أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن طلب الفاروق رضي الله عنه شاهدين عند جمع القرآن جهلٌ بالقرآن

يحاول المجلسي في "بحاره" والرافضة من خلفه تصوير منهجية الفاروق عمر رضي الله عنه في التثبت عند جمع القرآن وكأنها "شك" في كلام الله أو "جهل" بإعجازه، والحقيقة أن هذا المنهج هو قمة الأمانة العلمية والاحتياط لوحي رب العالمين.

يقول المجلسي في «بحار الأنوار» (٣٠/٣٥٥) طاعنًا في عمر: «إنَّه لما أمر أن يجمع ما تهيأ له من القرآن أمر مناديًا ينادي..، لا نقبل من أحد شيئًا إلا بشاهدي عدل. وهذا منه مخالف لكتاب الله؛ إذ يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأتُواْ بِمِثلِ هَذَا القُرءَانِ لَا يَأتُونَ بِمِثلِه وَلَو كَانَ بَعضُهُم لِبَعض ظَهِيرا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فذلك غاية الجهل وقلة الفهم..، ولو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببينة عادلة".

وزعم الرافضة أن الهدف من ذلك هو رد ما جمعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإسقاط فضائحهما المزعومة فيه.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: نقد الرواية من حيث الإسناد (تهافت الرواية)

إن الرواية التي يستند إليها الرافضة للقول بأن عمر رضي الله عنه هو من اشترط الشاهدين، هي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة؛ وبيان ذلك:

1.       رواية ابن أبي داود في "المصاحف": ذكر فيها أن عمر أراد جمع القرآن واشترط الشاهدين.

o        العلة الأولى: "محمد بن عمرو بن علقمة"، وهو صدوق له أوهام، قال فيه الجوزجاني: «ليس بقوي الحديث". [تهذيب التهذيب، ٩/٣٧٦].

o        العلة الثانية (الانقطاع): "يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب" لم يسمع من عمر رضي الله عنه، قال يحيى بن معين: «يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطبٍ، منهم من يقول سمع من عمر وهذا باطلٌ». [المراسيل، ابن أبي حاتم، ص ٢٤٦].

2.       رواية أبي بكر وعمر وزيد: ورد في "المصاحف" (ص ٥١) أن أبا بكر رضي الله عنه هو من أمر عمر وزيدًا بالقعود على باب المسجد وطلب الشاهدين.

فهي رواية منقطعة أيضًا كما نص الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٩/١٤) والسيوطي في "الإتقان" (١/٢٠٥)، وكل الروايات التي استند إليها المجلسي والرافضة في هذا "المطعن" هي روايات ضعيفة ومنقطعة لا تصح إسنادًا.

ثانيًا: نقد المتن (مخالفة الثابت في الصحيح)

المتن الذي ذكره المجلسي فيه نكارة واضحة تخالف الثابت في "صحيح البخاري"؛ فالرواية الضعيفة تزعم أن عمر قتل قبل إتمام الجمع، وأن الآيتين من آخر براءة أتى بهما خزيمة لعثمان، وهذا باطل.

•         الثابت علميًّا: أن الذي وجد خاتمة سورة التوبة هو "أبو خزيمة الأنصاري" وكان ذلك في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. [صحيح البخاري، برقم ٤٧٠١].

•         قال الحافظ ابن حجر: «والصّحيح ما في الصّحيح، وأنّ الّذي فقده في خلافة أبي بكرٍ الآيتان من آخر براءةٌ». [فتح الباري، ٩/٢١].

ثالثًا: تفكيك شبهة الجهل بالإعجاز

يزعم المجلسي أن طلب الشاهدين "جهلٌ" بالقرآن لأن الله تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وهذا استدلال ينم عن جهل الرافضة بالفرق بين (النص المعجز) و(التوثيق المكتوب):

1.       الفرق بين الحفظ والكتابة: الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحفظون القرآن في صدورهم يقينًا، ولكن منهج الجمع كان يقضي بعدم كتابة آية في "المصحف الإمام" إلا إذا كانت مكتوبة بين يدي النبي ﷺ وبإذنه، وليست مجرد "محفوظة".

2.       ما معنى "الشاهدين"؟ ليس المراد شهادة على أن الكلام "قرآن" (فهذا معلوم بإعجازه وتواتره)، بل المراد:

o        الشهادة على الكتابة: أن يشهد الشاهدان أن هذه الرقعة أو اللوح كُتبت بين يدي رسول الله ﷺ في وقت نزول الوحي.

o        الشهادة على العرضة الأخيرة: أن يشهدوا أن هذه الآية لم تُنسخ تلاوتها وأنها مما عُرض في العام الأخير.

o        قال الحافظ ابن حجر: «وكأنّ المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، أو المرادُ أنّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ". [فتح الباري، ٩/١٤].

3.       سخافة الاعتراض بآية التحدي: آية التحدي تثبت أن القرآن لا يُحاكى، لكنها لا تمنع المنافقين أو الكذابين من محاولة إدخال كلام ليس من القرآن في المصاحف (تأويلًا أو تحريفًا)؛ فكان طلب الشاهدين "درعًا توثيقيًا" يمنع أي زيادة أو نقص، ويضمن أن المكتوب هو عين ما أملته النبوة.

رابعًا: "الإفحام" من واقع منهج الرافضة

إن اتهام عمر رضي الله عنه بالجهل لأنه احتاط لكتاب الله، هو قمة التناقض عند الرافضة؛ فبينما يذمون "الاحتياط العمري" لضمان تواتر الكتابة، نجد كبار علمائهم (كالمجلسي والجزائري) يقرون بتواتر "النقص والتحريف" في كتبهم.

•         فنحن المسلمين من نعتقد يقينًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهۥ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وطلب الشاهدين كان من وسائل تحقيق هذا الحفظ الإلهي لا من وسائل الشك فيه.

•         قال الذهبي: «أمّا القرآن العظيم..، فمتواترٌ محفوظٌ من الله تعالى لا يستطيع أحدٌ أن يبدّله..، ولو فعل ذلك أحدٌ عمدًا، لانسلخ من الدِّين». [سير أعلام النبلاء، ١٠/١٧١].

رابعًا: استظهار الحفاظ لا يعني الجهل بالقرآن

ادعاء المجلسي أن طلب الشاهدين يعني الجهل بالقرآن هو مغالطة مفضوحة؛ فالتتبع لم يكن لإنشاء العلم بالآية، بل لتوثيق "كتابتها"، وبيان ذلك:

1.       الشهادة للاستظهار والضبط: القرآن كان مسموعًا ومتواترًا في الصدور، لكن منهج الجمع قضى بألا يُكتب في المصحف الإمام إلا ما جُمع فيه (الحفظ مع الكتابة).

قال البدر العيني: «قيل: لما كان القرآن متواترًا، فما هذا التتبع والنّظر في العسب؟ وأجيب: للاستظهار، وليعلم هل فيها قراءة لغير قراءته من وجوهها أم لا». [عمدة القاري، 20/19].

2.       حفظ الصحابة للقرآن: الثابت أن أبا بكر وعمر وزيدًا كانوا من أوعية القرآن، وطلبهم للشاهدين كان مبالغة في الاحتياط لكلام الله. قال الحافظ ابن حجر: «وهذا يدلّ على أنَّ زيدًا كان لا يكتفي بمجرّد وجدانه مكتوبًا حتَّى يشهد به من تلقّاه سماعًا..، مبالغةً في الاحتياط". [فتح الباري، 9/14].

3.       أبو بكر أقرأ الأمة: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يؤم الناس في مرضه، والقاعدة النبوية تقول: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، مما يقطع بأنه كان من أعلمهم وأحفظهم للقرآن.

خامسًا: الإفحام (الرافضة وشهادة الزور على القرآن)

إن كلام المجلسي في الشبهة هو "اعتراف صريح" بعقيدة التحريف؛ إذ يزعم أن عمر طلب الشاهدين ليرفض مصحف علي الذي يحتوي -بزعمهم- على أسماء الممدوحين والمذمومين، وهذا هو محل الإفحام:

1.       اعتراف المجلسي بالتواتر: بينما يلمز عمر بالجهل، نجد المجلسي يقرر أن القرآن الذي بين أيدينا محرف بنقص أسماء الأئمة، ويقول: «إن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا». [مرآة العقول، 12/525].

2.       قنبلة "نعمة الله الجزائري": يصرح الجزائري بوقوع التحريف المادي في القرآن، وينسب لأمير المؤمنين علي -حاشاه- قوله في آية النساء: (وَإِن خِفتُم أَلَّا تُقسِطُواْ فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثنَى وَثُلَثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 3]؛ حيث زعم الجزائري أن عليًّا قال: «لقد سقط أكثر من ثلث القرآن". [منبع الحياة، ص 66].

3.       تغيير ألفاظ الوحي: زعموا أن آية (كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] نزلت "خير أئمة"، وأن آية البلاغ نزلت بذكر علي صراحة.

فإذا كان قرآنكم سقط منه ثلثه، وفُقدت منه آيات الغدير المزعومة، وسقطت منه أسماء الأئمة، فبأي وجهٍ تطعنون في عمر رضي الله عنه لأنه استوثق من "رسم القرآن" بشاهدين؟!

سادسًا: فرية "المصحف المرفوع" وعجز الغائب

يزعم الجزائري أن عليًّا أتى بمصحفه "الأكمل" فرفضه الصحابة، فرفعه علي وقال: «لن تروه حتى يظهر ولدي صاحب الزمان".

•         هذا الزعم ينسف دعوى "الإمامة"؛ فكيف يترك الإمام الأمة ١٤٠٠ عام تقرأ قرآنًا ناقصًا ومحرفًا؟! وهل حفظُ الله للذكر يكون بإخفائه في "سرداب" أم بإظهاره للأمة؟ (إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].

•         إن منهج الفاروق في الاستيثاق هو الذي جعل الأمة تجتمع على مصحف واحد بلا زيادة أو نقصان، بينما منهج الرافضة جعلهم ينتظرون "سرابًا" ويدّعون ضياع ثلثي الوحي.

الخلاصة:

•         رواية اشتراط الشاهدين في عهد عمر ضعيفة منقطعة، والثابت أن الجمع بدأ في عهد أبي بكر الصديق.

•         طلب الشاهدين كان للاستيثاق من "كتابة" النص بين يدي النبي ﷺ، وليس شكًا في "قرآنيته" أو جهلًا بـ "إعجازه".

•         منهج الفاروق هو الذي حمى القرآن من دعاوى الزيادة والنقص التي يطفح بها الفكر الرافضي اليوم.

•         ادعاء أن الجمع كان لإقصاء مصحف علي رضي الله عنه هو "فرية بلا دليل"، فعليٌ نفسه كان من أعظم المدافعين عن المصحف الذي جمعه الصحابة وأقره وعمل به في خلافته.

•         طلب الشاهدين كان منهجًا علميًّا لتوثيق "الكتابة النبوية" وليس شكًا في النص المحفوظ متواترًا.

•         أبو بكر وعمر وزيد رضي الله عنهم كانوا يحفظون القرآن يقينًا، وتتبعهم للرقاع كان لزيادة الاستظهار والضبط.

•         الطعن الرافضي في هذه المنهجية مبني على عقيدة "تحريف القرآن" التي صرح بها المجلسي والجزائري، وزعمهما سقوط أسماء أعدائهم من الوحي.

•         المسلمون يفتخرون بأن عمر وأبا بكر رضي الله عنهما احتاطوا للقرآن حتى وصل إلينا غضًا كما نزل، بينما الرافضة ينتظرون قرآنًا "موهومًا" يزعمون أن ثلثيه قد سقطا!

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قال: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف

•         أيهما أحق بالمدح: من استوثق واستظهر للقرآن حتى حفظه الله به، أم من افترى على الوحي وزعم سقوطه وتحريفه؟!


لتحميل الملف pdf

تعليقات