أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن فاطمة غضبت على الصديق وماتت وهي واجدة عليه

ذكَر الشيعةُ أن فاطمة رضي الله عنها ماتت وهي غاضبة على أبي بكر رضي الله عنه، وأن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، ورووا في ذلك رواياتٍ منها:

ما أورده ابن طاووس في الطرائف (1/252) عن الإمام الرضا ع: «كَانَتْ لَنَا أُمٌّ صَالِحَةٌ مَاتَتْ وَهِيَ عَلَيْهِمَا سَاخِطَةٌ، وَلَمْ يَأْتِنَا بَعْدَ مَوْتِهَا خَبَرٌ أَنَّهَا رَضِيَتْ عَنْهُمَا».

ما ورد في كتاب السقيفة وفدك (1/118) عن عبد الله بن الحسن: «فماتت وهي غضبى على إنسان، فنحن غضاب لغضبها، وإذا رضيت رضينا».

كما استدلوا برواية الصحيحين: «فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ».

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: نقد مرويات الشيعة سندًا وعزوًا: إن الروايات التي ذكروها من كتبهم لا تلزمنا، ومع هذا فهي ساقطة إسنادًا وفق مبانيهم:

رواية "الطرائف": منقطعة الإسناد (مرفوعة).

رواية "السقيفة وفدك": أكثر رجالها مجاهيل (داود بن المبارك والمؤمل بن جعفر)، وعبد الله بن موسى بن عبد الله ذكره الشاهرودي في مستدركات علم رجال الحديث (5/118) دون جرح أو تعديل، فهو مجهول الحال.

ثانيًا: تحقيق لفظ "الهجران" في الصحيحين وإثبات الإدراج: استدلوا برواية صحيح مسلم (3/1380) والبخاري (8/149)، والتحقيق أن جملة "فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ" هي إدراج من قول الزهري وليست من كلام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

طرق معرفة المدرج: كما نص السيوطي في تدريب الراوي (1/315) والصنعاني في توضيح الأفكار (2/47)، يُعرف المدرج بوروده منفصلًا أو بتصريح الرواة.

القرينة القاطعة: الزهري كان كثير الإدراج، وقد روى الحديث عنه تلاميذ كبار (معمر، عقيل، شعيب) وميز معمر في روايته عند عبد الرزاق (5/471) والبخاري (6346) بلفظ (قال:) المشعر بكلام الراوي، بينما الرواية التي جاءت بلفظ (قالت:) فيها نظر؛ لأن عامة الرواة (محمد بن يحيى، الدبري، وغيرهم) رووها بلفظ (قال:)، والحجة للمبين على المجمل.

ثالثًا: تأويل "الوجد" والهجران بما يليق بالمقام الشرعي: إذا سلمنا بوقوع الهجران، فهو محمول على "الانقباض" الطبيعي لا الهجران المحرم:

طبيعة الخلاف: كان خلافًا فقهيًّا لا عقديًّا، والخلاف الفقهي لا يوجب التباغض.

تفسير العلماء: ذكر الحافظ في فتح الباري (6/202) أنه انقباض عن اللقاء بسبب الحزن والمرض. وقال النووي في شرح صحيح مسلم (12/73): «فلم تكلمه يعني في هذا الأمر (الميراث)».

إلزام شرعي: فاطمة رضي الله عنها أعلم الناس بحديث «لا هجرة فوق ثلاث»، وهو ثابت في كتب الشيعة أيضًا (الكافي 4/55)، والمجلسي وصفه بالصحة في مرآة العقول (10/360)، فلا يُتصور منها مخالفة ذلك.

رابعًا: إثبات رضا فاطمة رضي الله عنها في كتب السنة والشيعة:

من السنة: صح عن الشعبي أن أبا بكر دخل عليها وترضاها وقال: «والله ما تركت الدار والمال.. إلا ابتغاء مرضاتكم أهل البيت»، فترضاها حتى رضيت. (السنن الكبرى للبيهقي 6/491)، ومرسل الشعبي صحيح بإجماع النقاد كابن معين والعجلي.

من الشيعة: جاء في شرح نهج البلاغة لميثم البحراني (5/101) أن أبا بكر عاهدها أن يصنع بـ"فدك" صنيع النبي ﷺ: «فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به».

خامسًا: بطلان الاستدلال بحديث "إن الله يغضب لغضبك":

سندًا: الحديث ضعيف جدًا، تفرد به حسين بن زيد وهو منكر الحديث (ذخيرة الحفاظ 2/783)، وضعفه الذهبي والدارقطني.

متنًا: لا يجوز تعليق رضا الله المطلق على رضا بشر غير معصوم (طبعًا)، والنبي ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ» (مسند أحمد 12/262)، وإلا لزم غضب الله على كل من أغضب مؤمنًا لأن للمؤمن حقوقًا توجب رضاه (كتاب المؤمن ص 40).

سادسًا: الإلزام بواقعة إغضاب علي رضي الله عنها لفاطمة: جاء في كتب الشيعة (إحقاق الحق 19/112) أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما أغضبت عليًّا: «أما علمت أن رضى الزوج هو رضى الله، وغضب الزوج هو غضب الله».

السؤال: هل غضب الله على فاطمة حين أغضبت عليًّا؟ وهل غضب الله على علي حين أغضب فاطمة بخطبة ابنة أبي جهل؟ إن تطبيق منطق الشيعة هنا يؤدي إلى تناقضات شنيعة تهدم بنيان مذهبهم.

الخلاصة:

الروايات الشيعية حول سخط فاطمة ساقطة أسانيدها بمجاهيلها وانقطاعها.

جملة "الهجران" في الصحيحين مدرجة من قول الزهري وتأويله الشخصي.

الهجران المذكور هو "انقباض" عن تكرار طلب الميراث وليس هجرانًا محرمًا.

ثبت يقينًا في كتب الفريقين أن الصديق ترضّى الزهراء قبل موتها فرضيت.

اقرأ أيضا| زعم أن الصديق ظلم فاطمة ومنعها أرض فدك

حديث "غضب الله لغضبها" لا يثبت سندًا، ومعناه مقيد بالحق لا بالعاطفة البشرية.


لتحميل الملف pdf

تعليقات