يسعى الطاعنون في عدالة الصحابة رضي الله عنهم إلى محاولة النيل من بيت الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبر اتهام أبنائه بشرب الخمر، وهي محاولة تهدف إلى تشويه صورة التربية في بيت النبوة الذي تخرج منه الفاروق وأهله.
يزعم جعفر مرتضى العاملي تحت عنوان (ظاهرة شرب الخمر في بيت الخليفة) أن النصوص التاريخية تثبت جلد أربعة من أبناء عمر في الخمر، وهم:
1- عبد الله بن عمر: وادعى أنه شرب الخمر وجُلد فيها بالمدينة، مستدلًا برواية السائب بن يزيد أن عمر وجد منه ريح شراب.
2- عبد الله بن عمر: (كرر الاسم ثانية) وزعم أنه شربها بمصر فحده عمرو بن العاص سرًا، ثم جُلِد في المدينة علانية.
3- عبد الرحمن بن عمر (أبو شحمة): وزعم أن أباه حده في الشراب وفي جريمة الزنا.
4- عاصم بن عمر: وادعى أن بعض ولاة المدينة حدوه في الشراب.
[انظر: الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام، جعفر مرتضى العاملي، ج 14، ص 66-67].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: براءة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وتفنيد دعوى التصحيف
يعد إقحام اسم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في هذه الشبهة سقطة علمية وتاريخية كبرى؛ إذ إن الرجل هو إمام الورع والديانة في عصره، والحقيقة أن ثمة "تصحيفًا" وقع في الأسماء قلب (عُبيد الله) المصغر إلى (عبد الله) المكبر.
لقد ثبت في دواوين السنة المعتمدة أن المجلود هو عُبيد الله بن عمر (بالتصغير) وليس عبد الله، وذلك بإجماع المحققين.
جاء في رواية السائب بن يزيد عند الطبراني في «مسند الشاميين» [4/159]، وعند البيهقي في «السنن الكبرى" [8/547].
كما أن الإمام مالكًا أوردها في "الموطأ" بلفظ (فلان)، ولكن المحقق الأعظمي أكد في الهامش أن المراد هو: «عُبيد الله ابنه، ذكره معمر وابن عيينة وفي البخاري» [موطأ مالك، ت. الأعظمي، 5/1233].
ويقطع النزاع ما ورد في (صحيح البخاري) بلفظه: «وقال عمر: وجدت من عُبيد الله ريح شرابٍ، وأنا سائلٌ عنه، فإن كان يسكر جلدته» [صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب: الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة، 7/107].
وقد فصل الحافظ ابن حجر في (الفتح) هذا الأمر مؤكدًا أن المجلود هو عُبيد الله، ونقل عن سعيد بن منصور عن ابن عيينة أن عمر قام على المنبر فقال: «ذكر لي أن عُبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابًا، وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددتهم» [فتح الباري، ابن حجر، 10/64-65].
ومما يبطل هذه التهمة تمامًا عن عبد الله بن عمر، أن الرواية نفسها جاءت من طريقه هو، كما في (مصنف عبد الرزاق) [9/232]؛ فكيف يروي الإمام قصة جلد نفسه؟!
وهذا الإمام هو الذي قال عنه مالك: «كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس" [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/313].
ثانيًا: حقيقة واقعة عُبيد الله وعبد الرحمن (أبي شحمة) والشراب المشتبه
إن التدقيق في طبيعة المشروب الذي تناوله أبناء عمر يكشف أن الأمر لم يكن تعمدًا لشرب "الخمر" المحرمة، بل كان شربًا لشرابٍ مشتبهٍ وقع فيه "التأول"؛ حيث ظنوا حليته فبان إسكاره.
لقد أكد المحققون أن المجلود هو عبد الرحمن بن عمر الأوسط الملقب بـ (أبي شحمة). قال الباجي في «المنتقى شرح الموطأ»: «والأصحّ أنَّه ابنه عبد الرَّحمن الأوسط، كان له ثلاثة بنين كلّهم يسمَّى عبد الرَّحمن.. والثَّاني: هو أبو شحمة المجلود في الخمر» [المنتقى شرح الموطأ، الباجي، 3/142].
والروايات الصحيحة تشير إلى أنهم شربوا ما يسمى (الطلاء) أو (النبيذ)، وهو عصير الفواكه المطبوخ الذي يظن الشارب أنه لا يسكر، وقول عمر رضي الله عنه: «فإن كان مسكرًا جلدته" يدل على أنه لم يتيقن من نوع المشروب أولًا؛ إذ لو علم أنه خمر محضة لما احتاج للسؤال.
أما عبد الرحمن بن عمر (أبو شحمة) فقد جسد قمة الورع والحرص على التطهير؛ حيث لم يُقبض عليه سكرانًا، بل هو من ذهب للأمير طالبًا إقامة الحد على نفسه. روى عبد الرزاق عن ابن عمر قال: «شرب أخي عبد الرحمن بن عمر.. بمصر في خلافة عمر، فسكرا، فلمَّا أصبحا انطلقا إلى عمرو بن العاص.. فقالا: طهّرنا فإنَّا قد سكرنا من شرابٍ شربناه" [مصنف عبد الرزاق الصنعاني، 9/232].
وهذا النص يثبت أنهم شربوا "متأولين" ولم يتعمدوا الحرام، ولذلك قال ابن الجوزي: «ولا ينبغي أن يظن بعبد الرحمن أنه شرب الخمر، إنما شرب النبيذ متأولًا، فظن أن ما شرب منه لا يسكر.. فلما خرج الأمر بهما إلى السكر طلبا التطهير بالحد، وقد كان يكفيهما مجرد الندم، غير أنهما غضبا لله تعالى على أنفسهما المفرطة» [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، 4/184-185].
ثالثًا: تهافت الاستدلال بالمصادر الأدبية والعدل الفاروقي في إقامة الحد
يرتكز الطاعنون في رواياتهم على كتب الأدب التي تفتقر إلى الأسانيد العلمية، بينما تتجاهل هذه الروايات جوهر القصة وهو عدل الخليفة الذي لا يحابي أحدًا من أهله.
إن الروايات التي ساقها العاملي (بشأن عاصم وعبد الله وعبد الرحمن) منقولة من كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربه [8/62]، وهو كتاب أدب أوردها بغير إسناد، وما كان بغير إسناد فلا تقوم به حجة في ميزان النقد.
أما إعادة عمر لجلد ابنه علانية في المدينة، فكانت سياسة شرعية وتأديبًا مضاعفًا لقرابته منه، ليعلم الناس أن آل الخليفة ليس لهم مزية في الحدود.
قال ابن كثير: «ويحتمل أنه ثنَّاه عليه لأجل أنه قريبه.. ومراد عمر أنَّ ولده لا يختصّ في حدود الله من بين الناس بمزية" [مسند الفاروق، ابن كثير، 2/390].
والطعن في عمر رضي الله عنه بسبب فعل ابنه مردودٌ شرعًا وعقلًا؛ إذ لا يُعاب المرء بمعصية ولده المكلف إذا أقام الوالد عليه الحق، وإلا لعاد الطعن على نبي الله نوح عليه السلام الذي كفر ابنه ولم يعبه الله بذلك، وعمر رضي الله عنه قد أقام شرع الله في أهله، وأخرج للأمة فقهاء وعلماء كعبد الله بن عمر وسالم بن عبد الله.
رابعًا: المفارقة في معاملة القوم لرواتهم "السكارى"
من العجيب أن يتهم القوم آل عمر بشرب "نبيذ مشتبه" تطهروا منه بالحد، بينما يقرون في كتبهم المعتمدة بأن كبار رواتهم الثقات كانوا يشربون "الخمر المحضة" ومع ذلك يختلقون لهم المعاذير.
لقد رووا في كتبهم أن الصادق ترحم على شارب الخمر؛ فعن فضيل الرسان قال: «إني رأيته يشرب نبيذ الرستاق، قال: تعني الخمر؟ قلت: نعم، قال: وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي" [اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، الطوسي، 2/570].
بل إن أبا حمزة الثمالي ثبت شربه للمسكر، فاجتهد عالمهم المامقاني في (ترقيع) حاله بستة أعذار واهية، منها: «ما كان يعرف حرمته، أو أنه كان يشرب لعلة، أو كان يشرب الحلال فكذبوا عليه، أو كان ذلك قبل وثاقته" [تنقيح المقال في علم الرجال، المامقاني، 13/279].
فإذا كان الله يغفر لرواتكم "الخمر المحضة" لمجرد المودة، فكيف لا يغفر لأبناء الفاروق -الذين جُلِدوا وتطهروا- وهم الذين صحبوا النبي ﷺ؟!
إن هذا التناقض يثبت أن الطعن سياسي غرضه تشويه الصحابة، وليس غيرةً على حدود الله.
الخلاصة:
1. براءة عبد الله بن عمر رضي الله عنه: التهمة الموجهة إليه محض "تصحيف" لاسم أخيه عُبيد الله (بالتصغير) كما ثبت في البخاري ومصادر الحديث.
2. التأول لا التعمد: أبناء عمر لم يشربوا خمرًا متعمدة، بل شربوا (نبيذًا أو طلاءً) ظنوه حلالًا، ولما سكروا طلبوا "التطهير" بأنفسهم غيرةً لله.
3. عدل الفاروق رضي الله عنه: إقامة عمر للحد على أبنائه وتغليظه عليهم هي من أعظم مناقبه التي تثبت مساواته بين الرعية وآله في الحقوق والواجبات.
4. فساد المصادر: الاعتماد على كتب الأدب (كالعقد الفريد) المفتقرة للأسانيد لا ينهض للاحتجاج العلمي.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه شرب الخمر بعد تحريمها
5. الإلزام بالتناقض: اعتذار الشيعة لرواتهم السكارى (كالثمالي والحميري) ينسف مصداقية طعنهم في آل عمر ويظهر تهافت معاييرهم الأخلاقية.
لتحميل الملف pdf