محتوى الشبهة:
زعم بعض الشيعة نفي صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار؛ بناءً على خلط متعمد بين روايتين في «صحيح البخاري» تذكران صلاة سالم مولى أبي حذيفة بالمهاجرين في قباء.
فربطوا بين رواية تذكر صلاة سالم "قبل مقدم النبي"، وبين رواية أخرى تذكر أنَّ أبا بكر كان فيمن صلى خلفه، ليستنتجوا أنَّ أبا بكر هاجر قبل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن معه في الغار.
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بيان الفرق الجوهري بين الروايتين في صحيح البخاري
إنَّ الناظر في نصوص الإمام البخاري يجد أنَّ الشبهة قامت على دمج واقعتين مختلفتين؛ فالرواية الأولى تتحدث عن حال المهاجرين قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الثانية تتحدث عن الصلاة بعد تأسيس المسجد، وإليك النصوص بتمامها:
الرواية الأولى (قبل وصول النبي):
«حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ -مَوْضِعًا بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» [صحيح البخاري، (1/140)].
الرواية الثانية (في مسجد قباء):
«حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٍ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ» [صحيح البخاري، (9/71)].
ثانيًا: حسم الإشكال بكلام الحافظ ابن رجب والتعقيب عليه
لقد بين أئمة الشأن بطلان هذا الربط التعسفي، ومن أجمع ما قيل في ذلك ما سطره الحافظ ابن رجب الحنبلي بتمامه:
«والمراد بهذا: أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهم بعد مَقْدَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قَالَ: «فِي مسجِدِ قباء»، ومسجد قباء إنما أسَّسَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بعد قُدومه المدينة، فلذلك ذكر منهم أَبَا بَكْر، وأبو بَكْر إنما هاجَرَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وليس فِي هذه الرواية: «قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم»، كما فِي الرواية الَّتِي خرجها البخاري ها هنا فِي هَذَا الباب، فليس فِي هَذَا الحَدِيْثِ إشكال كما توهمه بعضهم» [فتح الباري لابن رجب، (6/176 - 177)].
ونخلص من هذا إلى النقاط التالية:
دقة التفريق الزماني والمكاني: الموضع الأول كان (العصبة) قبل الهجرة، بينما الموضع الثاني هو (المسجد) الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أنَّ أبا بكر صَلَّى في المسجد، فقد لزم يقينًا أنه وصل مع مؤسس المسجد.
استمرار إمامة سالم: إمامة سالم لم تنقطع بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، بل استمر يؤم المهاجرين في المسجد لفضله وقراءته، فصلى خلفه أبو بكر وعمر إقرارًا بهذا الفضل، وليس لسبقهما بالهجرة.
إبطال "التركيب التعسفي": الشيعة أخذوا (الزمان) من الرواية الأولى و(الأشخاص) من الرواية الثانية، وهو مسلك باطل يخلط بين واقعتين يفصل بينهما مَقْدَم النبي صلى الله عليه وسلم.
الانتصار للتواتر القطعي: الأصل المتواتر هو أنَّ أبا بكر هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا أصل لا يزحزحه احتمال واهٍ استخرجه الطاعنون من رواية أساؤوا فهمها.
ثالثًا: المنقبة في حال "التنزل" مع القول بالهجرة السابقة
إذا تنزلنا مع هذا القول الباطل، فإنه ينقلب حجة للصديق لا عليه؛ فلو كان أبو بكر رضي الله عنه ممن هاجر قبل النبي صلى الله عليه وسلم، لكان من المهاجرين الأولين الذين مدحهم الله في كتابه فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8].
فلو كان منافقًا كما زعموا، لما ترك دياره وأمواله وهاجر في وقت كان الناس يعادون النبي صلى الله عليه وسلم ويترصدون للمسلمين، فالهجرة في ذلك التوقيت العصيب برهان قاطع على صدق الإيمان وبطلان دعوى النفاق، فضلًا عن أنَّ القرآن أثبت صحبته في الغار بيقين لا يزول.
رابعًا: حقيقة بناء مسجد قباء في حديث عائشة رضي الله عنها والتعقيب عليه
ثبت في الصحيح بلفظ مطول أنَّ تأسيس المسجد كان بعد وصول الركب النبوي، وإليك نص عائشة رضي الله عنها بتمامه:
«... وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ -مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم- يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم...» [صحيح البخاري، (5/60)].
وهذا النقل بتمامه يبطل الشبهة من عدة وجوه:
المعية المطلقة: يذكر الحديث أنَّ الرائي بَصُرَ برسول الله "وأصحابه" (والمقصود الصديق ومن معهما)، مما يثبت وصولهما المدينة في ركب واحد.
ظهور الصديق للناس: يصف الحديث مشهدًا مهيبًا يحيي فيه الناس أبا بكر رضي الله عنه ظنًا منهم أنه النبي، حتى قام الصديق بتظليل النبي ببرده، وهذا يقطع بأنه كان برفقته لحظة الوصول، ولم يكن قد سبقه للمدينة كما يزعمون.
تزامن التأسيس: يؤكد النقل أنَّ تأسيس المسجد وقع "بعد" هذا اللقاء وبضعة ليالٍ من المكث في بني عمرو بن عوف، مما يجعل صلاة الصديق خلف سالم في المسجد دليلًا على وجوده بعد الهجرة، وليس قبلها.
الخلاصة:
تعدد الوقائع: صلاة سالم وقعت في موضعين؛ (العصبة) قبل الهجرة، و(المسجد) بعد الهجرة.
بناء المسجد: وجود أبي بكر في رواية "المسجد" يقطع بوجوده بعد وصول النبي لا قبله.
بطلان التركيب: الشبهة قائمة على دمج روايتين مختلفتين لاستخراج نتيجة تنقض المتواتر.
إلزام التنزل: لو هاجر قبل النبي (فرضًا) لكان من الصادقين بنص القرآن الذين تركوا ديارهم نصرة للدين.
اقرأ أيضا| شبهة إنكار صحبة أبي بكر الصديق في الغار
تواتر السيرة: حديث عائشة يصف لحظة الوصول المشترك بدقة تامة ويؤكد معية الصديق للنبي.
لتحميل الملف pdf