أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم تجسس الفاروق رضي الله عنه على قوم في دارهم

يسعى الطاعنون إلى تصوير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصورة الحاكم الذي ينتهك حرمات البيوت ويتجاوز حدود الشريعة؛ بزعم أنه تجسس على قوم وتسور جدرانهم، محاولين بذلك ضرب عدالته والتزامه بأحكام القرآن الكريم.

يقول عالمهم محمد طاهر القمي الشيرازي: «ومنها: أنه تجسس على قوم في دارهم، ذكره الطبري، والرازي، والثعلبي، والقزويني، والبصري، وفي محاضرات الراغب، وإحياء الغزالي، وقوت القلوب المالكي، فقال أصحاب الدار: أخطأت لقوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12]، ودخلت من غير باب لقوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189]، ودخلت من غير إذن لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27]». [انظر: الأربعين، محمد طاهر الشيرازي، ص 464].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: دراسة الروايات الواردة في التجسس وبيان عللها

سأقوم بذكر مصادر جميع الروايات التي وردت في هذا الموضوع، مع بيان حكم أهل العلم عليها أو توضيح عللها الحديثية؛ لنبين أن ما يُبنى على باطل فهو باطل:

•          الحديث الأول: وهو الذي أورده صاحب كتاب «الأربعين»؛ رواه أبو بكر الخرائطي في «مكارم الأخلاق»، وأسنده البخاري في «التاريخ الكبير»، والعسكري في «الأوائل». الحكم على الرواية: قال محقق «مكارم الأخلاق»: «سنده ضعيف»؛ لأن فيه عبد الله بن صالح وهو كثير الغلط [مكارم الأخلاق، ت. الحميري، ص 907-909].

وقد جاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»: «لم تثبت هذه القصة لدينا بعد تتبع ما كتب عن عمر رضي الله عنه في كتب التاريخ والتراجم، ثم هي لا تتناسب مع خلق عمر وسيرته، ويبعد أن يجرؤ عليه أمثال هؤلاء وهم مرتكبون لجريمة شرب الخمر» [فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى، 26/6].

•          الحديث الثاني: ما ورد في «مصنف عبد الرزاق" برقم [18942]. الحكم على الرواية: هذه رواية منقطعة؛ فإن طاووس بن كيسان لم يروِ عن عمر رضي الله عنه؛ لأنه ولد في دولة عثمان أو قبل ذلك بقليل [انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/39].

•          الحديث الثالث (الرواية الصحيحة): ورد في «مصنف عبد الرزاق" برقم [18943]؛ عن المسور بن مخرمة، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب فبينا هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، حتى إذا دنوا منه إذا باب مجاف (مغلق) على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا، قال: هو بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب (سكرى)، فما ترى؟ قال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهانا الله عنه، نهانا الله فقال: {وَلَا تَجَسَّسُوا}، فقد تجسسنا، فانصرف عنهم عمر وتركهم.

فهذه الرواية هي الأصح إسنادًا، وهي تثبت أن عمر رضي الله عنه لم يدخل البيت، ولم يتسور الجدار، بل لما ذُكّر بالنهي انصرف فورًا [مصنف عبد الرزاق، 10/231].

•          الحديث الرابع: في «مصنف عبد الرزاق" برقم [18944]. الحكم على الرواية: إسنادها ضعيف جدًّا؛ لأن أبا قلابة الجرمي كثير الإرسال، ولم يسمع من عمر؛ فالإسناد منقطع.

•          الحديث الخامس: في «التوبيخ والتنبيه» لأبي الشيخ الأصبهاني. الحكم على الرواية: قال المحقق: «إسناده ضعيف جدًّا؛ لأجل محمد بن حميد» [التوبيخ والتنبيه، ص 136-137]. كما أنها منقطعة؛ لأن السدي الكبير لم يدرك عمر رضي الله عنه.

•          الحديث السادس: في «سنن سعيد بن منصور" برقم [2028]. الحكم على الرواية: قال المحققون: «سنده ضعيف؛ للانقطاع بين الحسن البصري وعمر بن الخطاب" [سنن سعيد بن منصور، 7/394].

إن جميع الروايات التي ذكرت أن عمر رضي الله عنه تسور الجدار أو دخل البيت بغير إذن لا تصح، والرواية الصحيحة ليس فيها إلا أنه اتبع أمارة (صوت ولغط) أثناء حراسته، ولما نبّهه رفيقه إلى شبهة التجسس تركهم وانصرف؛ وهذا غاية في الورع والوقوف عند حدود الله.

ثانيًا: الفرق بين التجسس المنهي عنه وواجبات الولاية

حتى لو قلنا بوجود نوع من التتبع، فإن من ولي شيئًا من أمور المسلمين يلزمه الاطلاع على أحوالهم لإقامة العدل ومنع الفساد، وهذا لا يسمى تجسسًا محرمًا إذا كانت هناك ريبة ظاهرة.

يقول ابن عرفة: «من هو مستور الحال فلا يحل التجسس عليه، ومن اشتهر بشرب خمر ونحوه فالتجسس عليه مطلوب أو واجب» [البحر المديد، ابن عجيبة، 5/431].

والتجسس المنهي عنه هو ما كان في غير ريبة؛ ولذلك أدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده في طعام مرّ عليه ليختبره، فلما وجد بللًا قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني" [صحيح مسلم، 1/99].

لقد كان عمر رضي الله عنه يعس بنفسه في الليالي حرصًا على الرعية، فإذا رأى منكرًا ظاهرًا أو سمع ريبةً وجب عليه التحقق، وهو فعلٌ يقتضيه العدل وحفظ أمن المجتمع.

ثالثًا: شهادة علماء الشيعة بمدح عدل عمر رضي الله عنه في القصة

إن هذه القصة (على فرض صحتها) تحمل في طياتها مدحًا كبيرًا لنظام الحكم في عهد عمر؛ حيث كان الرعية يشعرون بالأمان في مواجهة السلطة.

يقول عالمهم محمد حسين فضل الله في تعليقه على هذه القصة: «ونأخذ من سند الرواية درسًا، وهو أن المسلمين كانوا في تلك المرحلة يشعرون بالأمن أمام الاعتراض على السلطات، وكانوا لا يخافون من الاعتراض عليها، فلقد كان عمر الخليفة الزمني، ومع ذلك، فإن هذا الرجل المسلم الذي ارتكب معصية، استطاع بعقل بارد وبأعصاب هادئة أن يردّ عليه، وأن يحاكمه بعد أن كان هو المحكوم». [الموقع الرسمي لمؤسسة فضل الله، بتاريخ 18/11/2000].

رابعًا: إجازة التجسس والشدة على المريب في فقه الشيعة

من العجيب أن يطعن القوم في عمر رضي الله عنه، بينما يقرر علماؤهم وجوب التجسس في حالات الريبة، بل ويأمرون بالشدة على من ظهر منه شك.

يقول عالمهم المنتظري: «ويدل على وجوب الاستخبارات وضرورتها إجمالًا.. أن حفظ نظام المسلمين وكيانهم يتوقف على الحذر من الأعداء بمراقبتهم والتجسس على القرارات والتحركات الصادرة عنهم..، فلا محالة وجبت مقدماته بحكم العقل والفطرة" [دراسات في ولاية الفقيه، المنتظري، 2/548].

وقد استدل المنتظري بكتاب لعلي رضي الله عنه (بزعمهم) إلى عماله يقول فيه: «وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم» [المصدر السابق، 2/570].

والريب هو الشك مع التهمة. وفي «نهج البلاغة» قول علي رضي الله عنه: «ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدًا» [نهج البلاغة، 4/27].

بل إن علي الخامنئي سُئل عن حكم التجسس لكشف مراكز الفحشاء فأجازه قائلًا: «لا مانع منها إذا كانت بإذن المسؤول المختص" [أجوبة الاستفتاءات، الخامنئي، 2/108].

فإذا كان التجسس جائزًا عندكم لحفظ النظام، فلماذا يُعد فعلًا شنيعًا إذا فعله عمر رضي الله عنه لحماية المجتمع؟!

الخلاصة:

1.         بطلان روايات التسور: كافة الروايات التي ادعت قفز عمر رضي الله عنه فوق الجدران ضعيفة أو منقطعة ولا تثبت علميًّا.

2.         الرواية الصحيحة منقبة: أثبتت الرواية الصحيحة أن عمر رضي الله عنه بمجرد سماعه للنصيحة انصرف وترك القوم، وهو دليل على تقواه ووقوفه عند حدود الله.

3.         العس والرقابة: ما كان يفعله عمر رضي الله عنه من تفقد أحوال الناس ليلًا هو وظيفة القائد الناصح، وليس تجسسًا محرمًا على الخصوصيات.

اقرأ أيضا|  اتهامُ الفاروق رضي الله عنه بأنهُ كانَ يأتي أهلهُ في الدبرِ

4.         التناقض الشيعي: يطعنون في عمر رضي الله عنه بوقائع لم تثبت، بينما يشرع علماؤهم التجسس والشدة على "المريب" ويعتبرونه واجبًا فطريًّا وعقليًّا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات