أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم نهي الصديق رضي الله عنه عن متعة الحج مخالفة للسنة

يتمسك القوم بدعوى أن الصديق رضي الله عنه هو أول من سنَّ النهي عن "متعة الحج"، واعتبروا ذلك جرأة على تبديل أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال علي النباطي في كتابه (الصراط المستقيم): «ومنع الصديق من متعة الحج، وتابعه عمر على ذلك، مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بها أصحابه» [الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، علي النباطي، 2/301].

 ويستدلون بما رواه الإمام أحمد في مسنده: «حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: قال عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا بن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج، وقد نهى أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عروة: هما كانا أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم به منك» [مسند أحمد، 4/133، حديث رقم 2277].

الرد التفصيلي على الشبهة

أولًا: تاريخية النهي ومشروعيته

إن النهي عن متعة الحج اشتهر تاريخيًّا عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا عن الصديق؛ ولذلك أشار السندي في حاشيته على المسند إلى أن نهي أبي بكر لم يشتهر أصلًا، ولعل عروة بن الزبير اعتمد على موافقة عمر لأبي بكر في فضل "الإفراد"؛ فسامح في الكلام لظهور المقصد. [حاشية السندي على مسند أحمد، 2/424].

بل إن بعض المؤرخين ذهبوا إلى أن الصديق رضي الله عنه لم يحج بالناس في خلافته لانشغاله بحروب الردة وإعادة الناس إلى حظيرة الإسلام، وكان يبعث عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف على الموسم. [البداية والنهاية، ابن كثير، 9/537].

وهذا الشغل بحماية بيضة الدين حال بينه وبين الاستقصاء في هذه الفروع الفقهية. [الاعتصام، الشاطبي، 1/331].

ثانيًا: النهي سياسة شرعية لا تشريع ديني

من القواعد الكبرى المتفق عليها أن «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة» [الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص104].

والنهي الذي روي عن الصديق أو الفاروق لم يكن يقصد به تحريم ما أحل الله، بل كان من باب "السياسة الشرعية" الجزئية؛ وذلك لتحقيق مقاصد عليا، منها:

إعمار البيت طوال العام: خشي عمر (وروي عن أبي بكر) أن يكتفي الناس بسفرة واحدة في أشهر الحج يجمعون فيها بين النسكين، فيبقى البيت مهجورًا وبلا زوار بقية العام؛ فأحبوا أن يُفرِد الناس الحج بسفرة، والعمرة بسفرة أخرى ليظل البيت مقصودًا ومعمورًا دائمًا. [شرح العمدة، ابن تيمية، 1/528].

نفع أهل الحرم: لكي يكون للبيت موسمان في العام، فينتعش أهل مكة اقتصاديًا ويتحقق الرفق بهم، استجابةً لدعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].

ثالثًا: اعتراف عالمهم ناصر مكارم الشيرازي بمبدأ "الأحكام التنفيذية"

إن هذا المسلك الفقهي هو عين ما يقرره علماء الشيعة المعاصرون تحت مسمى "الأحكام الولائية"؛ إذ يقول عالمهم ناصر مكارم الشيرازي: «إن الأحكام الكلية في التشريع تختلف عن الأحكام التنفيذية للحاكم..، التي تصدر بسبب الأمور الضرورية وأمثالها وبشكل مؤقت، مثل حكم تحريم التنباكو..، ويستفاد من رواية الإمام الجواد عليه السلام أنه أقر تعدد الخمس في تلك السنة لحل مشكلة خاصة» [نفحات القرآن، الشيرازي، 10/83].

فإذا جاز لأئمتهم تعطيل أو تغيير صفة حكم شرعي (كالخمس أو الزكاة) لمصلحة وقتية، فلماذا يُمنع الصديق والفاروق من حث الناس على "الإفراد" (وهو نسك شرعي) لمصلحة إعمار بيت الله؟

رابعًا: هل كان الأئمة يكتمون أحكام الحج عن شيعتهم؟

بينما يُشنع القوم على الصديق الذي اجتهد لإعمار بيت الله، نجد في كتبهم اعترافًا صريحًا بأن الشيعة بقوا دهرًا طويلًا لا يعرفون من أحكام الحج شيئًا! فعن عيسى بن السري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخبرني بدعائم الإسلام..، ثم كان محمد بن علي أبو جعفر، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم. [الكافي، الكليني، 2/20؛ وقال المجلسي في مرآة العقول، 7/108: الحديث صحيح].

والسؤال هنا: أيهما أحق بالملامة؛ من يقيم الحج للناس ويجتهد في اختيار الأفضل لعمارة البيت، أم من يُنسب إليه كتمان العلم عن أتباعه حتى ضاعت منهم شعائر الركن الخامس؟

خامسًا: ادعاء حق التشريع والنسخ عند القوم

إن ما نقمه الشيعة على الصديق (وهو مجرد اختيار نسك مفضل) قد أعطوا ما هو أعظم منه لأئمتهم؛ إذ صرحوا بأن للأئمة حق التشريع الابتدائي ونسخ القرآن! يقول عالمهم علي السيستاني في كتابه (اختلاف الحديث): «هناك بعض الروايات التي تدل على أنه كلما فوض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فوض للأئمة ما عدا النبوة..، إذًا فحق التشريع الدائم ثابت للأئمة عليهم السلام» [اختلاف الحديث، السيستاني، ص21].

فمن الذي يغير الدين حقيقةً: من يختار للناس أحد الأنساك الجائزة سياسةً، أم من يدعي حق إلغاء أحكام القرآن والتشريع من دون الله؟

الخلاصة:

النهي عن متعة الحج لم يثبت عن الصديق كتشريع، وإنما روي عنه من باب اختيار نُسك "الإفراد" طلبًا لزيادة الأجر وإعمار البيت.

تصرف الخلفاء الراشدين هنا يندرج تحت "السياسة الشرعية" التي تهدف لتحقيق مصلحة الرعية، وهو أمر يقر به علماء الشيعة أنفسهم في كتبهم.

الصديق والفاروق رضي الله عنهما لم يبتدعا نُسكًا جديدًا، بل حثا الناس على أحد الأنساك الثلاثة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم (وهو الإفراد).

كتب الشيعة تعترف بضياع مناسك الحج عند أتباعهم حتى عصر الباقر، مما يثبت فضل الراشدين في حفظ الشعائر وتعليمها للأمة.

اقرأ أيضا| زعمهم إحراق الصديق رضي الله عنه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

دعوى الشيعة بأن لأئمتهم "حق التشريع الدائم" و"نسخ القرآن" هي البدعة الحقيقية التي تهدم أصول الإسلام وتجعل الأئمة أنبياء من دون تسمية.


لتحميل الملف pdf

تعليقات