أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم مخالفة الصديق رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الشيطان

قالت الشيعة: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أن يقتل الشيطان (والمقصود به رجل من الخوارج وصفه النبي بأن فيه سفعة من الشيطان) فلم ينفذ أمره؛ واعتبروا ذلك عصيانًا ومخالفة صريحة للسنة. [انظر: الطرائف، ابن طاووس، ص485]، [الصراط المستقيم، البياضي، 2/295]، [الاستغاثة، الكوفي، ص22]، [الغدير، الأميني 7/211].

واستدلوا على ذلك بما رواه أبو يعلى في مسنده: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذُكِرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ وَاجْتِهَادٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا أَعْرِفُ هَذَا»، قَالَ: بَلْ نَعْتُهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «مَا أَعْرِفُهُ»، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ الرَّجُلُ فَقَالَ: هُوَ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَا كُنْتُ أَعْرِفُ هَذَا، هَذَا أَوَّلُ قَرْنٍ رَأَيْتُهُ فِي أُمَّتِي، إِنَّ فِيهِ لَسَفْعَةً مِنَ الشَّيْطَانِ».

فَلَمَّا دَنَا الرَّجُلُ سَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ حِينَ طَلَعْتَ عَلَيْنَا أَنْ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكَ؟» قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: «قُمْ فَاقْتُلْهُ».

فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَوَجَدَهُ قَائِمًا يُصَلِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ لِلصَّلَاةِ حُرْمَةً وَحَقًّا، وَلَوْ أَنِّي اسْتَأْمَرْتُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَقَتَلْتَهُ؟»، قَالَ: لَا، رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَرَأَيْتُ لِلصَّلَاةِ حُرْمَةً وَحَقًّا، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَقْتُلَهُ قَتَلْتُهُ، قَالَ: «لَسْتَ بِصَاحِبِهِ»» [مسند أبي يعلى الموصلي، 6/340].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن بناء الأحكام والطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم استنادًا إلى روايات واهية هو منهج غير علمي؛ وإليك الرد من وجوه:

أولًا: الرواية ضعيفة من حيث السند

هذه الرواية لا تصح عند المحدثين؛ والسبب يرجع لوجود رواة ضعفاء في سلسلة إسنادها:

1.            عبد الرحمن بن شريك النخعي: وهو "صدوق يخطئ" [تقريب التهذيب، 3893].

2.            نجيح بن عبد الرحمن أبو معشر المديني: وهو العلة الكبرى في الحديث؛ إذ قال عنه النسائي: «أبو معشر ضعيف، مدني» [الضعفاء والمتروكون، ص101]، وقال البخاري: «منكر الحديث» [الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 3/157].

3.            حكم النقاد: حكم محقق المسند حسين سليم أسد بضعفها قائلًا: «إسناده ضعيف»، وكذا ضعفها الهيثمي في مجمع الزوائد، وأشار البزار إلى تفرد شريك بها عن الأعمش بهذا اللفظ [مجمع الزوائد، 7/258؛ كشف الأستار، 2/361].

ثانيًا: تعليل توقف الصديق (على فرض الصحة)

على سبيل التنزل والافتراض بصحة الرواية؛ فإن توقف الصديق رضي الله عنه لم يكن عصيانًا، بل كان اجتهادًا مبنيًا على تعظيم شعائر الله:

فقد رأى الرجل يصلي، والصلاة لها حرمة عظيمة في الإسلام؛ فظن الصديق أن الأمر بالقتل قد يكون سقط بصلاته أو دخوله في الإسلام من جديد، فأراد التثبت من النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدليل قوله: «وإن شئت أن أقتله قتلته».

وهذا التثبت في الدماء وشعائر الصلاة ممدوح في الأصل؛ إذ القاعدة الشرعية تقتضي درء الحدود بالشبهات.

ثالثًا: وقوع نفس الفعل من علي رضي الله عنه في كتب الشيعة

من التناقض أن ينقم الشيعة هذا الفعل على الصديق، بينما تروي كتبهم المعتمدة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعل مثله تمامًا وتوقف عن تنفيذ أمر صريح بالقتل.

جاء في "تفسير القمي": «أن النبي صلى الله عليه وآله بعث عليًّا وأمره بقتل جريح القبطي، فذهب علي رضي الله عنه إليه ومعه السيف..، فلما دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال ولا ما للنساء (مجبوب)، فانصرف علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، إذا بعثتني في الأمر أكون فيه كالمسمار المحمَّى في الوتر أم أثبت؟ قال: فقال: لا، بل أثبت» [تفسير القمي، 2/99 - 100].

فها هو علي رضي الله عنه لم ينفذ الأمر الصريح بالقتل باجتهاد منه لما رأى من حال الرجل؛ فما كان جوابكم عن علي فهو جوابنا عن الصديق.

رابعًا: مخالفة علي لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في شراء الطعام

تروي كتب الشيعة أيضًا أن عليًّا رضي الله عنه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة أبسط من القتل، وهي شراء الطعام.

جاء في "أمالي الصدوق": «أن النبي صلى الله عليه وآله أعطى دراهم لتبتاع بها فاطمة طعامًا، فجاء علي فأخذها ليشتري الطعام، فلقي سائلًا فأعطاه الدراهم كلها» [الأمالي، الصدوق، 1/553 - 556].

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بشراء الطعام (أمر صريح)، وعلي رضي الله عنه خالف الأمر وتصدق بالمال باجتهاد منه؛ فهل تسمون هذا عصيانًا أم اجتهادًا في فعل الخير؟

الخلاصة:

1.            الرواية التي استدل بها القوم ضعيفة الإسناد عند علماء الحديث؛ لوجود أبي معشر نجيح وهو منكر الحديث بطلت به الحجة.

2.            توقف الصديق رضي الله عنه (إن صح) كان تعظيمًا للصلاة وحرمتها؛ ورغبة في التثبت من بقاء الأمر بالقتل بعد رؤية الرجل يصلي.

3.            كتب الشيعة تروي حوادث مشابهة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه توقف فيها عن تنفيذ أوامر نبوية صريحة باجتهاد منه؛ كما في قصة جريح القبطي.

4.            القاعدة عند الشيعة والسنّة أن الصحابي قد يتوقف في تنفيذ الأمر لظهور مانع شرعي يظنه معتبرًا؛ ثم يراجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتثبت.

اقرأ أيضا| احتجاجهم بقلة روايات الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم

5.            ادعاء العصيان في حق الصديق هو كيل بمكيالين؛ لأنهم يبررون لعلي رضي الله عنه نفس الفعل ويسمونه بصيرة واجتهادًا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات