تحاول الشيعة تصوير شخصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صورة الحاكم الجبار الغليظ؛ بزعم أن شدته كانت تخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في اللين، ويستدلون على ذلك بكثرة استخدامه لـ "الدِّرَّةِ" (وهي سوط صغير للتأديب)، بل وادعاء ضربه للنساء بها.
يقول ناصر الموسوي في كتابه: «وأنت إذا أحطت خبرًا بهذه الواقعات التي تشهد بغلظة عمر، وفظاظته، وشدة ظلمه، وسوء خلقه مع النساء خاصة» [إفحام الأعداء والخصوم، ناصر حسين الموسوي الهندي، ص 116].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الشدة في الحق منقبة نبوية وضرورة شرعية
إن ما يراه الطاعنون عيبًا في شخصية الفاروق، قد عده النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ومنقبة خصه بها؛ فالشدة في الحق ليست فظاظة مذمومة، بل هي قوة في إقامة الدين ومنع الباطل.
لقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَأُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ» [سُنن الترمذي، رقم 3790، وصححه الألباني].
فالشدة في ذات الله تعالى هي صفة كمال في القائد؛ لأن بها يُردع الظالم، ويُحمى الضعيف، ولا يكره هذه الشدة إلا مبطل يخشى أن تأخذه يد الحق.
ثانيًا: مفهوم الرفق وجمع عمر رضي الله عنه بين اللين والشدة
الرفق الحقيقي ليس هو اللين الدائم الذي يضيع الحقوق، بل هو وضع كل أمر في موضعه المناسب؛ فاللين في موضع الشدة عجز، والشدة في موضع اللين خرق.
يقول أبو حامد الغزالي: «قال سفيان لأصحابه: تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها: الشدة في مواضعها، واللين في موضعه، والسيف في موضعه، والسوط في موضعه؛ وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين، والفظاظة بالرفق» [إحياء علوم الدين، 3/186].
وقد لخص عمر رضي الله عنه منهجه في الحكم في أول خطبة له حين قال: «أيّها النَّاس، إنّي قد علمت أنّكم تؤنسون منّي شدّةً وغلظةً..، فكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالسّيف المسلول إلَّا أن يغمدني أو ينهاني عن أمرٍ فأكفّ..، واعلموا أنَّ شدّتي الَّتي كنتم ترون ازدادت أضعافًا؛ إذ صار الأمر إليّ على الظّالم والمتعدّي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويّهم، وإنّي بعد شدّتي تلك واضعٌ خدّي إلى الأرض لأهل العفاف والكفاف منكم والتّسليم» [تاريخ دمشق، ابن عساكر، 44/264].
وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه كان يفرق بين المسالم العفيف فيرفق به، وبين الظالم المعتدي فيشتد عليه، وهو عين العدل.
ثالثًا: الشدة في القرآن الكريم والقياس على فعل الأنبياء
إن المتأمل في كتاب الله يجد أن الشريعة لم تهمل جانب الغلظة في محلها، بل أمرت بها حين لا ينفع اللين، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73]، وقوله تعالى: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123].
وإذا عاب الطاعنون على عمر شدته، فعليهم أن يعيبوا على نبي الله موسى عليه السلام شدته على أخيه نبي الله هارون عليه السلام، حين أخذ برأسه ولحيته يجره إليه غضبًا لله تعالى؛ قال تعالى: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150].
وقد اعترف علماء الشيعة أن فعل موسى كان غضبًا لله وحمية لدينه؛ حيث قال عالمهم الطوسي: «وقوله: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} يعني: رماها» [التبيان، الطوسي، 4/549]. وقال عالمهم الطباطبائي: «ما فعله موسى بأخيه من أخذ رأسه يجره إليه كأنه مقدمة لضربه؛ حسبانًا منه أنه استقل بالرأي..، فما وقع منه إنما هو تأديب في أمر إرشادي» [تفسير الميزان، الطباطبائي، 8/251]. فإذا جاز لنبي أن يشتد على نبي تأديبًا، فكيف يُلام عمر على شدته في تأديب الرعية؟!
رابعًا: بطلان الروايات التي تدعي ضرب عمر رضي الله عنه للنساء
أما ما يُشاع من أن عمر رضي الله عنه كان يضرب النساء بالدرة، فجميع الروايات التي وردت في ذلك "منقطعة" لا تثبت من الناحية العلمية:
• الرواية الأولى: رواية سعيد بن المسيب أن عمر ضرب النساء حين بكيْن على أبي بكر [مصنف عبد الرزاق، 3/556]. وهذه الرواية منقطعة؛ لأن سعيد بن المسيب وُلِد في خلافة عمر، ولم يدرك الحادثة، ومراسيله في غير الأحكام لا تُحتج بها [انظر: سير أعلام النبلاء، 4/217].
• الرواية الثانية: رواية عمرو بن دينار أن عمر ضرب النساء في بيت ميمونة [مصنف عبد الرزاق، 3/556]. وهي منقطعة أيضًا؛ لأن عمرو بن دينار وُلِد سنة 46هـ، أي بعد موت عمر رضي الله عنه بعشرين سنة [سير أعلام النبلاء، 5/300].
خامسًا: استخدام الدِّرَّةِ موجود في تراث الشيعة عن علي رضي الله عنه
من أعظم صور التناقض أن يعيب القوم على عمر رضي الله عنه ضربه بالدرة، بينما تعج كتبهم بروايات تثبت أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يستخدمها أيضًا للتأديب والزجر:
1. ضرب القاصّ: روى الكليني: «عن أبي عبد الله قال: إنّ أمير المؤمنين رأى قاصًّا في المسجد، فضربه بالدّرّة وطرده" [الكافي، الكليني، 7/263، وقال المجلسي في مرآة العقول 23/410: حسن].
2. تأديب رجل في المسجد: في «روضة المتقين» أن عليًّا رضي الله عنه ضرب رجلًا بالدرة ثلاثًا لأنه زحمه في الوضوء [روضة المتقين، محمد تقي المجلسي، 10/223].
3. تأديب من عبث بذكره: روى الصدوق أن عليًّا أُتي برجل عبث بذكره «فضربه بالدرة حتى احمرت» [من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 3/27].
4. ضرب التّمار (بائع التمر): روى الكليني أن عليًّا ضرب بائعًا بالدرة حتى رد للمرأة حقها [الكافي، الكليني، 5/230، وصححه المجلسي في مرآة العقول 19/386].
فإذا كان استخدام علي رضي الله عنه للدرة هو عدل وتأديب، فلماذا يكون في حق عمر رضي الله عنه غلظة وظلمًا؟! إنه الميزان المائل الذي يفرق بين المتماثلين.
الخلاصة:
• المنقبة النبوية: شدة عمر رضي الله عنه هي "شدة في الحق" شهد له بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صفة كمال في القائد العادل.
• العدل في المعاملة: لم يكن عمر رضي الله عنه غليظًا مع الضعفاء، بل كان يجمع بين اللين لأهل الحق، والغلظة على أهل الريب والظلم.
• بطلان التهم: الروايات التي ادعت ضربه للنساء منقطعة الأسانيد ولا تثبت تاريخيًّا.
اقرأ أيضا| اتهامُ الفاروق رضي الله عنه بأنهُ كانَ يأتي أهلهُ في الدبرِ
• الإلزام: كتب الشيعة مليئة بالروايات التي تثبت استخدام علي رضي الله عنه للدرة في التأديب، مما يجعل طعنهم في عمر رضي الله عنه محض جهل أو تناقض مقصود.
لتحميل الملف pdf