أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

الاستدلال بحديث (مدينة العلم) على أفضلية علي بن أبي طالب في العلم

يزعم الشيعة أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وأنه لم يجهل مسألة قط، مستندين في ذلك إلى حديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها». [منهاج الكرامة للحلي، ص161، ثم اهتديت للتيجاني، ص173].

الرد التفصيلي على الشبهة

أولًا: حديث مدينة العلم ساقط إسنادًا ومتنًا

إنَّ القول بتفضيل صحابي على آخر في العلم لا بد أن يستند إلى نص صحيح صريح، وبالنظر في حديث "مدينة العلم" نجد أنه لا يثبت من جهة النقل ولا يصح من جهة العقل؛ وبيان ذلك:

من ناحية الإسناد: جمعَ الشيخ الألباني طرق هذا الحديث في «السلسلة الضعيفة» (6/518–530) وانتهى إلى قولِهِ: «وجملة القول: أنَّ حديث الترجمة ليس في أسانيده ما تقوم به الحجة، بل كلها ضعيفة، وبعضها أشدُّ ضعفًا من بعض، ومَن حسَّنه أو صحَّحه لم ينتبِهْ لعنعنة الأعمش في الإسناد الأول».

من ناحية المتن: فنَّد شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (7/515-517) هذا المتن مبينًا أنه «أوهى وأضعف؛ ولذا يُعدُّ في الموضوعات.. والكذب يُعرف من نفس متنه، فإنَّ النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد، ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد، فسد أمر الإسلام؛ ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلِّغ عنه العلم واحدًا، بل يجب أن يكون المبلِّغون أهل التواتر».

ويُستفاد من هذا أنَّ الحديث مخترعٌ من أساسه؛ فإسناده يدور بين الضعف والوضع، ومتنه يصادم واقع الإسلام الذي نُقل إلينا عبر مئات الصحابة في شتى الأمصار، فلو كان العلم لا يُؤخذ إلا من باب واحد لضاع الدين بفقده أو غيابه، وهذا قدحٌ في كمال الشريعة لا مدحٌ لعليٍّ رضي الله عنه.

ثانيًا: أسبقية أبي بكر الصديق في العلم بأدلة الفريقين

إذا بطل الاستدلال بالحديث الموضوع، فإنه يجب المصير إلى الأحاديث الصحيحة التي أجمعت الأمة (بل واعترف ببعضها كبار الشيعة) على أنَّ الصديق هو الأحق بالإمامة لكونه الأقرأ والأعلم؛ وبيان ذلك:

الدليل من السنة: روى الحاكم في «المستدرك» (3/70) وصححه على شرط الشيخين اعتراف علي والزبير قائلين: «إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها (أي الخلافة).. ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي». وقد ثبت في «صحيح مسلم» (1/465) قوله ﷺ: «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة».

الدليل من كتب الشيعة: أورد الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» (1/377–378) قوله ﷺ: «إمام القوم وافدهم، فقدِّموا أفضلكم»، ونقل يوسف البحراني في «شرح الرسالة الصلاتية» (1/159) القاعدة العقلية والنقلية في «قبح تقديم المفضول على الفاضل».

ويُؤخذ من هذه النصوص أنَّ تقديم الصديق للصلاة في مرض النبي ﷺ (والتي استمرت 13 يومًا كما ذكر ابن حجر في الفتح 8/129) هو "صكُّ علمٍ" وتزكية نبوية بأنه الأقرأ والأعلم؛ إذ لو كان غيره أعلم منه لما جاز شرعًا تقديمه، وهو ما أقره مشايخ الشيعة كرضا المظفر في كتابه «السقيفة» (ص50) باعترافه بصحة صلاته بالمسلمين.

ثالثًا: شهادة كبار الصحابة وعلي رضي الله عنه بعلم الصديق

إنَّ أعرف الناس بقدر الرجال هم أقرانهم، وبالنظر في شهادات كبار الصحابة نجد إجماعًا عمليًا على تفوق الصديق العلمي، بل إنَّ علي بن أبي طالب نفسه كان يتعلم من الصديق ويصدقه؛ وبيان ذلك:

شهادة أبي سعيد الخدري: في «صحيح البخاري» (1/100) عند ذكر قصة تخيير النبي ﷺ بين الدنيا وما عند الله، قال أبو سعيد: «فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا».

شهادة علي بن أبي طالب: روى الإمام أحمد في «المسند» (1/179) بسند صحيح عن علي رضي الله عنه قال: «وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه سمع النبي ﷺ قال: ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ.. ويصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له».

ويُستفاد من هذه الشهادات أنَّ الصديق كان المرجع الأول للصحابة حتى في المسائل الدقيقة (كعلمهم بمكان دفن النبي ﷺ الذي انفرد به الصديق)، وأنَّ قول علي "وصدق أبو بكر" كما ذكر المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (2/367) هو بيان لجلالة الصديق ومبالغته في الصدق والعلم، فكيف يكون "الباب" هو من يتلقى العلم عن الصديق؟!

رابعًا: الاستعمال والولايات برهانٌ على سعة العلم

لخص الإمام ابن حزم قاعدة ذهبية في معرفة علم الصحابي، وهي "كثرة استعمال النبي ﷺ له"، إذ من المحال أن يستعمل النبي في مهمات الدين الكبرى مَن يجهل أحكامها؛ وبيان ذلك:

تفصيل ابن حزم: ذكر في «الفصل» (4/107-109) أنَّ النبي ﷺ استعمل أبا بكر على "الصلاة" وهي عمود الدين، واستعمله على "الصدقات" وهي الركن الثالث، واستعمله على "الحج" فصحَّ بالضرورة أنه أعلم الصحابة بهذه الأركان.

المقارنة العلمية: بيَّن ابن حزم أنَّ قلة رواية الصديق (142 حديثًا) مقارنة بعلي (586 حديثًا) سببها قصر مدة حياته بعد النبي (سنتين ونصف) وانشغال الناس بالعمل بما لديهم، بينما عاش علي ثلاثين سنة بعده واحتاج الناس لعلمه لذهاب جمهور الصحابة.

ويُؤخذ من كلام ابن حزم أنَّ العبرة ليست بـ "عدد المرويات" بل بـ "نوعية المهام"؛ فالصديق كان المفتي الأول والملازم الدائم للنبي ﷺ في سفره وحضره، ومشاهدته للأحكام كانت أكثر من غيره، مما جعل علم الصديق أضعاف علم غيره من حيث التحقيق والملازمة والعمل.

الخلاصة:

تهافت الدليل: حديث "مدينة العلم" موضوع ومكذوب إسنادًا، ومنكرٌ عقلًا لمصادمته تواتر نقل الدين.

التقديم النبوي: صلاة الصديق بالناس هي الدليل القطعي على أعلميته، فإمام القوم وافدهم ولا يُقدَّم إلا الأفضل والأعلم.

اعتراف الخصم: شهادة علي بن أبي طالب بصدق الصديق وروايته عنه، واعتراف مشايخ الشيعة بصلاته بالناس، ينسف دعوى انفراد عليٍّ بالعلم.

اقرأ أيضا| فرية سرقة الصديق رضي الله عنه من بيت مال المسلمين

المنهجية العلمية: ملازمة الصديق للنبي ﷺ وتوليته شؤون الصلاة والزكاة والحج تثبت بالضرورة أنه أحاط بأصول العلم وفروعه ما لم يحط به غيره.


لتحميل الملف pdf

تعليقات