يحاول المشككون استغلال رواية تاريخية تتحدث عن "ندم" أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرض موته؛ ليثبتوا من خلالها وقوع اعتداء على بيت السيدة فاطمة عليها السلام، والواجب هو عرض هذه الرواية على ميزان النقد العلمي؛ لتبين حقيقة سندها ومعناها.
قالت الشيعة: إن أبا بكر ندم في آخر حياته؛ لأنه كشف بيت فاطمة، وهذا قد ورد في روايات أهل السنة! (الغدير، الأميني، ٧/١٧٤)، ويعنون بالكشف: الاعتداء والحرق أو الهدم.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الميزان العلمي لرواية الندم
إن هذه الرواية التي يطير بها الخصوم لا تثبت من الناحية الحديثية؛ بل هي محكوم عليها بالوضع والكذب عند كبار أئمة الشأن.
الرواية ذكرها الحافظ الهيثمي، قال: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ..، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٌ لَمْ أَفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعْلَتُهُنَّ، وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُنَّ» (مجمع الزوائد، الهيثمي، ٥/٣٦٦).
وهذا الحديث في إسناده (عُلوان بن داود البجلي)، وهو رجل متروك الحديث؛ قال عنه الإمام البخاري: «عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَيُقَالُ: عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، مُنْكَرُ الْحَدِيثِ» (الضعفاء الكبير، العقيلي، ٣/٤١٩).
وقد حكم عليها الإمام أحمد بن حنبل بأنها غير صحيحة، وقال أحمد بن صالح المصري: «هذا حديثٌ مَوضوعٌ كذِب، لا ينبغي أن يُكتب ولا يُقرأ، ولا يُحدَّثُ به» (تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين، ابن شاهين، ص١٣١، رقم ٤٠٩).
ثانيًا: ثلاث فعلها الصديق وود لو لم يفعلها
١- تمنيه عدم دخول بيت فاطمة: تذكر الرواية قوله: «فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ، وَأَنْ أُغْلِقَ عَلَى الْحَرْبِ»؛ أي أنه تمنى لو ترك البيت حتى لو كان فيه من يخطط للتمرد على جماعة المسلمين، وهذا يعبر عن مبالغته في إكرام آل البيت وتجنب ما قد يضايقهم، وليس اعترافًا بحرق أو هدم. (تاريخ الطبري، الطبري، ٣/٤٣٠؛ المعجم الكبير، الطبراني، ١/٦٢)
٢- تمنيه عدم تحمل الخلافة: قال: «وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةَ بَنِي سَاعِدَةَ قَذَفْتُ الْأَمْرَ فِي عُنُقِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ عُمَرَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكُنْتُ وَزِيرًا». وهذا يثبت زهده في السلطة، وأنه لم يغتصب الخلافة كما يزعمون؛ بل تمنى لو كان وزيرًا ومساعدًا لغيره. (تاريخ الطبري، الطبري، ٣/٤٣٠؛ مروج الذهب، المسعودي، ٢/٣٠١)
٣- تمنيه البقاء في (ذي القصة): قال: «وَوَدِدْتُ أَنِّي حِينَ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ أَقَمْتُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ ظَفِرُوا، وَإِلَّا كُنْتُ رِدْءًا وَمَدَدًا». وهذا يعكس قلقه الشديد على سلامة المسلمين في مواجهة المرتدين. (تاريخ الطبري، الطبري، ٣/٤٣٠؛ الأموال، ابن زنجويه، ١/٣٨٧)
ثالثًا: كشف الاضطراب التاريخي في الرواية
مما يؤكد كذب الرواية وتلفيقها، ورود لقب "أمير المؤمنين" فيها على لسان أبي بكر؛ وحيث إن هذا اللقب لم يُطلق إلا على عمر بن الخطاب في عهد خلافته، وكان الناس يسمون أبا بكر "خليفة رسول الله"، فإن ذكر هذا اللقب في مرض موت الصديق يعد خطًا تاريخيًا يسقط الرواية (انظر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، ٨/٢٩٠).
رابعًا: حقيقة موقف الصديق من السيدة فاطمة عليها السلام
إن الثابت في أصح الكتب هو شدة حب الصديق لقرابة النبي؛ ففي البخاري يقول الصديق: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» (صحيح البخاري، ٥/٢٠).
وقال رضي الله عنه أيضًا: «ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فِي أَهْلِ بَيْتِهِ» (صحيح البخاري، ٥/٢١).
وهذا التواتر في المحبة لا يمكن أن تعارضه رواية مكذوبة وضعها الكذابون.
خامسًا: قاعدة التوبة والندم
إن التوبة تمحو ما قبلها؛ فلو سلمنا بصحة هذه الرواية الساقطة، لكان ندم الصديق دليلًا على عظيم إيمانه وورعه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ فكيف يُلام من تاب وندم عند موته (على فرض وقوع خطأ)، بينما يغفر الله للمشرك إذا أسلم؟
الخلاصة:
١- الرواية المستدل بها مكذوبة وموضوعة باتفاق علماء الحديث؛ بسبب وجود (علوان بن داود) في سندها، وهو منكر الحديث ومتروك.
٢- لفظ "كشف البيت" في لغة العرب لا يعني الاعتداء المادي؛ بل يعني الدخول للتفتيش أو التحقق، وهو إجراء تمنى الصديق ورعًا لو تركه.
٣- التناقض التاريخي بذكر لقب "أمير المؤمنين" قبل وقته يثبت أن الرواية صُنعت في عصر متأخر عن الحادثة.
٤- مواقف الصديق الموثقة في "البخاري" تؤكد أنه كان يرى صلة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا شرعيًا ومحبةً مقدمةً على قرابته هو.
اقرأ أيضا| احتجاجهم بدفن فاطمة ليلًا وعدم حضور الصديق والفاروق لجنازتها
٥- الشبهة في أصلها تعتمد على بتر الرواية وتفسيرها بالهوى بما يوافق معتقد المظلومية الموهومة؛ وحين يُعرض النص كاملًا وبسياقه تظهر الحقيقة.
لتحميل الملف pdf