يدعي القوم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يجهل معاني المفردات القرآنية البسيطة، واستدلوا بقصة يزعمون فيها عجزه عن تفسير كلمة "الأب" في سورة عبس؛ ليتخذوا من ذلك ذريعة للطعن في علمه وأهليته للخلافة.
قال شيخهم المفيد: «وروَوْا أَنَّ أَبا بكر سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31] فلم يعرِف معنى الأبِّ في القرآن، وقال: أَيُّ سَماء تُظِلّني، وأَيِّ أَرض تُقِلّني، أَم كيف أَصنع إِن قلتُ في كتاب الله تعالى بما لا أَعلم، أَمّا الفاكهة فنَعْرِفها، وأما الأبُّ فالله أعلمُ به.
فبلغ أميرَ المؤمنين مقالُه في ذلك، فقال: يا سبحان الله، أما عَلِمَ أنَّ الأبَّ هو الكَلأُ والمرعى، وأنَّ قوله عزّ اسمه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ اعتداد من الله سبحانه بإِنعامه على خلقه فيما غذَّاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم مما تُحيى به أنفسُهم وتَقُوم به أجسادُهم؟!» [الإرشاد، المفيد، 1/200].
الرد التفصيلي على الشبهة:
إن هذه القصة بزيادتها التي فيها الطعن لا تثبت من حيث الأسانيد العلمية، وإليك تفصيل الرد من وجوه:
أولًا: عدم صحة أسانيد القصة بلفظ "جهل الأب"
لم يصح إسناد واحد يثبت أن الصديق رضي الله عنه جهل معنى الكلمة، وإنما الثابت هو تحرجه من القول في القرآن بالرأي، وإليك بيان حال الروايات:
1. رواية إبراهيم التيمي: رواها أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص 375)، وهي منقطعة؛ لأن إبراهيم التيمي لم يدرك أبا بكر الصديق، وقد أكد ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (6/296).
2. رواية يحيى الحماني: رواها ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/833)، وهي رواية ضعيفة جدًا؛ لعلتين: الأولى "يحيى الحماني" وهو كذاب سارق للأحاديث بشهادة الإمام أحمد وابن نمير [الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 3/197]، والثانية الانقطاع بين أبي معمر والصديق.
3. رواية ابن أبي مليكة: رواها سعيد بن منصور، وهي منقطعة أيضًا؛ لأن ابن أبي مليكة لم يدرك الصديق رضي الله عنه [سير أعلام النبلاء، 5/90].
4. رواية أبي معمر: رواها الطبري في تفسيره، وهي مرسلة لا تصح؛ لأن أبا معمر (عبد الله بن سخبرة) أرسل عن أبي بكر ولم يسمع منه [تهذيب التهذيب، 5/202].
والخلاصة المنهجية: أن أصل قول الصديق: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم» يرتقي للحسن بمجموع طرقه، ولكن "زيادة" السؤال عن الأب والفاكهة لم تأتِ في الطرق المعتبرة، فهي زيادة لا تصح.
ثانيًا: الرواية تدل على ورع الصديق لا على جهله
على فرض صحة القصة تنزلًا، فإنها تعد منقبة عظيمة للصديق رضي الله عنه؛ لأنها تدل على شدة ورعه وتوقفه عن تفسير كتاب الله بغير علم يقيني، وهو عين ما أمر الله به في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وقد ورد نفس هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فقد روى ابن عبد البر بسنده عن علي أنه قال: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟» [جامع بيان العلم وفضله، 2/834]. فهل يقبل الشيعة أن يكون هذا القول دليلًا على جهل علي رضي الله عنه بالقرآن؟
ثالثًا: معنى التوقف في الآية (نموذج عمر بن الخطاب)
ثبت السؤال عن معنى "الأب" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسند صحيح، وقد فسر العلماء توقفه بأنه أراد معرفة "كنه الكلمة وتفاصيل شكل النبتة وجنسها"، لا أصل معناها اللغوي؛ لأن السياق في قوله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 27-31]، يوضح لكل ذي عقل أن "الأب" هو نبات من نبات الأرض [تفسير ابن كثير، 8/325].
رابعًا: وقوع الجهل ببعض الأحكام عند أئمة الشيعة في كتبهم
من التناقض أن يطعن الشيعة في الصديق لعدم معرفة كلمة لغوية، بينما تروي كتبهم وقوع الجهل بأحكام شرعية أساسية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه والأئمة:
1. جهل علي بحكم المذي: روى الطوسي والبحراني في "الصحاح" عندهم عن أبي عبد الله قال: «إن عليًّا رضي الله عنه كان رجلًا مذاءً، واستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لمكان فاطمة، فأمر المقداد أن يسأله..،» [تهذيب الأحكام، 1/17؛ الحدائق الناضرة، 5/37]. فإذا كان علي وهو "باب مدينة العلم" جهل حكم المذي، فكيف تلومون الصديق على كلمة لغوية؟
2. اعترافهم بجواز الجهل على الأئمة: صرح محمد تقي المجلسي بجواز الجهل على الأئمة في صغرهم، حيث روى أن علي بن الحسين رأى ابنه يقلع الحشيش بمنى فنهاه، وعلق المجلسي بقوله: «وجوزنا الجهل عليهم في الصغر» [روضة المتقين، 4/166].
فإذا جاز الجهل على "المعصوم" عندكم، فلماذا تشنعون على الصديق؟
الخلاصة:
1. القصة بلفظ "جهل معنى الأب" لا تصح سندًا عن الصديق رضي الله عنه؛ فكل طرقها منقطعة أو فيها كذابون مثل يحيى الحماني.
2. الثابت عن الصديق هو "مبدأ التحرج" من القول في القرآن بالرأي، وهو منهج شرعي أصيل شاركه فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بلفظه ومعناه.
3. عدم معرفة آحاد الكلمات اللغوية لا يقدح في منزلة الصحابي العلمية؛ بدليل أن الله فضل سليمان بفهم مسألة غابت عن داود عليهما السلام، ولم يقدح ذلك في نبوة داود وعلمه.
4. كتب الشيعة مليئة بالروايات التي تنسب لعلي رضي الله عنه جهل بعض الأحكام كالمذي، وتجوز الجهل على الأئمة في صغرهم، مما يبطل احتجاجهم على الصديق.
اقرأ أيضا| احتجاجهم بقلة روايات الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
5. الصديق رضي الله عنه لم يدعِ الإحاطة بكل شيء، والكمال المطلق لله وحده؛ ولكن ثباته عند الفتن وتفسيره لعظائم الأمور (كالردة ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم) يثبت أنه كان أعلم الأمة بمراد الله ورسوله.
لتحميل الملف pdf