يستدل الشيعة برواية أخرجها الطبراني في "المعجم الكبير"، يزعمون فيها أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على النبي ﷺ في حادثة الإفك فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَنْتَظِرُ بِهَذِهِ الَّتِي خَانَتْكَ وَفَضَحَتْنِي؟».
وزعموا أنَّ هذا النص صريح في أنَّ أبا بكر كان معتقدًا بخيانة ابنته وارتكابها الفاحشة، مما يجعله -بزعمهم- مشاركًا في الإفك ومؤيدًا له لإقامة الحد عليها. [المعجم الكبير للطبراني (23/117)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية من جهة الإسناد
إنَّ القبول والرد في دين الله مبني على صحة النقل، وهذه الرواية ساقطة بالكلية؛ لاجتماع عللٍ كثيرة في سندها تجعلها منكرة ولا تقوم بها حجة، وذلك وفق الآتي:
جهالة محمد بن عمرو بن خالد الحراني: وهو راوي القصة عن أبيه، وقد نصَّ أهل الفن على أنه مجهول الحال والرتبة؛ إذ لم يَرِد فيه جرح ولا تعديل، وقد أكد محقق كتاب "الدعاء" للطبراني (ص 611) أنه لم يقف له على ترجمة، والمجهول لا يُحتج بنقله.
نكارة رواية عتاب بن بشير عن خصيف: عتاب وإن كان في أصله صدوقًا، إلا أنَّ الإمام أحمد بن حنبل صرَّح بنكارة أحاديثه إذا روى عن خصيف بالذات، فقال: «أحاديث عتاب عن خصيف منكرة»، كما في [تهذيب الكمال (19/287)].
ضعف خصيف بن عبد الرحمن الحراني: وهو مدار الرواية، وقد اتفق الحفاظ على سوء حفظه واختلاطه؛ قال فيه الإمام أحمد: «ليس بحجة ولا قوي في الحديث»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال ابن حبان: «يخطئ كثيرًا وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه». [المجروحين لابن حبان (1/287)، تقريب التهذيب (ص 193)].
الانقطاع بين مقسم وعائشة: الرواية معلولة بالانقطاع؛ لأنَّ مقسم بن بجرة لم يسمع من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا ما نصَّ عليه الإمام البخاري بقوله: «لا يُعرف لمقسم سماع من أم سلمة ولا ميمونة ولا عائشة». [التاريخ الصغير للبخاري، تهذيب التهذيب (10/289)].
وبناءً على هذه النقاط، تتبين شدة وهن الرواية؛ فاجتماع الجهالة، والضعف، والنكارة، والانقطاع، يجعلها ساقطة الاعتبار، ولا يُلتفت لمتنٍ يخالف الثابت المستفيض في دواوين السنة الصحيحة.
ثانيًا: الموقف الحقيقي للصديق رضي الله عنه في المحنة
إنَّ المتأمل في موقف الصديق رضي الله عنه من حادثة الإفك، يجد صورة الوالد الشفيق والصدّيق المتثبت الذي لم تنطق شفتاه بكلمة سوء طوال شهر كامل، وهذا ما قرره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (8/480) بقوله: «وفيه تثبُّتُ أبي بكر الصديق في الأمور؛ لأنه لم يُنْقَلْ عنه في هذه القصة كلمةٌ فما فوقها، إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية، فكيف بعد أن أعزَّنَا الله بالإسلام؟!».
وما نقله الشيخ سليم بن عيد الهلالي في تعليقه على «حديث الإفك» للمقدسي (ص147) يؤكد هذا المعنى؛ حيث سجل أنَّ الصديق لم يخبر ابنته بما حدث رأفةً بها، بل كان يبكي معها حين علم، فكيف يُعقل لمن فاضت عيناه رحمةً بابنته أن يطالب بإقامة الحد عليها؟! إنَّ هذا التناقض يقطع بكذب رواية الطبراني المنكرة.
ثالثًا: عجز الصديق عن الكلام لشدة الصدمة النفسية
لقد سجلت الأحاديث الصحيحة حيرة الصديق وعجزه عن الرد تعظيمًا للمقام النبوي وورعًا؛ ففي رواية الصحيحين، قالت عائشة لأبويها: «أجيبا عني رسول الله»، قالا: «لا ندري ما نقول».
وقد فسر الإمام العراقي في «طرح التثريب» (8/67) هذا الصمت بأنَّ "الأمر الذي سألت عنه لا يقفان منه على زائد عما عند رسول الله قبل نزول الوحي من حسن الظن والسرائر".
بل إنَّ عظمة يقين الصديق ظهرت فيما رواه البزار بإسناد رجاله رجال الصحيح، أنَّ الصديق لما أُنزل العذر قبّل رأس عائشة، فقالت: ألا عذرتني؟ فقال قولا يكتب بماء الذهب: «أيُّ سماء تظلني، وأيُّ أرض تقلني إذا قلتُ ما لا أعلم؟!».
فإذا كان هذا حاله بعد البراءة، فكيف يكون حاله قبلها؟! إنه ورع الصديق الذي يخشى القول بغير علم، فكيف يُنسب إليه الافتراء بالخيانة؟!
رابعًا: إقامة الحد على القاذفين وتبرئة الصديق
إنَّ الواقع التشريعي في عهد النبوة يُبطل هذه الشبهة من أساسها؛ إذ لو كان الصديق قد تلفظ بما نُسب إليه لكان في حكم الشريعة "قاذفًا"، ولأُقيم عليه الحد كما أُقيم على غيره.
وقد ثبت تاريخيًّا ويقينًا أنَّ النبي ﷺ أمر بجلد القاذفين؛ وهم مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، كما أورد ذلك ابن إسحاق في «سيرته» (2/297) والبزار في «مسنده».
ولم يذكر راوٍ واحد -حتى من الشيعة أنفسهم كالمحسن الأمين في «أعيان الشيعة» (1/388)- أنَّ الحد أُقيم على الصديق. فعدم إقامة الحد عليه إجماعًا هو برهانٌ شرعي قاطع على أنه لم ينطق بكلمة الإفك، مما يجعل رواية "خانتك وفضحتني" من جملة الأكاذيب التي لا تصمد أمام النقد الحديثي ولا الواقع التاريخي.
الخلاصة:
بطلان السند: الرواية تالفة بمرة؛ لجهالة رواتها، وضعف حفظهم، وانقطاعها بين مقسم وعائشة.
مخالفة الثابت قولًا: تصادم الرواية قول الصديق الثابت: "أيُّ سماء تظلني"، وتصادم صمته الطويل الذي وصفه الحافظ ابن حجر بالتثبت.
مخالفة الثابت فعلًا: لم يُنقل إقامة الحد على الصديق، مما يدل يقينًا على عدم وقوع القذف منه، بينما جُلد القاذفون الآخرون.
اقرأ أيضا| زعمهم أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان أحبَّ إلى النبي ﷺ من الصديق
فقر الأدلة: اعتماد الخصوم على مرويات واهية منكرة يعكس فقرهم للأدلة الصحيحة وشهوتهم في الطعن المفتري.
لتحميل الملف pdf