أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم قتال الصديق لمن لم يرضَ بخلافته وتسميتهم أهل الردة

يدعي القوم أن الصديق رضي الله عنه سمى أهل اليمامة وغيرهم "مرتدين" وقاتلهم لمجرد أنهم أنكروا خلافته وامتنعوا عن دفع الزكاة له، زاعمين أن إنكار البيعة ليس ردة، وأن الصديق استخدم هذا المصطلح لتصفية معارضيه السياسيين.

يقول شيخهم المفيد: «ولما عرف أهل اليمامة تقلد أبي بكر أنكروا أمره وامتنعوا من حمل الزكاة، حتى أنفذ إليهم الجيوش فقتلهم وحكم عليهم بالردة عن الإسلام»

واستشهد بأبيات منسوبة لبعضهم يقول فيها:

أطعنا رسول الله ما كان بيننا
 

 فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر
 

إذا مات بكر قام عمر مكانه
 

 وذلك لعمر الله قاصمة الظهر»
 

(انظر: الجمل، المفيد، ١/٥٨).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: حقيقة أهل الردة وأقسامهم

لم يكن المرتدون صنفًا واحدًا، بل كانوا أقسامًا، والصحابة رضي الله عنهم تعاملوا مع كل صنف بما يستحق:

الصنف الأول: من أنكر نبوة النبي ﷺ وصدَّق المتنبئين كـ "مسيلمة الكذاب"، وهؤلاء كفار بإجماع (أعلام الحديث، الخطابي، ١/٧٤١).

الصنف الثاني: من أقر بالصلاة وأنكر وجوب الزكاة وقاتل دونها، وهؤلاء جحدوا معلومًا من الدين بالضرورة فصاروا مرتدين بجحدهم، أو أهل بغي دخلوا في مسمى الردة تغليبًا وتوسعًا لنصبهم القتال ضد الدولة (التمهيد، ابن عبد البر، ٢١/٢٨٢).

فالقتال لم يكن لمجرد "عدم البيعة"، بل لأنهم منعوا حق الله (الزكاة) وشهروا السلاح في وجه المسلمين.

ثانيًا: إقرار علماء الشيعة بصحة فعل الصديق

العجيب أن كبار علماء الشيعة أقروا بأن الصديق قاتل صنفين: مرتدين حقيقيين، ومانعي زكاة، ولم ينكروا عليه ذلك. يقول شيخهم الطوسي: «ولا خلاف أيضًا أن قتال أهل البغي واجب جائز، وقد قاتل أبو بكر طائفتين: قاتل أهل الردة..، وقاتل مانعي الزكاة..، فموضع الدلالة أن عمر توقف عن قتالهم لكونهم مؤمنين [في البداية]..، فقال أبو بكر: والله لا فرقت بين ما جمع الله» (المبسوط، الطوسي، ٧/٢٦٣).

فالطوسي هنا يستدل بفعل الصديق كأصل شرعي في وجوب قتال أهل البغي ومانعي الحقوق.

ثالثًا: حكم مانع الزكاة عند السنة والشيعة (اتفاق على القتال)

أجمع الفريقان على أن من امتنع عن أداء الزكاة وقاتل عليها، وجب على الحاكم قتاله:

عند أهل السنة: قرر الجصاص أن من رد أو امتنع عن أوامر الله ورسوله ﷺ (كالتسليم بالزكاة) فقد خرج من الإيمان، وصح فعل الصحابة في قتالهم وسبي ذراريهم (أحكام القرآن، الجصاص، ٣/١٨١).

عند الشيعة: النصوص عندهم تخرج مانع الزكاة من الملة؛ ففي "الكافي" عن الصادق عليه السلام أن بالزكاة «حقنوا دماءهم وبها سموا مسلمين» (الكافي، الكليني، ٣/٤٩٨).

وعن أبي بصير عن الصادق: «من منع قيراطًا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم» (من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ٢/١٢).

رابعًا: الفتوى الشيعية بضرب عنق مانع الزكاة

بينما يشنعون على الصديق قتاله لمانعي الزكاة، نجد في كتبهم مرويات تبيح "ضرب عنق" مانع الزكاة مباشرة: روى الصدوق عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام: «دمان في الإسلام حلال من الله..، الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه» (من لا يحضره الفقيه، ٢/١١).

فإذا كان هذا حكم مانع الزكاة عندهم، فلماذا يعيبون على الصديق تنفيذ ما تطلبه نصوصهم؟

خامسًا: الرد على دعوى "السياسة" و"عدم الرضا بالخلافة"

ادعاؤهم أن القتال كان بسبب عدم الرضا بخلافة الصديق تبطله الحقائق التالية:

 ١. الصديق لم يقاتل من قعد عن البيعة في المدينة كعلي وسعد بن عبادة رضي الله عنهم، فلو كان يقتل من لا يرضى بخلافته لبدأ بهم.

 ٢. المرتدون في اليمامة اتبعوا مسيلمة الكذاب وادعوا له النبوة، وهذا كفر صريح لا علاقة له بالخلافة.

 ٣. منع الزكاة كان موجهًا ضد "أصل الفريضة" بدليل قولهم: (إن الله أمر نبيه بالأخذ وقد سقطت بموته)، وهذا تحريف للشريعة يستوجب الزجر والقتال. (انظرا: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ٢٨/٥١٩).

الخلاصة:

١- المرتدون الذين قاتلهم الصديق كانوا أصنافًا؛ منهم عبدة الأوثان، ومنهم أتباع المتنبئين، ومنهم من جحد الزكاة وقاتل عليها.

٢- إجماع الصحابة (بمن فيهم علي رضي الله عنه) انعقد على قتال هؤلاء لحماية بيضة الإسلام وأركان الدين.

٣- كبار علماء الشيعة كـ(الطوسي والصدوق والحلي) أقروا بوجوب قتال مانع الزكاة، بل وردت عندهم نصوص تبيح ضرب عنقه وإخراجه من الملة.

٤- قتال الصديق لمانعي الزكاة كان صيانة للشرع؛ لأن السكوت عنهم يعني هدم أركان الإسلام واحدًا تلو الآخر.

٥- من يشنع على الصديق اليوم فإنه يشنع على نصوصه التي تصف مانع الزكاة بأنه "ليس بمؤمن ولا مسلم".

اقرأ أيضا| دعوى تأخر بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما

٦- ثبوت إسلام مانعي الزكاة عند بعض العلماء (بمعنى عدم الردة الكلية) لم يمنع من وجوب قتالهم كأهل بغي، وهو ما فعله الصديق تمامًا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات