أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

احتجاجهم بدفن فاطمة ليلًا وعدم حضور الصديق والفاروق لجنازتها

يحاول المروجون لهذه الشبهة استغلال الجانب العاطفي في حادثة وفاء سيدة نساء العالمين، زاعمين أن التوقيت والمكان كانا رسالة احتجاج سياسي ضد كبار الصحابة، ومستندين في ذلك إلى مرويات تاريخية يفسرونها بغير سياقها الحقيقي.

ومن الشبهات التي يثيرها الشيعة منفردةً على الصديق والفاروق أنهما لم يشهدا دفن فاطمة، وأنها أوصت عليًّا بذلك، ومن أدلتهم: ما رواه الطوسي قال: «أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن القاسم بن محمد الرازي، عن علي بن محمد الهرمزداني، عن علي بن الحسين عليهما السلام، عن أبيه الحسين عليه السلام قال: لما مرضت فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصَّت إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحدًا بمرضها، ففعل ذلك، وكان يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رضي الله عنها على استمرار بذلك كما وصَّت به، فلما حضرتها الوفاة وصت أمير المؤمنين عليه السلام أن يترك أمْرَهَا ويدفنها ليلًا ويعفي قبرها، فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها وعفى موضع قبرها» (الأمالي، الطوسي، ص١٣٩)، ويذكرون أن ذلك دليلٌ على غضبها.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: حقيقة رواية "عدم الإخبار" في كتب السنة

إن الحديث عن عدم إخبار أبي بكر الصديق بموعد الجنازة ورد في سياق تاريخي محدد؛ حيث تعامل بعض الرواة مع الخبر بإضافة تفسيرات شخصية لم تكن من أصل النص النبوي أو التاريخي المسند.

جاء في الصحيح: «فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا» (صحيح البخاري، ٥/١٣٩). وقد ذكرنا سابقًا أن هذا الجزء هو "إدراج" من كلام الزهري وليس من كلام السيدة عائشة؛ ومختصره أن المروزي رواه في مسند أبي بكر فقال: «حدثنا أحمد ابن علي قال: حدثنا أبو بكر بن زنجويه قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتَيَا أبا بكر رضي الله عنهما يلتمسان ميراثهما من رسول الله ..،».

وفيه: «قالت: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي عليه السلام ليلًا ولم يُؤْذَن بها أبو بكر، قالت: فكان لعلي عليه السلام وجهٌ من الناس حياة فاطمة عليها السلام، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فمكثَتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ثم توفيت، قال معمر: فقال رجل للزهري رحمه الله: فلم يبايعه ستة أشهر، قال: لا ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي» (مسند أبي بكر، ٧٨/٣٨).

والتحقيق العلمي يثبت أن لفظ (قالت: فهجرته) فيه نظر؛ فقد رواه خمسة من كبار الرواة عن عبد الرزاق بلفظ (قال) بالإفراد، مما يعني أن القائل هو الزهري وليس السيدة عائشة؛ وحيث إن الحجة تكون للمبين على المجمل، فإن دعوى الهجران المطلق وسقوط حضور الصديق لا تصح؛ إذ كيف تغيب جنازة الزهراء عن الصديق وزوجته أسماء بنت عميس هي من كانت تمرضها وتغسلها في بيتها؟ (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/221(.

والأمر نفسة في مصادر القوم: ففي كشف الغمة في معرفة الأئمة (2/126): «فلما توفيت، جاءت أسماء بنت عميس لتغسلها..، ودخل علي فغسلها مع أسماء».

وفي بحار الأنوار (43/184): «وروي أن فاطمة رضي الله عنها لما حضرتها الوفاة أمرت أسماء بنت عميس أن تأتيها بماء، فتوضأت..، وأوصت أن يغسلها علي وأسماء».

وعليه، فإن وجودها عند فاطمة رضي الله عنها لتمريضها وتغسيلها وهي في عصمة الصديق، وبإذنه ورضاه، يُبطل دعوى الخصومة المطلقة والقطيعة التامة التي يروجون لها؛ إذ كيف تكون زوجة الصديق هي الملازمة لبَضْعة المصطفى صلى الله عليه وسلم في أخص لحظاتها لو كان هناك عداء؟!

ثانيًا: الدفن ليلًا.. كمال الحياء لا شدة الغضب

يريد البعض تصوير الدفن الليلي كحالة من "التخفي"، بينما تشير الروايات الصحيحة إلى أنه كان استجابة لرغبة السيدة فاطمة في مبالغة الستر والحياء، رغبة منها في ألا يرى أحد حجم جسدها أثناء التشييع.

فقد جاء في (تاريخ المدينة) قال: «حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ قَالَ: كَمِدَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا سَبْعِينَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ جلالةِ جِسْمِي إِذَا أُخْرِجْتُ عَلَى الرِّجَالِ غَدًا -وَكَانُوا يَحْمِلُونَ الرِّجَالَ كَمَا يَحْمِلُونَ النِّسَاءَ- فَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، أَوْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنِّي رَأَيْتُ شَيْئًا يُصْنَعُ بِالْحَبَشَةِ، فَصَنَعَتِ النَّعْشَ، فَاتُّخِذَ بَعْدَ ذَلِكَ سُنَّةً» (تاريخ المدينة، ابن شبة، ١/١٠٨).

وفي مرويات الشيعة أنفسهم ما يؤكد ذلك؛ فقد جاء في (بحار الأنوار): «وعن ابن عباس قال: مرضت فاطمة مرضًا شديدًا، فقالت لأسماء بنت عميس: ألا ترين إلى ما بلغت؟ فلا تحمليني على سرير ظاهر، فقالت: لا لعمري، ولكن أصنع نعشًا، كما رأيت يصنع بالحبشة..، فتبسمت وما رؤيت متبسمة إلا يومئذ، ثم حملناها فدفناها ليلًا» (بحار الأنوار، للمجلسي، ٤٣/١٨٩).

فهذا يقطع بأن السبب هو "الحياء" والتستر الشديد، وليس شيئًا آخر.

ثالثًا: بطلان دعوى مجهولية القبر وتناقض مروياتهم

يتمسك الشيعة بأسطورة "القبر المجهول" لإثبات المظلومية، لكن كتب التاريخ وكتبهم هم تثبت أن المكان كان معروفًا ومحددًا لآل البيت وللصحابة.

فقد ورد في (الطبقات الكبير) و(تاريخ المدينة) أن قبرها في زاوية دار عقيل بالبقيع، وبين قبرها والطريق سبعة أذرع (الطبقات الكبير، ١٠/٣٠). ومما ينقض دعواهم ما رواه شيخهم الطوسي في (التهذيب) وصححه عالمهم المجلسي في (ملاذ الأخيار، ٥/٤٨١) عن أبي الحسن عليه السلام قال: «دفنت في بيتها، فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد». فإذا كان "أئمتهم" يحددون القبر، فكيف يقال إنه أخفي عن الناس؟ أما الرواية التي استندوا إليها في إخفاء القبر ففي سندها علي بن محمد الهرمزداني، وقد قال عنه عالمهم الحلي: «ضعيف» (خلاصة الأقوال، الحلي، ص٣٦٩).

رابعًا: التناقض العقدي في مسألة إخفاء القبور

إن واقع الشيعة اليوم في بناء الأضرحة والقباب يخالف تمامًا ما ينسبونه لعلي بن أبي طالب عليه السلام من فعل، بل ويخالف أوامر النبي صلى الله عليه وسلم الصريحة.

فقد روى الكليني في (الكافي) عن علي عليه السلام قال: «قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه‌ وآله وسلم إِلَى‌ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا مَحَوْتَهَا، وَلَا قَبْرًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (الكافي، ١٣/٢٣٤)؛ وهذا يوافق ما ثبت عند أهل السنة في (صحيح مسلم، ٢/٦٦٦).

فلو كان علي عليه السلام قد أخفى القبر، فكيف يرفعه هؤلاء اليوم ويبنون عليه؟

خامسًا: تهافت الشبهة من الناحية المنطقية

عند تحليل الشبهة عقليًا نجدها تنهار أمام التساؤلات البديهية؛ فإذا كان إخفاء الجنازة دليل بغض، فهل أخفاها علي عن "كل" الصحابة؟ إن كان نعم، فقد حكمتم على الجميع بالردة والبغض، وإن كان أخفاها عن "البعض"، فقد سقط الاستدلال بجهالة القبر أو غضب فاطمة على عموم الصحابة.

ثم إن القول بأن الإخفاء كان خوفًا من "النبش" هو طعن في شجاعة علي عليه السلام؛ وحيث إنه لم يسبق في تاريخ الإسلام نبش قبر، فإن هذه العلة باطلة؛ إذ لو كان الميت من أهل البيت له قوة ومدد كما يزعمون، فكيف يجرأ أحد على نبش قبره؟

الخلاصة:

ثبت بالتحقيق العلمي أن جملة (عدم إيذان أبي بكر) هي من كلام الراوي الزهري وليست نصًا تاريخيًا مقطوعًا به.

الدفن ليلًا كان وصية فاطمة عليها السلام بدافع "الحياء والستر" وليس تعبيرًا عن موقف سياسي، وقد اتفقت كتب السنة والشيعة على هذا التعليل.

قبرها معلوم في البقيع أو في بيتها كما دلت عليه الروايات الصحيحة، ودعوى الإخفاء روايتها ضعيفة السند حتى عند علماء الشيعة.
 

اقرأ أيضا| زعمهم أن فاطمة غضبت على الصديق وماتت وهي واجدة عليه

الشبهة تنطوي على تناقضات عقدية؛ فهي تصف علي بن أبي طالب بالضعف عن حماية قبر زوجته، وتخالف أمره بتسوية القبور وعدم تشريفها.


لتحميل الملف pdf

تعليقات