أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

دعوى انفراد علي بن أبي طالب بلقب الصديق دون أبي بكر

يدعي الشيعة أن لقب "الصديق" قد اختُص به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن إطلاقه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان أمرًا حادثًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لمنافسة علي رضي الله عنه في فضائله.

يقول عالمهم علي الكوراني في كتابه "ألف سؤال وإشكال" (3/77 - 78): «إن تسميته بالصديق كانت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وإن الروايات الصحيحة تنص على أن الصديق لقب لعلي دون أبي بكر»، واستشهد بمرويات تحصر الصديقين في ثلاثة، وأخرى يصف فيها علي رضي الله عنه نفسه بـ "الصديق الأكبر"، زاعمًا أن تسمية الناس لأبي بكر بالصديق كانت مجرد مواكبة لادعاءات متأخرة.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الثبوت القطعي للقب في السنة النبوية

لقب "الصديق" هو تسمية نبوية ثابتة لأبي بكر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة كبار الصحابة، مما ينفي كونه لقبًا اصطلاحيًا نشأ بعد الوفاة.

1. الشهادة النبوية على الجبل: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان" (صحيح البخاري، 5/9)، وعن أنس رضي الله عنه أيضًا في حادثة جبل حراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» (صحيح مسلم، 7/128).

2. مخاطبة عائشة بـ "بنت الصديق": خاطب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها قائلًا: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا تقبل منهم» (سنن الترمذي، 5/327).

فتؤكد هذه النصوص أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من أرسى هذا اللقب؛ ولهذا نقل الإمام النووي إجماع الأمة على ذلك، بل ساق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «إن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم صديقًا» (تهذيب الأسماء واللغات، 2/181).

ثانيًا: بطلان الروايات المستند إليها والرد العلمي عليها

الروايات التي ساقها الكوراني لمحاولة نفي اللقب عن أبي بكر هي روايات تالفة سندًا ومنكرة متنًا.

1. خبر حصر الصديقين في ثلاثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصديقون ثلاثة: حبيب النجار، وحزقيل، وعلي بن أبي طالب الثالث، وهو أفضلهم" (فضائل الصحابة لأحمد، 2/655).

هذا الحديث "موضوع"؛ ففي سنده "عمرو بن جميع" وهو كذاب متروك (هامش فضائل الصحابة، 2/655)، والمتن يصادم القرآن الذي سمى مريم ويوسف عليهما السلام بالصديقية؛ فكيف يُحصرون في ثلاثة؟!

2. خبر "أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب": يروون عن علي رضي الله عنه هذا القول (سنن ابن ماجه، 1/87).

هذا إسناد باطل؛ فيه "عباد بن عبد الله" قال عنه البخاري: "فيه نظر"، وقد ضرب الإمام أحمد على هذا الحديث في كتابه وأنكره (سنن ابن ماجه بتعليق الأرنؤوط، 1/87).

ثالثًا: إقرار أئمة آل البيت باللقب في كتب القوم ومصادرهم

تفيض كتب الشيعة ومصادرهم المعتمدة بالاعتراف بلقب "الصديق" لأبي بكر رضي الله عنه، مما يجعل دعوى الكوراني مخالفة لتراثهم نفسه.

1. إقرار الإمام محمد الباقر بلقب الصديق: جاء في كتاب (كشف الغمة) لابن أبي الفتح الإربلي: «عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن حلية السيوف فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: فتقول الصديق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة وقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق؛ فلا صدق الله له قولًا في الدنيا ولا في الآخرة" (كشف الغمة، 2/360).

2. افتخار الإمام الصادق بانتسابه للصديق: نقل الشريف المرتضى في رسائله أن الإمام الصادق كان يقال له: «أنت ابن الصديق»؛ لأن أمه هي بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (رسائل الشريف المرتضى، 3/264)، ونقل الميرزا النوري عن جعفر بن محمد عليه السلام قوله: «أخبرني جدي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق" (مستدرك الوسائل، 1/335).

3. اعتراف علماء الشيعة المتقدمين في عناوين كتبهم:

ذكر الفضل بن شاذان في كتابه: «وقد ذكرنا في باب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.." (الإيضاح، 1/223).

وذكر الثقفي في كتابه: «كانت تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق" (الغارات، 1/220).

وهذه النقول من أمهات كتبهم تصفع دعوى الكوراني؛ فإذا كان أئمتهم (الباقر والصادق) وعلماؤهم المتقدمون (كابن شاذان والثقفي) يطلقون اللقب بيقين، فمن أين أتى المتأخرون بدعوى "المنافسة" أو "الانفراد"؟!

رابعًا: الرد على حصر اللقب في "المعصوم" وتناقضه مع القرآن

يزعم محمد صادق الروحاني أن لقب الصديق لا يصح إلا للمعصوم (أجوبة المسائل، 2/122)، وهذا الزعم يهدمه القرآن من وجهين:

1. شمولية الوصف في القرآن

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} (الحديد: 19). فالله -عز وجل- جعل "الصديقية" مقامًا متاحًا لكل من حقق كمال الإيمان والصدق؛ فحصرها في المعصوم فقط يعد مصادمة صريحة للنص القرآني العام الذي شمل عموم المؤمنين المخلصين.

2. ترتيب المراتب الإلهية

فقد جعل الله الصديقية مرتبة تلي النبوة مباشرة، وهي متاحة للبشر من غير الأنبياء، قال تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء: 69).

فالصديقية هي درجة رفيعة في العبودية والاتباع، وليست صفة ملازمة للعصمة حصرًا، بل هي وصف لكل من صدّق بالحق واتبعه بظاهره وباطنه، وقد رتبت الآية الصديقين بعد الأنبياء؛ فلو كان "الصديق" هو "الإمام" (الذي يعتقد الشيعة أنه أفضل من الأنبياء)، لزم تقديم الصديق على النبي في الآية، وهذا تناقض ينسف أصل معتقدهم في تفضيل الأئمة.

الخلاصة

لقب "الصديق" لأبي بكر هو تسمية نبوية قطعية وردت في الصحاح، وليست اختراعًا بشريًا متأخرًا.

مرويات حصر اللقب في علي رضي الله عنه أو وصفه بـ "الصديق الأكبر" هي مرويات مكذوبة أو شديدة الضعف بإجماع النقاد.

مصادر الشيعة المعتمدة تثبت أن الأئمة من آل البيت أطلقوا اللقب على أبي بكر؛ بل ودعوا بالخيبة على من ينكره، مما يجعل المشككين محجوجين بمصادرهم.

حصر اللقب في "المعصوم" يصادم صريح القرآن الذي جعل الصديقية وصفًا للمؤمنين الصادقين، ويتناقض مع ترتيب المقامات في آية النساء.


لتحميل الملف pdf

تعليقات