محتوى الشبهة:
زعم علماء الشيعة أنَّ حزن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار كان معصية ونقصًا، واستدلوا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم له عن الحزن ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، مدعين أنَّ النهي لا يكون إلا عن قبيح.
قال المفيد: «الكنايات في هذه الآية كلُّها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لأبي بكر فيها فضل ومدح، بل ذمٌّ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم له عن الحزن والجزع..» [نهج البيان، (3/35)].
وقال الحلي: «فإن الآية تدل على نقصه؛ لقوله: (لا تحزن)، فإنه يدل على خوره وقلة صبره وعدم يقينه بالله تعالى.. لأن الحزن إن كان طاعة استحال أن ينهى النبي عنه، وإن كان معصية، كان ما ادعوه فضيلة رذيلة» [منهاج الكرامة، (1/185)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حزن الصديق حزن محب مشفق وهو شأن الأنبياء
عجبًا لمن يقلب الفضيلة رذيلة! فحزن الصديق كان قلق المحب على محبوبه، وخوفًا على دعوة الإسلام أن تنقطع بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم مقامات الإيمان.
ولو كان مطلق الحزن مذمومًا للزم منه ذم الأنبياء الذين حزنوا ونهاهم الله عن الحزن شفقة عليهم:
قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127].
وقال عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
وقال عن لوط عليه السلام حين جاءته الرسل: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: 33].
فهل يقول عاقل إنَّ حزن هؤلاء الأنبياء كان "نقصًا في اليقين"؟ بل هو مقتضى البشرية والرحمة. ولذلك قال الشريف المرتضى (من علماء الشيعة) بتمامه:
«وقد يَرِدُ على الإنسان من الحزن ما لا يملك ردَّه ولا يقوى على دفعه؛ ولهذا لا يكون أحدنَا منهيًّا عن مجرد الحزن والبكاء، وإنما نهي عن اللطم والنوح، وأن يطلق لسانه فيما يسخط ربه، وقد بكى نبينا صلى الله عليه على ابنه إبراهيم عند وفاته.. وقال: العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب» [تنزيه الأنبياء، (1/45)].
ثانيًا: النهي في الآية نهي شفقة وإرشاد لا نهي تحريم
النهي عن الحزن في الآية لم يكن لكونه معصية، بل هو نهي شفقة وتثبيت، كقولك للمريض "لا تتألم"، فأنت لا تنهاه عن معصية، بل تسليه وتخفف عنه. وحزن أبي بكر كان طاعة لأنه حزن على سلامة الدين ونبي الدين، فجاءت المكافأة من الله بإرسال السكينة وإخباره بالمعية ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
قال ابن مفلح بتمامه في بيان مشروعية الحزن والرحمة:
«وَرُوِيَ عَن الْحَسَنِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ فَجَزِعَ الْحَسَنُ جَزَعًا شَدِيدًا، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا سَمِعْت اللهَ عَابَ عَلَى يَعْقُوبَ عليه السلام الْحُزْنَ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي «التُّحْفَةِ الْعِرَاقِيَّةِ» أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ الرَّحْمَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ.. وَبِهَذَا يُعْرَفُ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَكَى عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ»» [الآداب الشرعية، (1/4)].
ثالثًا: التناقض الشيعي في إثبات الحزن والخوف لآل البيت
يستنكر الشيعة حزن الصديق، بينما تمتلئ كتبهم بإثبات الحزن والخوف لفاطمة والأئمة، فهل يجرؤون على وصفهم بنقص اليقين؟
حزن فاطمة عليها السلام: روى الصدوق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على فاطمة وهي حزينة بسبب إشاعة خطبة علي لابنة أبي جهل، وجاء فيه بتمامه: «.. فاشتد غمُّ فاطمة من ذلك، وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل.. وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يُذهب ما بفاطمة من الحزن والغم» [علل الشرائع، (ص185)].
خوف الغائب: روى الطوسي في علة غيبة إمامهم الثاني عشر بتمامه: «لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار» [الغيبة، (ص329)].
خوف الأوصياء: روى الكليني عن أبي جعفر في قوله تعالى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: «هم الأوصياء من مخافة عدوهم» [الكافي، (1/427)].
فإذا كان خوف الإمام على نفسه يسوغ له الغيبة قرونًا، ألا يسوغ للصديق أن يحزن على نبي الأمة وهو محاصر في الغار؟!
رابعًا: معية النصرة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هو أعظم دليل على فضل الصديق؛ فهذه "معية خاصة" تقتضي النصرة والتأييد، ولا تكون إلا للمؤمنين الصادقين، ولو كان الصديق منافقًا كما زعموا، لما شمله النبي بلفظ المعية (معنا).
خامسًا: بطلان الشبهة عقلًا ومنطقًا
لو كان منافقًا: المنافق يسعد بهلاك النبي، فما الذي يدعو أبا بكر للحزن والمخاطرة بنفسه في الغار وهو يرى المشركين على رؤوسهم؟ كان بإمكانه ببساطة أن يشي بمكانهما وينال الجائزة فقد
اختيار الصحبة: النبي صلى الله عليه وسلم لم يختر في هذه الرحلة الخطيرة إلا رجلًا واحدًا، فهل يعقل أن يختار "رعديدًا" أو "ناقص يقين"؟ بل لم يختر إلا أوثق الناس وأشجعهم قلبًا.
المقارنة مع مبيت علي: يفتخر الشيعة بمبيت علي رضي الله عنه مكان النبي، ونحن نقر بفضله، لكن عليًّا كان يعلم بتبشير النبي له أنه لن يقتل، أما الصديق فكان يواجه موتًا محققًا وظنونًا لا تقطع بالسلامة، مما يجعل ثباته مع حزنه المشفق فضيلة تفوق الوصف.
الخلاصة:
الحزن بشري: حزن الأنبياء والصالحين ثابت في القرآن وهو حزن رحمة وشفق لا حزن اعتراض.
نهي إرشاد: النهي في الآية هو لتأمين الروع وتسكين القلب، لا للزجر عن معصية.
شهادة المعية: قول النبي (إنَّ الله معنا) صك براءة وتزكية إلهية للصديق بالمعية الخاصة.
تناقض الخصم: مَن يعيب حزن الصديق يلزمه عيب حزن فاطمة وخوف الأئمة في كتبه.
اقرأ أيضا| شبهة نفي صحبة الصديق رضي الله عنه في الغار بصلاته خلف سالم
برهان الحب: حزن الصديق كان "على النبي" لا "من النبي"، وهو أعلى مراتب الوفاء.
لتحميل الملف pdf