أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

قولها إني أحدثت بعد رسول الله حدثًا

روى الحاكم بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: «قالت عائشة وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله وأبي بكر- فقالت: «إني أحدثت بعد رسول الله ق حدثًا، ادفنوني مع أزواجه»، فدفنت بالبقيع»([1]).

فقالت الشيعة: إن عائشة اعترفت على نفسها بأنها أحدثت بعد رسول الله .

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: لا عصمة لأحد بعد النبي :

لم يدَّعِ أحدٌ من أهل السنة والجماعة عصمة أحد من أصحاب النبي أو من أمته! فيجوز عليهم الذنب والعصيان، وهذا الحدث الذي قصدته أم المؤمنين هو مسيرها يوم الجمل، وقد تابت من ذلك وندمت عليه فلا يبقى لذلك أثر.

قال الذهبي: «قُلْتُ: تَعْني بِالحَدَثِ مَسِيرَهَا يَوْمَ الجَمَلِ، فَإِنهَا ندِمَتْ ندَامَةً كُلِّيَّةً، وَتَابَتْ مِن ذَلِكَ، عَلَى أَنهَا مَا فَعَلَتْ ذَلِكَ إِلَّا مُتَأَوِّلَةً، قَاصِدَةً لِلْخَيْرِ، كَمَا اجْتَهَدَ طَلْحَةُ بن عُبَيْدِ اللهِ، وَالزُّبَيْرُ بن العَوَّامِ، وَجَمَاعَةٌ مِن الكِبَارِ ي»([2]).

ثانيًا: لا يلزم من قولها: «أحدثت» أن تكون قد أذنبت.

الحدث يطلق على كل شيء وقع بعد أن لم يكن، قال ابن فارس: «(حدث) الحاء والدال والثاء أصل واحد، وهو كون الشيء لم يكن، يقال: حدث أمر بعد أن لم يكن»([3]).

وكذلك فمجرد اتهام العبد لنفسه أنه عصى ربه، لا يلزم منه وقوع المعصية على وجه التحقيق، بل قد يكون من باب تذكير النفس بالذنب وحثها على الاستغفار، وكذلك فلا يلزم من الاستغفار ضرورة وقوع الذنب، فقد ثبت أن النبي  كان يقول: «وَاللهِ إِني لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِين مَرَّةً»([4]).

وجاء عند الشيعة أن موسى الكاظم اعترف أنه عصى الله بجميع جوارحه، فقال المجلسي: «فائدة سنية: كنت أرى الدعاء الذي كان يقوله أبو الحسن في سجدة الشكر، وهو: (رب عصيتك بلساني، ولو شئت وعزتك لأخرستني، وعصيتك ببصري، ولو شئت وعزتك لأكمهتني، وعصيتك بسمعي، ولو شئت وعزتك لأصممتني، وعصيتك بيدي، ولو شئت وعزتك لكنعتني، وعصيتك بفرجي، ولو شئت وعزتك لأعقمتني، وعصيتك برجلي، ولو شئت وعزتك لجذمتني، وعصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي، ولم يكن هذا جزاك مني»([5]).

فهل يقول الشيعة إذًا: إن موسى الكاظم عصى الله حتى بفرجه؟!

ثالثًا: ثبوت توبتها بالخبر وبغيره

هذا الخبر فيه صريح الدلالة على توبتها من حدثها الذي أحدثته، ومَن تاب إلى الله  واعترف بذنبه تاب الله عليه، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بْن مَعْقِلِ بن مقرن قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللهِ بن مسعود، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «الندَمُ تَوْبَةٌ»، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنتَ سَمِعْتَ النبِيَّ يَقُولُ: «الندَمُ تَوْبَةٌ»؟ قَالَ: نعَمْ»([6]).

فلا يمكن لأحد أن يعير التائب بذنب قد تاب منه، فالتائب محبوب لله تعالى، كما قال : [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] {البقرة:222}.

وقد جاءتْ نصوص أخرى فيها ندم أم المؤمنين  على مسيرها إلى البصرة:

- روى ابن أبي شيبة بسنده عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قالت عائشة: «وددت أني كنت غصنا رطبًا ولم أسِرْ مسيري هذا»([7]).

- وقال الذهبي: «رَوَى إِسْمَاعِيلُ بن عُلَيَّةَ، عَن أَبِي سُفْيَان بن العَلَاءِ الْمَازِنيِّ، عَن ابْن أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا مَرَّ ابْن عُمَرَ فَأَرُونيهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا قِيلَ لَهَا: هَذَا ابْن عُمَرَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، مَا مَنعَكَ أَن تَنهَاني عَن مَسِيرِي؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا قَدْ غَلَبَ عَلَيْكِ – يَعْني: ابْن الزُّبَيْرِ»([8]).

- وثبت أن رسول الله  دعا أن يغفر الله لها ما تقدم من ذنبها وما تأخر، فعَن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ أَنهَا قَالَتْ: «لَمَّا رَأَيْتُ مِن النبِيِّ  طِيبَ نفسٍ قُلْتُ: يا رسول اللهِ! ادعُ اللهَ لِي! فَقَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهَا وَمَا تأخَّرَّ، وَمَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنتْ» فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حِجرِها مِن الضَّحِكِ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ق: «أيسُرُّك دُعَائِي»؟ فَقَالَتْ: وَمَا لِي لَا يَسُرُّني دُعَاؤُكَ؟ فَقَالَ ق: «وَاللهِ إِنهَا لَدُعَائِي لأُمَّتِي فِي كُلِّ صَلَاةٍ»»([9]).

فهل هناك فضيلة أفضل من هذا الدعاء الذي دعاه النبي لعائشة؟!

رابعًا: لا نسلم أن خروجها كان معصيةً؛ لاجتهاد يدور بين الأجرين للمصيب والأجر للمخطئ.

قال ابن الملقن: «ولم يكن خروجها على نية القتال، وإنما قيل لها: اخرجي لتصلحي بين الناس، فإنك أمهم ولن يعنوك بقتال، فخرجت لذلك، وكانت نية بعض أصحابها إن ثبت لهم البغي أن يقاتلوا التي تبغي»([10]).

وعليه: فلا تثريب على أم المؤمنين عائشة في اجتهادها، ولا يقول مسلم: إن الخروج لجمع كلمة المسلمين على المطالبة بتطبيق آية في كتاب الله، وحكم من أحكام القرآن -القصاص من القاتل- أو لجمع شمل كلمة المسلمين وتوحيد صفهم ودرء الفتنة بينهم، أن هذا معصية لله ولرسوله، بل هو عين الطاعة، ولئن كان من تثريب، فهو على من ترك القصاص المأمور به في الشريعة، لكنه معذور في ذلك بعدم القدرة على فعل ذلك قبل جمع الكلمة، وعليه فكلا الطرفين معذور في اجتهاده.

وأما القتل الذي وقع فإنما كان بفعل السبئية قَتَلة عثمان؛ قال ابن حزم: «وأما أهل الجمَل فما قصدوا قط قتال علي -رضوان الله عليه-، ولا قَصَد علي -رضوان الله عليه- قتالهم، وإنما اجتمعوا بالبصرة؛ للنظر في قتلة عثمان -رضوان الله عليه-، وإقامة حق الله تعالى فيهم، فأسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم، وكانوا أعدادًا عظيمة يقربون من الألوف، فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم؛ إذ رأوا السيف قد خالطهم»([11]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها.

وهكذا عامة السابقين، ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعلِي، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم»([12]).

رابعًا: قال علي عين ما قالته عائشة 

ثبت عن علِي أنه قال اللفظة نفسها التي قالتها أم المؤمنين، ولم يقل أحد إن عليًّا عصى الله بخروجه، فعَن الْمُسَيَّبِ بْن عَبْدِ خَيْرٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَإِنا قَدْ أَحْدَثْنا بَعْدَهُمْ أَحْدَاثًا يَقْضِي اللهُ تعالى فيها مَا شَاءَ»([13]).

وفي السنة لعبد الله بن أحمد عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: «ضرب علقمة هذا المنبر فقال: خطبنا عليٌّ  على هذا المنبر، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم ذكر ما شاء الله أن يذكر، ثم قال: ألا إنه بلغني أن قومًا يفضلونني على أبي بكر وعمر، ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه، ولكن أكره العقوبة قبل التقدم، من قال شيئًا من ذلك فهو مفترٍ، عليه ما على المفتري، خير الناس كان بعد رسول الله ق أبو بكر ثم عمر، ثم أَحْدَثْنا بَعْدَهُمْ أَحْدَاثًا يقضي الله فيها ما أحب»([14]).

خامسًا: خروج علي وقتاله يوم الجمل كان باجتهاده وندم عليه أيضًا

أخرج أبو داود في سننه عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي : «أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله ق أم رأي رأيته؟ فقال: ما عهد إلي رسول الله بشيء، ولكنه رأي رأيته»([15]).

وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن قيس بن عباد قال: «قال علِي  لابنه الحسن يوم الجمل: «يا حسن، ليت أباك مات من عشرين سنة» قال: فقال له الحسن: يا أبت، قد كنت أنهاك عن هذا. قال: يا بني، لم أَرَ الأمر يبلغ هذا»([16]).

وعن طلحة بن مصرف قال: «أجلس عليٌّ ا طلحةَ يوم الجمل فمسح التراب عن رأسه، ثم التفت إلى الحسن بن علي فقال: «وددت أني مت قبل هذا بثلاثين سنة»([17]).

وقد جاء في كتب الشيعة أن عليًّا ندِمَ على خوضه معركة الجمل والنهروان، رغم تحذير ابنه الحسن له.

ذكر المجلسي في بحاره عن جعفر بن محمد أنه قال: «وحدثني به سفيان عن الحسن، قال أبو عبد الله (ع): زدنا، قال: حدثنا عباد عن جعفر بن محمد أنه قال: لما رأى علي بن أبي طالب يوم الجمل كثرة الدماء قال لابنه الحسن: يا بني، هلكت. فقال له الحسن: يا أبت، أليس قد نهيتك عن هذا الخروج؟ فقال علي : يا بني، لم أدر أن الأمر يبلغ هذا المبلغ»([18]).

فهل يقول هؤلاء الموتورون في علي بعُشر معشار مقالتهم في عائشة؟!

اقرأ أيضا| الدكتور رامي عيسى يتحدى عقلاء الشيعة بسؤال محوري.. وأغلبهم يرفض المواجهة (بث مباشر)

([1]) المستدرك على الصحيحين، الحاكم (4/7) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».

([2]) سير أعلام النبلاء، ط الحديث (3/462).

([3]) مقاييس اللغة، ابن فارس (2/36).

([4]) صحيح البخاري (8/67).

([5]) بحار الأنوار، المجلسي (25/203).

([6]) مسند أحمد، ط الرسالة (6/37)، وقال عنه المحقق: «صحيح، وهذا إسناد حسن».

([7]) مصنف ابن أبي شيبة (7/544).

([8]) سير أعلام النبلاء، ط الرسالة (2/193).

([9]) صحيح ابن حبان (16/47) وصححه الألباني في الصحيحة برقم (2254).

([10]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/369).

([11]) الإحكام في أصول الأحكام؛ ابن حزم (2/85).

([12]) منهاج السنة النبوية (4/316 - 317).

([13]) مسند أحمد، ط الرسالة (2/247) وقال المحقق: إسناده قوي.

([14]) السُّنة، عبد الله بن أحمد (2/588).

([15]) سنن أبي داود (4/217)، وصححه الألباني. ورواه عبد الله بن أحمد في السنة (2/561).

([16]) السُّنة، عبد الله بن أحمد (2/589).

([17]) المستدرك على الصحيحين (3/420).

([18]) بحار الأنوار، المجلسي (47/356).


لتحميل الملف pdf

تعليقات