ادعى "علامتهم" الأميني أن الصديق رضي الله عنه كان يجهل حدود الله تعالى، وزعم أنه أراد مخالفة السنة في حكم السارق الذي تكررت سرقته، لولا أن عمر رضي الله عنه نبهه إلى ذلك؛ ليخلص من ذلك إلى عدم أهليته للخلافة.
فيقول تحت عنوان «رأي الخليفة في قطع السارق»: «عن صفية بنت أبي عبيد: أن رجلًا سرق على عهد أبي بكر مقطوعة يده ورجله، فأراد أبو بكر أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها ويتطهر بها وينتفع بها، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده، لتقطعن يده الأخرى، فأمر به أبو بكر فقُطعت يده..، إن من موارد الحيرة أن الخليفة لا يعلم حد السارق الذي هو من أهم ما تجب عليه معرفته لحفظ الأمن العام» (الغدير، الأميني، ٧/١٢٩).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: عدم صحة الرواية وانقطاع أسانيدها
إن هذه الرواية التي طار بها الخصوم لم تثبت من جهة الإسناد، وما كان مختلفًا في صحته لا تقوم به حجة في أصول الدين.
فالطريق الأول للرواية منقطع بين القاسم بن محمد وجده الصديق؛ لأن القاسم لم يسمع منه. والطريق الثاني منقطع أيضًا بين صفية بنت أبي عبيد والصديق رضي الله عنه؛ لأن صفية لم تروِ عنه (إرواء الغليل، الألباني، ٨/٩١).
وإذا سقط الإسناد سقط الاستدلال، ولا يصح التشغيب على إمام المسلمين بروايات منقطعة.
ثانيًا: المسألة اجتهادية ولا يوجد فيها نص نبوي صريح
لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صحيح صريح يحدد العضو الذي يُقطع في السرقة الثالثة، ولذلك اختلف الفقهاء في المسألة اختلافًا واسعًا.
فالمالكية والشافعية والحنابلة في رواية ذهبوا إلى قطع اليد اليسرى في المرة الثالثة (القوانين الفقهية، ابن جزي، ص٢٣٦؛ المهذب، الشيرازي، ٣/٣٦٤).
بينما ذهب الحنفية والحنابلة في رواية أخرى -وهو قول الإمامية أيضًا- إلى أنه لا يُقطع في الثالثة بل يُحبس (كنز الدقائق، النسفي، ص٣٦٥).
فإذا كانت المسألة محل خلاف واجتهاد بين كبار الفقهاء لعدم وجود نص قاطع، فكيف يُرمى الصديق بالجهل في مسألة اجتهادية يُؤجر فيها المصيب والمخطئ؟
ثالثًا: رجوع الصديق للحق منقبة وفضيلة لا مذمة
لو افترضنا جدلًا صحة الرواية، لكان فيها أعظم المدح للصديق؛ إذ تظهر سرعة رجوعه للحق حين ذُكرت له السنة.
فالصديق لم تأخذه العزة بالإثم، بل لما قيل له إن السنة كذا اتبعها فورًا. وهذا الاجتهاد مأجور عليه فاعله حتى عند الشيعة؛ فقد جاء في "ميزان الحكمة": «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» (ميزان الحكمة، الريشهري، ٣/٢٥٩١).
فكيف يُذم الصديق على أمرٍ يرى الخصوم أن فاعله مثاب ومأجور؟
رابعًا: اعترافهم بجهل أكابر علمائهم بنفس المسألة
إن العيب الذي حاولوا لصقه بالصديق واقعٌ في أكابر علمائهم الذين تضاربت أقوالهم في حكم السارق في الثالثة رغم ادعائهم وجود نصوص عن أئمتهم.
فقد ذهب عالمهم الطوسي إلى قطع اليد اليسرى في الثالثة (النهاية، الطوسي، ١/٧١٧)، بينما ذهب ابن إدريس الحلي إلى أن الحد هو الحبس فقط (كتاب السرائر، ابن إدريس الحلي، ٣/٤٩٠).
فإذا كان أكابر علماء الشيعة "لا يعرفون" الحكم المتفق عليه عندهم، فهل ينطبق عليهم وصف الجهل الذي رموا به الصديق رضي الله عنه؟
خامسًا: وقوع "المعصوم" في الخطأ القضائي في كتبهم
يزعم القوم أن عليًّا رضي الله عنه لا يخطئ ولا يسهو ويعلم ما كان وما يكون، ومع ذلك تروي كتبهم أنه قطع يد بريء بناءً على شهادة خاطئة.
فعن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده..،» (الكافي، الكليني، ٧/٣٨٤؛ وقال المجلسي في مرآة العقول: حسن).
فإذا كان علي رضي الله عنه -بحسب روايتهم- قد قطع يد بريء لعدم علمه بكذب الشهود أو خطئهم، فبماذا يجيبون؟ هل جهل علي رضي الله عنه بخطأ الشهود يقدح في إمامته؟
سادسًا: نفاذ حكم الحاكم المجتهد حتى مع الخطأ عند الشيعة
قرر علماء الشيعة أن حكم الحاكم إذا صدر عن اجتهاد فهو نافذ ولا يجوز نقضه حتى لو تبين خطؤه يقينًا.
يقول مرجعهم الخوئي: «وأن حكم الحاكم نافذ فيها، ولو مع العلم بالمخالفة للواقع أو الخطأ في طريقه..، فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى» (الاجتهاد والتقليد، الخوئي، ص٣٩٠).
فبما أن حكم المجتهد نافذ ومحترم عندهم حتى مع الخطأ، فلماذا جعلوا اجتهاد الصديق (على فرض صحة القصة) ثلمة في دينه ومنقصة في علمه؟
الخلاصة:
١- الرواية ضعيفة ومنقطعة الأسانيد عند أهل السنة، والمختلف في صحته لا تقوم به حجة في أصول الدين.
٢- المسألة اجتهادية لا نص فيها، وقد اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا في تحديد العضو المقطوع في المرة الثالثة.
٣- رجوع الصديق للسنة (إن صحت الرواية) يُعد منقبة عظيمة تُثبت تواضعه وتعظيمه للنص، وهو اجتهاد مأجور عليه صاحبه.
٤- علماء الشيعة الكبار كالطوسي وابن إدريس اختلفوا في نفس المسألة، فهل يوصفون بالجهل كما وصفوا الصديق؟
٥- كتب الشيعة تروي أن عليًّا رضي الله عنه قطع يد بريء لعدم علمه بحال الشهود، فبطل زعمهم أن الإمام لا يجهل شيئًا.
اقرأ أيضا| زعمهم قول الحسن بن علي للصديق «انزل عن منبر أبي»
٦- يقرر فقهاء الشيعة كالمجلسي والخوئي أن المجتهد المخطئ مثاب، وأن حكم الحاكم نافذ حتى مع الخطأ؛ مما ينقض طعنهم في الصديق.
لتحميل الملف pdf