أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

ارتفاع أصوات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بحضرة رسول الله ﷺ

من الشبهات التي يَكْثُر طرحُ الرافضة لها في حق الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أنهما اختلفَا وتنازعا في حضرة النبي ﷺ، وارتفعت أصواتهما عنده، مستدلين بما جاء في «صحيح البخاري» عن عبد الله بن الزبير قال: «قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أَمِّر القعقاعَ بن معبد، وقال عمر: أمِّرِ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾» [صحيح البخاري، (7/686)].

نص كلام الأميني بتمامه معلقًا على الحديث:

«ألا تعجب من الرجلين أنهما طيلة مصاحبتهما هذا النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدهما التأثر بأخلاقه الكريمة إلى الحصول على أدب محاضرة العظماء والمثول بين أيديهم لاسيما هذا العظيم، العظيم خلقه بنص الذكر الحكيم، وما عرفا أن الكلام بين يديه لا بد وأن يكون تخافتًا وهمسًا؛ إكبارًا لمقامه، وإعظامًا لمرتبته، وألا يتقدم أحد إليه بالكلام إلا أن يكون جوابًا عن سؤال، أو ما ينم عن امتثال أمر، أو إخبارًا عن مهمة، أو سؤالًا عن حكم، لكنهما تقدما بالكلام الخارج عن ذلك كله، وتماريا واحتدم الحوار بينهما، وارتفعت أصواتهما في ذلك، وكاد الخيران أن يهلكا حتى جعلا أعمالهما في مظنة الإحباط؛ فنزلت الآية الكريمة» [الغدير، (7/223)].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: بطلان إيقاع الملامة قبل ورود النص والتشريع

إنَّ رفع الصوت الذي حصل من الشيخين وقع في مقام المشورة، ولم يكن قد نزل الوحي بالنهي عنه بعد؛ والقاعدة المستقرة أنه لا ملامة قبل ورود النص، والقرآن يربي الصحابة، فإذا نزل النهي استقر الحكم، ولا يلام فاعله قبله.

وإلا فلو جرى حكم (إحباط العمل) على كل من فعل ذلك قبل نزول الآية لجرى على علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فقد ذكر القرطبي في تفسيره بتمامها:

«وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتُكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فِينَا لَمَّا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا أَنَا وَجَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، نَتَنَازَعُ ابْنَةَ حَمْزَةَ لَمَّا جَاءَ بِهَا زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَعْفَرٍ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ» [تفسير القرطبي، (16/304)]. فيكون علي رضي الله عنه أول من يدخل في الحكم على قول الشيعة، وهذا باطل يثبت أنَّ الآية للتربية لا للذم.

ثانيًا: سرعة الامتثال وبسط كلام علي القاري بتمامه

أثبتت الرواية امتثال الشيخين التام بعد النهي؛ فقد قال ابن أبي مليكة بتمامها: «فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عن أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كأَخِي السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ».

وقد بسط علي القاري هذا المعنى بتمامه قائلًا:

«كأخي السِّرار -بكسر السين المهملة-، أي: إلَّا مشابهًا لصاحب النجوى والمساررة، والمعنى: لا أكلمك إلا سرًّا، وأنَّ عمر رضي الله عنه كما في «البخاري»: (كان إذا حدَّثه) أي: كلمه عليه الصلاة والسلام (حدَّثه كأخي السّرار)، أي: في خفض صوته، كما بيَّنه بقوله: (مَا كَانَ يُسْمِعُ رَسُول اللهِ ﷺ) بضم الياء وكسر الميم، (بعد هذه الآية) وفي نسخة (بعد هذه الآية)، أي: بعد نزولها، (حَتَّى يستفهمه) أي: النبي ﷺ من عمر عما سارره به لكمال إخفائه» [شرح الشفا، (2/67)].

ثالثًا: اعتذار القوم لـ (زرارة) بما لا يعتذرون به للصحابة (إلزام)

روى الكليني بتمامه قصة مجادلة زرارة بن أعين للإمام الباقر ورفعه الصوت بحضرته: «قال: فارتفع صوت أبي جعفر ﷺ وصوتي، حتى كان يسمَعُه مَن على باب الدار» [الكافي، (2/383)].

نص كلام المجلسي بتمامه في اعتذاره لزرارة:

«الحديث الثالث: حسن كالصحيح.. (فارتفع صوت أبي جعفر عليه السلام وصوتي) هذا مما يقدح به في زرارة ويدل على سوء أدبه، ولما كانت جلالته وعظمته ورفعة شأنه وعلو مكانه مما أجمعت عليه الطائفة، وقد دلت عليه الأخبار المستفيضة، فلا يعبأ بما يوهم خلاف ذلك. ويمكن أن يكون هذه الأمور: هو في بدو أمره قبل كمال معرفته، أو كان هذا من طبعه وسجيته، ولم يمكنه ضبط نفسه، ولم يكن ذلك لشكه وقلة اعتنائه، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة في هذا المطلب مع المخالفين، أو كان لشدة تصلبه في الدين وحبه لأئمة المؤمنين؛ حيث كان لا يجوز دخول مخالفيهم في الجنة» [مرآة العقول، (11/106)].

نص كلام المازندراني بتمامه في شرحه للحديث:

«قال زرارة: «فارتفع صوت أبي جعفر عليه السلام وصوتي حتى يكاد يسمعه مَن على باب الدار»، دل على سوء أدب زرارة وانحرافه، والحق أنه من أفاضل أصحابنا، وأنه منزه عن مثل ذلك، وكأن قوله هذا كان قبل استقرارِه على المذهب الصحيح، أو كان قصده معرفة كيفية المناظرة في هذا المطلب وتحصيل المهارة فيه؛ ليناظر مع الخوارج وأضرابهم، ورأى أن المبالغة فيها لا تسوؤه عليه السلام بل تعجبه، والله يعلم» [شرح أصول الكافي، (10/54)].

«قوله: «على سوء أدب زرارة وانحرافه»، أما سوء الأدب فهو كذلك، وأما الانحراف فلا يدل كلامه عليه؛ إذ رُبَّ محب يطيش فيخرج عن الأدب لا عن الحب، وليس كلُّ أحد معصومًا عن الزلل، أمَا رأيت ولدًا بارًا بوالديه قد يتفق عند الغضب أن يخشن الكلام ويهجر الوالد، ثم يندم من قريب ويعتذر. وروي عن ابن عباس أشد من ذلك بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وكان تابعًا وليًا له من أول عمره إلى آخره، بعد ذاك العتاب وقبله، بل يدل هذا الحديث على أن زرارة مفرطٌ في الولاية، مبالغٌ فيه، زائدٌ متجاوزٌ عن الحد الذي كان يرضى به الإمام عليه السلام، وكان يرى أن كل متخلف عن أهل البيت كافر، وردعه عنه الإمام عليه السلام بأن المستضعفين من الضلال في الجنة» [شرح أصول الكافي، (10/54)].

وهنا يتبين لكل ذي عينين حجم التناقض الذي يقع فيه الرافضة؛ فبينما يشنعون على الشيخين فعلًا وقع قبل نزول النهي، نراهم يلتمسون الأعذار تلو الأعذار لزرارة بن أعين في فعلٍ وقع بعد استقرار الشريعة، وبحضرة من يزعمون عصمته (الإمام الباقر).

فالاعتراض على الشيخين يبين منهجيتهم التي تقوم على التمسك بالهفوة الواحدة -وإن عفا الله عنها وتاب صاحبها- لتعميمها على كل أحوال الصحابة، بينما يتم إغماض العين عن "سوء الأدب" الصريح الصادر من أصحابهم. والاعتذار لزرارة بأنه "طيش محب" أو "طبع وسجية" أو "تصلب في الدين"، هو عين ما يمكن قوله في حق الصديق والفاروق رضي الله عنهما، بل هما أولى بذلك لمقامهما الذي لا يدانى، غير أنَّ الهوى والخصومة منعا القوم من الإنصاف، فجعلوا الفضيلة عند الصديق رذيلة، والرذيلة عند زرارة ميزة! وبطلت الشبهة شرعًا وواقعًا.

رابعًا: منهجية القوم في التعامل مع أصحاب رسول الله ﷺ

إنَّ هذا الاعتراض على النص يبيّن منهجية الشيعة مع الصحابة، فإنهم يتمسكون بالخطأ الواحد ولو تاب صاحبه منه، ولو عفا الله عنه، ثم يعممونه على كل أحوال الصحابة ويقولون: لم يتعلموا من الرسول ﷺ الأخلاق! فانظر أيها العاقل هذه النفسية التي نشأت عنها شبهاتهم، هل يمكن أن يَنتج عنها اعتقاد وتصور صحيح في مسألة الصحابة؟

إنَّ ازدواجية المعايير تظهر جليّة حين يقبلون من "زرارة" ما يرفضونه من "الشيخين"؛ فقلة أدب زرارة صارت عند محققيهم "دليلًا على فرط الولاية"، بينما رفع صوت الشيخين قبل النهي صار عند "الأميني" هلاكًا وإحباطًا! وهذا يكشف أنَّ الغرض هو الطعن والتشنيع لا التحقيق والتدقيق.

الخلاصة:

انتفاء الجريمة: رفع الصوت من الشيخين وقع قبل نزول النهي القرآني، والقاعدة الشرعية والعقلية تقضي بأنه لا ملامة على فعلٍ قبل ورود النص بتشريمه.

عموم الواقعة: ثبت بنص "تفسير القرطبي" أنَّ عليًا وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما قد رفعت أصواتهما في خصومةٍ بحضرة النبي ﷺ، فما كان جوابًا عن علي فهو جواب عن الشيخين.

كمال الامتثال: شرح الإمام "علي القاري" يثبت كمال أدب عمر رضي الله عنه بعد نزول الآية، حيث صار يكلم النبي ﷺ مساررةً كصاحب النجوى، وهذا غاية التقوى والتعظيم.

إلزام الخصم: اعتراف علماء الشيعة بسوء أدب زرارة بن أعين ورفعه الصوت عند الإمام، ثم اعتذارهم له بـ "الطبع البشري" و"فرط المحبة"، يلزمهم بقبول ذات العذر في حق الصحابة الكرام من باب أولى.

اقرأ أيضا| طعنهم في الصديق رضي الله عنه لحزنه في الغار

تزكية الوحي: مناداة الله للصحابة بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في سياق النهي هو أكبر شهادة على بقاء إيمانهم وعدم إحباط أعمالهم، فالقرآن سماهم مؤمنين، والشيعة يزعمون هلاكهم!


لتحميل الملف pdf

تعليقات