يزعم القوم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان جاهلًا بالأحكام الشرعية، ويستدلون بكونه لم يعرف ميراث "الكلالة" حتى قال فيها برأيه، ولم يعرف ميراث "الجدة" حتى سأل الناس عنها، معتبرين ذلك نقصًا يمنعه من الأهلية للخلافة.
يقول علي النباطي: «ولم يعرف ميراث الجدة ولا الكلالة، وقال: أقول فيها برأيي..، وفي هذا تجويز كون الحاكم جاهلًا وصبيًّا ومجنونًا» (الصراط المستقيم، ٢/٣٠٥).
ويقول الميرزا النجم آبادي: «سُئل إبان خلافته عن ميراث الجدة، فلم يهتدِ إلى الإجابة..، فقام بعض الصحابة فشهدوا..، فقضى أبو بكر بذلك» (حاشية المكاسب، ص٦).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: تفنيد مرويات "الكلالة والجدة" إسناديًّا
رواية الكلالة: أثر منقطع؛ رواه الدارمي عن الشعبي عن أبي بكر، والشعبي لم يدرك الصديق (سنن الدارمي، ٤/١٩٤٤).
رواية الجدة: ذكر ابن حجر أنها مرسلة؛ لأن قبيصة بن ذؤيب لم يسمع من الصديق، كما أعلها ابن حزم بالانقطاع (التلخيص الحبير، ٣/١٨٦). وإنما صححها بعض العلماء بالشواهد لبيان الحكم الفقهي لا لإثبات "تجهيل" الصديق.
ثانيًا: الصديق لم يقل "بالرأي المجرد" بل بالاستنباط الصحيح
لو سلمنا جدلًا بصحة الأثر، فإن قول الصديق في الكلالة (أنها ما خلا الوالد والولد) هو أعظم علمه ودقة فهمه؛ للأسباب التالية:
هذا الرأي هو الذي وافقه عليه جماهير الصحابة والعلماء والأئمة الأربعة (تفسير ابن كثير، ٢/٤٨٧).
الكلالة لغةً: ما أحاط بالرأس من جوانبه (كالإكليل)، والحواشي هم الإخوة، أما الوالد والولد فهما الأصول والفروع (إعلام الموقعين، ١/٦٦).
فالصديق استند لقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (النساء: ١٧٦)، والآية نزلت في جابر بن عبد الله ولم يكن له يومئذ "والد ولا ولد"؛ فكان شأنه بيانًا للمراد (صحيح البخاري، ٧/١١٦).
ثالثًا: سؤاله عن "الجدة" كمالٌ في الورع والسياسة الشرعية
سؤال الصديق للصحابة عن ميراث الجدة ليس جهلًا معيبًا، بل هو منهج شرعي في التثبت:
القرآن لم ينص صراحة على ميراث الجدة، فبحث الصديق عن السنة.
مشاورة الرعية وإشراكهم في العلم تدل على تواضعه وعدم استبداده بالرأي.
بمجرد أن أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة بحديث النبي ﷺ، أنفذه فورًا؛ وهذا قمة الانقياد للسنة (الذخيرة، القرافي، ١٣/٦٣).
رابعًا: هل يجب على الحاكم الإحاطة بكل جزئيات العلم؟
لم يدعِ أحد من الصحابة العصمة أو الإحاطة بكل السنة. بل إن النبي ﷺ نفسه أمره الله أن يقول: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾.
يقول ابن تيمية: «يريد الجهال من المتبوع أن يكون عالِمًا بكل ما يسأل عنه..، وهذا باطل خلاف ما خلقه الله وشرعه» (منهاج السنة، ٦/٣٦٧).
العبرة هي القدرة على استنباط الأحكام والرجوع للحق عند تبينه.
خامسًا: "الإلزامات" من كتب الشيعة (جهل أئمتهم بالأحكام)
إذا كان جهل "الكلالة" يطعن في الإمامة، فماذا يقول الشيعة في مروياتهم التي تنسب الجهل للأئمة المعصومين؟
علي رضي الله عنه يجهل حكم المذي: روى الطوسي في "التهذيب" (١/١٧) أن عليًّا كان "مذَّاءً" فاستحيا أن يسأل النبي ﷺ فأمر المقداد أن يسأله. (قال المجلسي في ملاذ الأخيار: موثق).
علي يجهل علة تحريم ابنة حمزة: روى الكليني أن عليًّا عرض على النبي ﷺ أن يتزوج ابنة عمه حمزة، فقال له النبي ﷺ: «أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة؟» (الكافي، ١٠/٨٩٣؛ وصححه المجلسي والبهبودي وغيرهم).
جعفر الصادق يجهل أحكام الحرم: روى الكليني أن الصادق كان يقلع الحشيش بمنى حتى نهاه والده (المرجع السابق، ٦/٢٢٤). كما روي أنه كان يؤذي "الخطاف" (نوع من الطيور) في الحرم حتى نهاه والده (مرآة العقول، ٢١/٣٧٠).
الخلاصة:
١- الروايات التي يستند إليها القوم منقطعة الأسانيد ولا تثبت من الناحية العلمية الحديثية.
٢- اجتهاد الصديق في الكلالة صار مذهبًا لجماهير الأمة، مما يدل على توفيقه وإصابته للحق الذي خفي على غيره.
٣- تثبت الصديق وسؤاله الصحابة دليل على "الأمانة العلمية" والورع، وليس نقصًا، فقد كان يبحث عن النص النبوي قبل إعمال الرأي.
٤- كتب الشيعة مليئة بروايات (صحيحة عندهم) تثبت جهل أئمتهم بمسائل فقهية واجتماعية بسيطة، فطعنهم في الصديق هو طعن في أئمتهم من باب أولى.
اقرأ أيضا| زعمهم قتال الصديق لمن لم يرضَ بخلافته وتسميتهم أهل الردة
٥- الشيعة أنفسهم خالفوا حديث النبي ﷺ في ميراث الجدة (بإعطائها السدس) وأجمعوا على حرمانها مع وجود الأولاد، فهم من يعطل السنة لا الصديق.
لتحميل الملف pdf