مِن الأحاديث التي رواها أهل السنة، وتلقوها بالقبول، حديث سحر الرسول، الذي أخرجه الشيخان عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُحِرَ النبِيُّ حَتَّى كَان يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَان ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا، وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ أَن اللهَ أَفْتَاني فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ أَتَاني رَجُلانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِندَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِندَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَر: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ؟ قَالَ: وَمَن طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْن الأَعْصَمِ. قَالَ: فِيمَ ذَا؟ قَالَ: فِي مُشطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْن هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَان». فَخَرَجَ إِلَيْهَا النبِيُّ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: «نخْلُهَا كَأَنهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِين». فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ؟ فَقَالَ: «لا، أَمَّا أَنا فَقَدْ شَفَاني اللهُ، وَخَشِيتُ أَن يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى الناسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ»([1]).
فاتَّهم علماءُ الرافضة عائشةَ ل بوضع هذا الحديث، فقال ابن طاووس: «كيف استجازوا رواية مثل هذا الحديث؟ وكيف قبلوا شهادة عائشة على نبيهم بمثل ذلك؟ ثم كيف تقبل شهادة عائشة وهي امرأة، وقد تقدم بعض أحوالها المنكرة، في مثل هذا الأمر العظيم الذي يجرح به النبوة والإسلام، ويقدح به في عناية الله بنبيهم وحراسته له؟»([2]).
وقال صلاح الذين الحسيني: «إن القول بجواز سحر رسول الله -صلى الله عليه وآله- هو طعن في شخصه -صلى الله عليه وآله-، وطعن في مقام النبوَّة ومنزلة الرسالة، وطعن في عقائد الدين وأحكامه، والقول بجواز وقوع رسول الله -صلى الله عليه وآله- تحت تأثير السحر هو مما لا يجوز شرعًا وعقلًا، ولا يمكن أن يقبل ذلك العقل الصحيح والمنطق السليم»([3]).
إذًا فقد رأتِ الرافضة أن هذا الأمر فيه انتقاص من النبي، والطعن في نبوته ورسالته وعصمته.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الحديث في أعلى مراتب الصحة، ولم تنفرد به الصديقة
الحديث رواه البخاري، وقد جاء الحديث من روايةِ عدةٍ من الصحابة كابن عباس، وزيد بن أرقم، وبذلك لم تنفرد عائشة بروايته.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عَن زَيْدِ بْن أَرْقَمَ قَالَ: «سَحَرَ النبِيَّ رَجُلٌ مِن الْيَهُودِ، قَالَ: فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، قَالَ: فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِن رَجُلًا مِن الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَن يَجِيءُ بِهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ عَلِيًّا، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَجَاءَ بِهَا، فَحَلَّهَا. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ كَأَنمَا نشِطَ مِن عِقَالٍ. فَمَا ذَكَرَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ حَتَّى مَاتَ»([4]).
ثانيًا: السحر مرض عارض يصيب الخلق
سِحر النبيِّ هو من جنس الأمراض التي قد تصيب الأنبياء، ولا دخل لها بالعصمة، ولا تقدح في نبوتهم ورسالتهم.
قال ابن القيم: «قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: «سُحِر رسول الله حتى إن كان ليخيَّل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن، وذلك أشد ما يكون من السحر».
وقال القاضي عياض: «والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر، ولا يَقدح في نبوته، وأما كونه «كان يخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله»: فليس في هذا ما يُدخل عليه داخلة في شيء من صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز أن يطرأ عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيَّل إليه مِن أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان»([5]).
فالسحر الذي أصابه لم يكن ليمس عقله الشريف ولا يؤثر على تبليغ الرسالة، بل كان عارضًا كعوارض الأمراض المختلفة، التي تصيب الصالح والطالح والكبير والصغير، والنبي مشرع؛ لذا تحدث هذه الحوادث معه لبيان جواز حدوثها مع غيره مهما بلغ قدرًا عاليًا في العبادة، وهو أمرٌ جائزٌ عقلًا ونقلًا.
فظاهرٌ من الحديث أن السحر كان في الأمور الدنيوية، فهو يخيل إليه أنه أتى أهله ولكنه لم يفعل، ويخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، وأما الأمور الشرعية والوحي، فإنه محفوظ من الخطأ فيها، كما ثبت في النصوص الكثيرة، كقوله تعالى: [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ] {النجم:3، 4}.
وعَن عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو قَالَ: «كُنتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِن رَسُولِ اللهِ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنهَتْني قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللهِ ق بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟! فَأَمْسَكْتُ عَن الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ق، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: «اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنهُ إِلَّا حَقٌّ»([6])، وغير ذلك من النصوص المتكاثرة.
ثالثًا: إذا أنكرت الرافضة سحرَ النبي ق فعليها أن تكفر بالقرآن صراحة
ورد في القرآن الكريم أن موسى خُيِّل إليه من سحر سحرة فرعون أن العصي والحبال انقلبت إلى حيات تسعى، فهل يُعَدُّ هذا طعنًا في موسى؟ قال تعالى: [قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ] {طه:65، 66}.
رابعًا: فساد دعوى موافقة الكافرين في وصف النبي أنه مسحور
ادعاءُ أن القول بوقوع السحر على النبيِّ فيه موافقة لقول الكفار، كما قال الله تعالى: [ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا] {الإسراء:47}، وقال: [وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا] {الفرقان:8} ادعاءٌ فاسدٌ كاسدٌ باطلٌ؛ إذ الفرق بين ما ورد في الرواية، وبين ما ادعاه هؤلاء المشركون في حق النبيِّ ق ظاهر بَيِّن جدًّا.
يقول الشوكاني: «أي ما تتبعون إلَّا رجلًا مغلوبًا على عقله بالسحر، وقيل: ذا سحر، وهي الرِئَة، أي بشر له رئة لا ملك»([7]).
اقرأ أيضا| زعمهم أن عائشة سقتِ النبيَّ سُمًّا
ويقول الحافظ ابن كثير في الكلام على قول الله: [وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا] {الفرقان:8}: «قال الله تعالى: [انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا] {الفرقان:9} أي: جاءوا بما يقذفونك به، ويكذبون به عليك من قولهم: ساحر، مسحور، مجنون، كذَّاب، شاعر، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك»([8]).
فالمشركون أرادوا الطعن في صدق النبيِّ ورسالته باتهامه أنه كان تحت تأثير السحر لما جاء بهذا القرآن وأخبر بذلك الوحي، وهذا لا علاقة له بما ورد من تأثير السحر عليه في الحديث الوارد؛ إذ لا تعلق له بأمور الشرع والوحي، إنما كان تعلقه بأموره الحياتية.
قال الطباطبائي: «وما استشكل به بعضهم في مضمون الروايات أن النبي -صلى الله عليه وآله- كان مصونًا من تأثير السحر كيف؟ وقد قال الله تعالى: [ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (8) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ] {الفرقان:8، 9}، يدفعه أن مرادهم بالمسحور والمجنون بفساد العقل بالسحر، وأما تأثره عن السحر بمرض يصيبه في بدنه ونحوه فلا دليل على مصونيته منه»([9]).
خامسًا: الذي تستشكله الشيعة واردٌ في أمهات كتبهم وأقوال علمائهم
جاء في كتب الشيعة القصة نفسها التي رواها الإمام البخاري عن عائشة حول سحر الرسول.
قال الشهيد الثاني: «وفي الأخبار ما يدلُّ على وقوعه في زمن النبيّ -صلى اللّه عليه وآله-، حتى قيل: إنه -صلى اللّه عليه وآله- سحر حتى كان يخيّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله. وفيه نزلت المعوّذتان»([10]).
وهذه الأحاديث وردت في عدة مصادر، منها:
- كتاب «طب الأئمة»: «قال أمير المؤمنين -صلوات الله عليه-: إن جبرائيل أتى النبي ص وقال: يا محمد، قال: لبيك يا جبرائيل. قال: إن فلانا اليهودي سحرك، وجعل السحر في بئر بني فلان، فابعث إليه -يعني إلى البئر- أوثق الناس عندك وأعظمهم في عينك، وهو عديل نفسك حتى يأتيك بالسحر، قال: فبعث النبيُّ عليَّ بن أبي طالب ، وقال: انطلق إلى بئر ذروان؛ فإن فيها سحرًا سحرني به لبيد بن أعصم اليهودي، فأتني به»([11]).
- ومنها ما رواه فرات الكوفي بسنده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ا أنه قال: «سحر لبيدُ بن أعصم اليهودي وأمُّ عبد الله اليهودية رسولَ الله في عقد من قز أحمر وأخضر وأصفر، فعقدوه له في إحدى عشرة عقدة، ثم جعلوه في جف من طلع -قال: يعني قشور اللوز- ثم أدخلوه في بئر بواد في المدينة في مراقي البئر تحت راعوفة -يعني الحجر الخارج- فأقام النبي ص ثلاثًا لا يأكل، ولا يشرب، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يأتي النساء! فنزل عليه جبرائيل ونزل معه بالمعوذتين، فقال له: يا محمد، ما شأنك؟ قال: ما أدري، أنا بالحال الذي ترى! فقال: إن أم عبد الله ولبيد بن أعصم سحراك، وأخبره بالسحر حيث هو...»([12]).
فهذه الرواية فيها التصريح أن هذا السحر أَثَّرَ على رسول الله، لدرجة أنه امتنع عن الأكل والشرب وإتيان زوجاته، بل وفقد بصره، وفي رواية أخرى (جاء التفصيل فيها أكثر بما يطابق رواية عائشة) عن أبي عبد الله الصادق:
«أنه سئل عن المعوذتين: أهما من القرآن؟ فقال الصادق: نعم هما من القرآن. فقال الرجل: إنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه، فقال أبو عبد الله : أخطأ ابن مسعود، أو قال: كذب ابن مسعود، هما من القرآن. قال الرجل: فاقرأ بهما يا بن رسول الله في المكتوبة؟ قال: نعم. وهل تدري ما معنى المعوذتين؟ وفي أي شيء نزلتا؟ إن رسول الله -صلى الله عليه وآله- سحره لبيد بن أعصم اليهودي.
فقال أبو بصير لأبي عبد الله : وما كاد أو عسى أن يبلغ من سحره؟ قال أبو عبد الله الصادق: بلى كان النبي -صلى الله عليه وآله- يرى أنه يجامع وليس يجامع، وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده، والسحر حق، وما يسلط السحر إلا على العين والفرج، فأتاه جبرائيل فأخبره بذلك، فدعا عليًّا وبعثه ليستخرج ذلك من بئر ذروان... وذكر الحديث بطوله إلى آخره»([13]).
فالنبيُّ - حسب رواية جعفر الصادق- كان يريد أن يجامع أهله ولا يفعل، وهذا عين ما روته أم المؤمنين مما استنكروه.
وهذا الحديث نقله العديد من علمائهم: كالفيض الكاشاني في (تفسيره)([14])، والعروسي في (نور الثقلين)([15])، والقمي في تفسير (كنز الدقائق)([16])، وهاشم البحراني في (البرهان)([17])، والنوري في (مستدرك الوسائل)([18])، والمجلسي في (البحار)([19]).
فخبر سحر النبي ثابت في كتب الشيعة والسنة عن عائشة وعن غيرها من الصحابة وآل البيت -رضوان الله عليهم-، فكيف يقال: إن عائشة اختلقت حديث سحر رسول الله؟!
([1]) رواه البخاري (4/122)، ومسلم (4/1719).
([2]) الطرائف، ابن طاووس (ص225).
([3]) نهج المستنير وعصمة المستجير، صلاح الدين الحسني (ص111).
([4]) مسند الإمام أحمد (4/367)، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وأخرجه النسائي (7/112)، فقال: أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية، وأخرجه ابن أبي شيبة (8/1،29،30)، والطبراني (5/202).
([5]) زاد المعاد، ابن القيم (4/124).
([6]) أخرجه أبو داود، كتاب العلم، باب في كتاب العلم (3/318)، والإمام أحمد في المسند (10/493)، والدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (1/419)، وهو صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني (2/695) رقم (3099).
([7]) فتح القدير (4/74).
([8]) تفسير ابن كثير (3/310).
([9]) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي (20/393- 394).
([10]) مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني (15/76).
([11]) طبّ الأئمة (ع)، ابن بسطام (ص113).
([12]) تفسير فرات الكوفي (ص619).
([13]) طبّ الأئمة (ع)، ابن بسطام (ص114).
([14]) التفسير الصافي، الفيض الكاشاني (7/586).
([15]) تفسير نور الثقلين، عبد علي العروسي (5/719).
([16]) كنز الدقائق وبحر الغرائب، محمد رضا قمي مشهدي (14/544).
([17]) البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني (5/814).
([18]) مستدرك الوسائل، المحدّث النوري (13/109).
([19]) بحار الأنوار، المجلسي (89/366).
لتحميل الملف pdf