طعن الشيعة في خلق الصديق والفاروق رضي الله عنهما -وحاشاهما- بما رواه الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول): «أَن نَبِي الله كَانَ فِي سفر، وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر رضي الله عنهما، فأرسلوا إِلَى رَسُول الله ﷺ يسألونه لَحْمًا، فَقَالَ: «أَوَ لَيْسَ قد ظَلَلْتُمْ مِنَ اللَّحْمِ شِبَاعًا؟»، قَالُوا: مِن أَيْن؟ فوَالله مَا لنا بِاللَّحْمِ عهدٌ مُنْذُ أَيَّام، فَقَالَ: «من لحم صَاحبكُم الَّذِي ذكرْتُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَ الله، إِنَّمَا قُلْنَا: وَالله إِنَّه لضعيف مَا يعيننا على شَيْء، قَالَ: «وَذَاكَ فَلَا تَقولُوا»، فَرجع إِلَيْهِم الرجلُ فَأخْبرهُم بِالَّذِي قَالَ، فجَاء أَبُو بكر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا نَبِيَ الله، طأ على صماخي واستغفر لي، فَفعل، وَجَاء عمر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا نَبِي طأ على صماخي واستغفر لي، فَفعل» [نوادر الأصول، (1/283)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: وهن الإسناد وسقوطه علميًا
قبل الخوض في دلالة أي متن، لا بد من فحص القواعد التي قام عليها البناء؛ فالرواية التاريخية لا تُقبل في مقام الطعن إلا إذا استوفت شروط الصحة، وبالنظر في إسناد الحكيم الترمذي نجد الآتي:
الحكيم الترمذي (صاحب الكتاب): ترجم له الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (13/439-441) فقال: «الإِمَامُ، الحَافِظُ، العَارِفُ.. لَوْلَا هَفْوَةٌ بَدَتْ مِنْهُ. قَالَ أَبُو عبدِ الرَّحْمَن السُّلَمِيُّ: أَخرَجُوا الحَكِيْمَ مِنْ تِرْمِذٍ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالكُفْر، وَذَلِكَ بِسبب تَصنيفه كِتَاب «ختم الولَايَة».. وَقَالُوا: إِنَّهُ يَقُوْلُ: إِنَّ للأَوْلِيَاء خَاتمًا كَالأَنْبِيَاء لَهُم خَاتم، وَإِنَّهُ يُفَضِّل الوِلَايَةَ عَلَى النُّبُوَّة».
علي بن الحسن (والد الحكيم): لم نقف له على ترجمةٍ في كتب الرجال المعتمدة كـ «تهذيب الكمال» للمِزِّي، وقد تفرد بهذا الحديث عن سعد بن حفص (وهو ثقة)، فانفراد مجهول عن ثقة بمتن فيه نكارة يدل على أنه غير محفوظ.
يحيى بن أبي كثير: ذكر الحافظ في «التقريب» (ص596) أنه من صغار التابعين، وهم الذين لم يثبت لهم سماع من أحد من الصحابة في مثل هذه القصص، وهو ثقة لكنه يدلس ويرسل.
ويُستفاد من هذه النصوص أنَّ الإسناد واهٍ جدًا؛ فصاحب الكتاب مطعون في معتقده، وشيخه مجهول، والسند منقطع بالإرسال؛ وما كان هذا حاله لا يصلح للاحتجاج ولا في الشواهد والمتابعات، فبطلت الشبهة من أساسها السندي.
ثانيًا: علة الرواية الموصولة ومخالفة الأوثق
قد يتشبث البعض بروايات أخرى جاءت موصولة السند لتقوية هذا الطعن، ولكنَّ ميزان النقد الحديثي يكشف أنَّ "الوصل" في هذه القصة وهمٌ وغلطٌ من بعض الرواة؛ وبيان ذلك:
المخالفة: روى الحديث عباد بن الوليد الغبري موصولًا عن أنس، وخالفه الإمام الحافظ عفان بن مسلم (وهو من أوثق الناس في حماد بن سلمة بشهادة يحيى بن معين)، فرواه عن حماد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا.
تحقيق العلة: ذكر يحيى بن معين في «شرح علل الترمذي» (2/707): «من أرادَ أن يكتب حديث حماد بن سلمة، فعليه بعفان بن مسلم»، وعفان قدم الإرسال، مما يعني أنَّ رواية الغبري (الموصولة) معلولة بالخطأ.
ويُؤخذ من هذا أنَّ رواية الوصل لا تشهد للضعيف بل تزيد في تضعيفه؛ لأنَّ رواية الأوثق (عفان) كشفت غلط من دونه، والحديث الذي يدور بين الإرسال والوصل المعلول لا ينهض لمقام الاحتجاج، فتسقط محاولة تصحيح الشبهة.
ثالثًا: القصة منقبة للشيخين (بفرض صحتها)
لو تنزلنا جدلًا وصححنا القصة، فإنَّ الإنصاف يقتضي قراءة الخاتمة لا الوقوف عند الهفوة؛ فالبشر غير معصومين، والعبرة بجميل الأوبة وسرعة التوبة، وهذا ما تظهره الرواية بوضوح:
النص: جاء في الرواية أنَّ أبا بكر وعمر قالا: «يَا نَبِيَ الله، طأ على صماخي واستغفر لي، فَفعل».
فالنبي ﷺ قد استغفر لهما بالفعل، ومن استغفر له رسول الله ﷺ فقد نال التطهير والرضوان. فالقصة تثبت أنَّ الشيخين كانا أوابين، يخشيان ذنوبهما، ويطلبان الوسيلة إلى مغفرتها، وفوق ذلك نالا مرادهما باستغفار النبي ﷺ لهما؛ فأي طعن يبقى بعد مغفرة الله ورسوله؟!
"طأ على صماخي"، المعنى: ضَع قدمك الشريفة على أذني أو جانب رأسي، وهو غاية التذلل والاعتراف بالخطأ.
رابعًا: تناقض مذهب الشيعة في الغيبة وإباحتها
يكتمل الرد بإلزام الخصم بما يعتقده ويفتي به؛ فبالنظر في مرويات الشيعة نجد أنهم يشنعون على الصحابة بأفعال هي في مذهبهم إما ليست غيبة، أو هي غيبة مباحة!
تعريف الغيبة عندهم: أخرج الكليني في «الكافي» (2/266) عن الإمام الصادق: «هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل»، والشيخان ذكرا صفة خِلقية (الضعف)، وليس في دينه.
إباحة الغيبة: ورد في «مجمع البيان» (2/131): «أن الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فلا جناح عليه أن يذكر سوء ما فعله».
ويُؤخذ من هذه النصوص أنَّ الرافضة يقعون في تناقض صارخ؛ فهم يبيحون لأنفسهم ذكر عيوب الناس في أمور دنيوية (كضيافة الطعام)، ثم يشنعون على الصحابة في وصفٍ مشابه جرى في سفر! وهذا يثبت أنَّ الهدف هو القدح السياسي والديني، وليس الغيرة على الأخلاق المحمدية.
الخلاصة:
تهافت السند: الرواية تالفة سندًا ومنقطعة إرسالًا، والوصل فيها خطأ علمي.
ثبوت المغفرة: النص الذي يحتجون به يثبت استغفار النبي ﷺ لهما، وهو صك أمان ومنقبة عظيمة.
اقرأ أيضا| ارتفاع أصوات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بحضرة رسول الله ﷺ
فساد المنهج: طعن القوم في الصحابة بما يبيحونه في مذهبهم يثبت بطلان دعواهم وأنها قائمة على الهوى والتحامل.
لتحميل الملف pdf