من أقبحِ طعوناتِ الشيعةِ الإماميةِ في الفاروقِ رضي الله عنه اتهامُهُ في نسبِهِ، وزعمُهم أنَّهُ جاءَ من طريقِ سفاحٍ وزِنًا. واعتمدوا في هذهِ الفريةِ على كلامٍ لهشامِ بنِ السائبِ الكلبيِّ في كتابِهِ (المثالبِ).
حيثُ قالَ ابنُ طاووس: «ومن طريف ما بلغوا إليه من القدح في أصل خليفتهم أن جدته صهاك الحبشية ولدته من سفاح، يعني من زنا، ثم يروون أن ولد الزنا لا ينجب، ثم مع هذا التناقض يدعون أنه أنجب ويكذبون أنفسهم، ولو عقلوا لاستقبحوا أن يولوا خليفة، ثم يدعون أنه ولد زنا» [الطرائف في معرفة مذهب الطوائف، (2/469)].
واستدلوا بقولِ الكلبيِّ: «كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، ثم وقع عليها عبد العزى بن رياح فجاءت بـ(نفيل جد عمر بن الخطاب)» [مثالب العرب، ص 90].
الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:
أولًا: نسبُ الفاروقِ ومكانتُهُ في قريشٍ:
إنَّ نسبَ عمرَ رضي الله عنه ثابتٌ ومُشرِّفٌ، فهو: «عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي، أبو حفص».
وأمُّهُ هي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، وقيل بنت هشام، والأول أصح.
وكانَ رضي الله عنه من ساداتِ قريشٍ، وإليهِ كانت تنتهي "السفارةُ" في الجاهليةِ؛ فكانت قريشٌ إذا وقعت حربٌ بعثوهُ سفيرًا، وإن نافرهم منافرٌ رضوا بهِ مفاخرًا باسمِهم. فهل يُعقلُ أن تختارَ قريشٌ -وهي أشدُّ العربِ اعتزازًا بالأنسابِ- رجلًا مجهولَ النسبِ ليكونَ وجهَها وسفيرَها؟!
ثانيًا: تهافتُ قصةِ (صهاك) واضطرابُها:
ليسَ في كلامِ الكلبيِّ المتقدمِ أيُّ إشارةٍ إلى أنَّ عمرَ رضي الله عنه ولدُ زنا، بل غايةُ ما فيهِ الكلامُ عن جدِّهِ نُفيل.
أما ما يرويهِ المتأخرون كالشاهروديِّ نقلًا عن (كتابِ سليم بن قيس) من قصصٍ خياليةٍ، فهو باطلٌ سندًا ومتنًا.
فقد طعنَ عالمهم الخوئي في هذا الكتابِ بقوله: «والصحيح أنه لا طريق لنا إلى كتاب سليم بن قيس المروي بطريق حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عنه، وذلك لأن في الطريق محمد بن علي الصيرفي أبا سمينة، وهو ضعيف كذاب» [معجم رجال الحديث، (9/235)].
كما أنَّ القصةَ مضطربةٌ جدًّا؛ فمرةً صهاك أمةٌ لهاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، ومرةً لعبدِ المطلبِ، ومرةً هي أمُّ عمرَ، وتارةً جدَّتُهُ؛ وهذا التناقضُ الفاضحُ كافٍ لإسقاطِها.
ثالثًا: كذبُ الرواةِ وشهادةُ الشيعةِ عليهم:
اعتمدَ الخصومُ على هشام الكلبي، وهو عندَ المحدثينَ متروكٌ كذابٌ.
والعجيبُ أنَّ علماءَ الشيعةِ أنفسَهم يقرونَ بأنهُ منهم ويفتخرون به؛ فقد قال أغا بزرك الطهراني: «هشام بن محمد بن السائب الكلبي النسابة، كذا عبر النجاشي عنه، وقال: إنه كان يختص بمذهبنا» [الذريعة إلى تصانيف الشيعة، (1/273)].
أما أبوهُ محمدُ بنُ السائبِ فهو أشدُّ كذبًا، وقالَ فيهِ ابنُ حبانَ: «مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه» [ميزان الاعتدال، (3/559)].
رابعًا: صحةُ أنكحةِ الجاهليةِ وإلزامُ الخصمِ:
إنَّ الطعنَ في أنسابِ العربِ بما سلفَ في الجاهليةِ يرتدُّ على الطاعنِ؛ لأنَّ الإسلامَ أقرَّ ما سلفَ من أنكحةٍ باتفاقِ السنةِ والشيعةِ، ولو فُتحَ هذا البابُ لَطعنَ الخصومُ في نسبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاشاهُ من كل نقص.
وهذا ما صرَّحَ به عالمُهم ناصر مكارم الشيرازي بقوله: «وفيه إشارة إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) -في الظاهر- ولد في الجاهلية من غير المسلمين، وإن كان في اعتقادنا -في الواقع- مولود من الموحدين المطهرين والمطهرات، فلو نسب الزنا إلى أولاد جاهلية العرب، دخل ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضًا» [أنوار الفقاهة - كتاب النكاح، (2/425)].
خامسًا: لماذا سكتَ مشركو قريشٍ؟
لو كانَ عُمرُ رضي الله عنه مطعونًا في نسبِهِ لكانَ مشركو قريشٍ أولَ مَن استخدمَ هذا السلاحَ ضِدَّهُ للتشويشِ عليهِ، لا سيما وهم يبحثونَ عن أيِّ ثغرةٍ للنيلِ من المسلمينَ.
فكيفَ لم تُذكر هذه النصوصُ والحكاياتُ عند أشدِّ معارضيهِ إلا في كتبٍ متأخرةٍ فاقدةٍ للأسانيدِ؟! ولماذا غابت عن (الكتب الأربعة) أو كتب الصدوق والمفيد المتقدمة؟!
سادسًا: الكلبيُّ يطعنُ في (عمار بن ياسر) أيضًا:
إنَّ (كتاب المثالب) الذي يستدلونَ بهِ هو نفسُهُ الذي يزعمُ أنَّ الصاحبَ الجليل عَمَّارَ بنَ ياسرٍ رضي الله عنه ابنُ زنا.
قالَ الكلبيُّ: «باب أولاد الزنا الذين شرفوا من العرب.. وعمار بن ياسر مولى لأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه سمية أمة لهم» [مثالب العرب، ص 90-91].
فهل يقبلُ الرافضةُ طعنَ الكلبيِّ في عمارٍ كما قبلوهُ في عُمرَ؟!
سابعًا: برهانُ المصاهرةِ وإفحامُ البحرانيِّ:
يكفي الفاروقَ شرفًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّجَ ابنتَهُ حفصة، وأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه زوَّجَهُ ابنتَهُ أم كلثوم، فهل يُصاهرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليٌّ رضي الله عنه رجلًا هذا نَسبُهُ؟!
لقد أحارَ هذا الإشكالُ يوسفَ البحرانيَّ الذي ذكرَ في كتابِهِ (الأنوار الحيرية) ما معناهُ: إنه إما أن يبطلوا كل تلك الشبهات، وإما أن يقولوا بثبوت ذلك عن عمر مع مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) للأحكام الشرعية، وهو أطمُّ [الأنوار الحيرية، (1/128)].
الخلاصة:
1. نسبُ عُمرَ رضي الله عنه صريحٌ بشهادةِ واقعِ قريشٍ التي جعلتْهُ سفيرًا ومفاخرًا لها في الجاهلية.
2. الرواياتُ الطاعنةُ مضطربةٌ ومكذوبةٌ، ورواةُ الشبهةِ كذابونَ باعترافِ الفريقينِ.
3. بطلانُ الشبهةِ شرعًا بصحةِ أنكحةِ الجاهليةِ، وعقلًا بسكوتِ أعدائهِ المعاصرينَ لهُ عن هذا الطعنِ.
اقرأ أيضا| الفاروق رضي الله عنه في سطور
4. مصاهرةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعليٍّ رضي الله عنه لعمرَ هي الردُّ القاصمُ الذي هدمَ معتقد الخصومِ.
لتحميل الملف pdf