحْتَجَّ يَا أَبَا بَكْرٍ عَلَيْكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، فَقَالَتْ: أَنْشُدُكَ اللهَ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) قَالَ: إِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ فَجَعَلَ فَدَكَ لِفَاطِمَةَ بِأَمْرِ اللهِ، وَجَاءَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَشَهدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ لَهَا كِتَابًا بِفَدَكَ وَدَفَعَهُ إِلَيْهَا، فَدَخَلَ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ فَاطِمَةَ ادَّعَتْ فِي فَدَكَ وَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَعَلِيٌّ فَكَتَبْتُ لَهَا بِفَدَكَ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْكِتَابَ مِنْ فَاطِمَةَ فَمَزَّقَهُ، وَقَالَ: هَذَا فَيْءُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ: يَشْهَدُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، فَإِنَّ عَلِيًّا زَوْجُهَا يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ، وَأُمَّ أَيْمَنَ فَهِيَ امْرَأَةُّ صَالِحَةُّ، لَوْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا لَنَظَرْنَا فِيهِ». (تفسير القمي 2/155-156).
وهذه الرواية ساقطة بأسس العلم الشيعي قبل السني؛ فمن نقل هذا التفسير هو "أبو الفضل العباس بن محمد"، وهو مجهول تمامًا ولا ذكر له في كتب الجرح والتعديل الشيعية. (الدراسات في الفقه الإسلامي المعاصر، حيدر حب الله، 1/457).
كما أن والد القمي لم يوثقه المتقدمون، وتوثيق المتأخرين لا حجية له عندهم. (خلاصة الأقوال، الحلي 1/58).
ثانيًا: نقد رواية الجوهري عن زيد بن علي (الضربة القاضية)
جاء في كتاب (السقيفة وفدك) للجوهري النص التالي:
«أخبرنا أبو زيد قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثنا فضيل بن مرزوق قال: حدثنا البحتري بن حسان قال: قلت لزيد بن علي (عليه السلام)، وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدكًا من فاطمة (عليها السلام)، فقال: إن أبا بكر كان رجلًا رحيمًا، وكان يكره أن يغير شيئًا فعله رسول الله صلى الله عليه وآله، فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدكًا، فقال لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت: ألستما تشهدان أني من أهل الجنة؟ قالا: بلى، قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر، قالت: فأنا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها فدكًا، فقال أبو بكر: فرجل آخر وامرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال أبو زيد: وايم الله، لو رجع الأمر إليَّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر». (السقيفة وفدك، الجوهري ص107).
وهذا النص الذي يسوقه الخصم هو حجة عليه لا له من وجوه:
إقرار زيد بن علي: انتهت الرواية بقول حفيد أمير المؤمنين: «وايم الله، لو رجع الأمر إليَّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر». (السقيفة وفدك، الجوهري ص107). وهذا إقرار صريح من أهل البيت بصحة الحكم.
تزكية الصديق: وصف زيدٌ أبا بكر بأنه «كان رجلًا رحيمًا». (السقيفة وفدك، الجوهري ص107). وهذا ينسف دعوى العداوة والظلم.
الانقطاع التاريخي: توفي الصديق سنة13 هـ (البداية والنهاية 6/352)، ووُلد زيد بن علي سنة 75 هـ (سير أعلام النبلاء، 5/389)، فبينهما أكثر من ستين عامًا، مما يسقط السند.
ثالثًا: التناقض العقلي والشرعي في الدعوى
يُبين شيخ الإسلام ابن تيمية التناقض في هذه الفرية بقوله:
«أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ ادِّعَاءِ فَاطِمَةَ فَدَك، فَإِنَّ هَذَا يُنَاقِضُ كَوْنَهَا مِيرَاثًا لَهَا، فَإِنْ كَانَ طَلَبُهَا بِطْرِيقِ الْإِرْثِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ». (مختصر منهاج السنة ص175).
رابعًا: رد الشهادة في الفقه الشيعي
رد الصديق لشهادة علي بن أبي طالب (بفرض وقوع القصة) يتوافق تمامًا مع مذهب الشيعة؛ حيث يقرر عالمهم الحلي:
«كُلُّ مَنْ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا أَوْ يَسْتَدْفِعُ بِهَا ضَرَرًا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ تِلْكَ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا». (تحرير الأحكام، الحلي 5/252).
فبما أن عليًّا زوجها، والمال يؤول إليه نفع منه، فشهادته مردودة عندهم.
خامسًا: تهافت الاستدلال بآية ذي القربى
استدلوا برواية عطية العوفي (الضعيف المتروك) في مجمع الزوائد (ج7/49) أن فدكًا أعطيت حين نزلت الآية.
وهذا باطل لأن الآية مكية بنص القرآن، وفدك لم تُفتح إلا في المدينة في السنة السابعة للهجرة، وهذا ما أكده عالمهم الطباطبائي بقوله: «وبالآية يظهر أن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل مما شرع قبل الهجرة؛ لأنها آية مكية". (تفسير الميزان 13/81).
الإلزامات المنهجية:
إلزام الاستمرار: لو كان فعل الصديق ظلمًا، لما استمر عليه علي بن أبي طالب في خلافته؛ فقد ورد عن عالمهم المرتضى أن عليًا قال: «إني لأستحيي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر". (الشافي في الإمامة 4/92).
إلزام العدل: تخصيص ابنة واحدة بعطية عظيمة هو جور ينزه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أُمر بالعدل ﴿أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾.
الخلاصة:
رواية الهبة (النِّحلة) باطلة تاريخيًّا لتقدم نزول الآية على فتح فدك بسنوات.
إقرار زيد بن علي في كتب الشيعة يُبرئ الصديق ويصفه بالرحمة ويقر بصحة حكمه.
قواعد القضاء في رد شهادة الزوج لزوجته في جر النفع متفق عليها في كتب الفريقين.
اقرأ أيضا| دعوى تأخر بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أقرَّ حُكْمَ الصِّدِّيق في فدك ولم يغيره حين ملك الأمر، وهذا أعظم دليل على بطلان الشبهة.
لتحميل الملف pdf