أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم قدح النبي صلى الله عليه وسلم في إيمان الفاروق رضي الله عنه

يحاولُ الطاعنونَ تصويرَ حرصِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه على معرفةِ ما عندَ أهلِ الكتابِ من أخبارٍ، بأنَّه نوعٌ من "الشكِّ" أو "الحيرةِ" في الدينِ؛ زاعمينَ أنَّ غضبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم منهُ كانَ قدحًا في إيمانهِ، بينما الحقيقةُ أنَّ الخبرَ لا يثبتُ من جهةِ السندِ؛ وعلى فرضِ صحتهِ فهو مَنقبةٌ لعمرَ في سرعةِ استجابتهِ وانقيادهِ.

يزعمُ عالمهم صلاحُ الدينِ الحسينيُّ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه كانَ يحاولُ دائمًا قراءةَ التوراةِ وتدوينَ تعاليمِ اليهودِ؛ ممَّا أغضبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم. [سبيل المستبصرين، صلاح الدين الحسيني، ص 453].

واستندا إلى ما رواهُ الإمامُ أحمدُ أنَّ عمرَ أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابَهُ من أهلِ الكتابِ فقرأهُ عليهِ، فغضبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقالَ: «أمتهوِّكون فيها يا بن الخطَّاب؟! والَّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً، لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبروكم بحقٍّ فتكذّبوا به، أو بباطلٍ فتصدّقوا به، والَّذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى كان حيًّا، ما وسعه إلًّا أن يتّبعني». [مسند أحمد، 23/349].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: بطلانُ القصةِ من جهةِ السندِ الأثريِّ

إنَّ الميزانَ العلميَّ الحديثيَّ يثبتُ أنَّ هذهِ القصةَ بجميعِ طرقِها لا تخلو من مقالٍ يمنعُ الاحتجاجَ بها في مقامِ الطعنِ؛ إذْ تدورُ أسانيدُها بينَ الضعفاءِ والمراسيلِ التي لا تقومُ بها حجةٌ.

•          ضعفُ الروايةِ الأولى: الإسنادُ الذي ذكرهُ أحمدُ فيهِ (مجالدُ بنُ سعيدٍ)؛ وهو ضعيفٌ لا يُحتجُّ بهِ.

قالَ عنهُ ابنُ الجوزيِّ: «مجالد بن سعيد بن عمير بن ذي مران الهمذاني الكوفي، يروي عن الشَّعبي، وقيس بن أبي حازم، قال أحمد: ليس بشيء، وقال يحيى، والنّسائيّ، والدّارقطنيّ: ضعيف، وقال يحيى مرّة: لا يحتج بحديثه، وقال، مرّة: صالح، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به». [الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 3/35].

•          ضعفُ الروايةِ الثانيةِ: أحسنُ إسنادٍ وُجدَ لهذهِ القصةِ رواهُ الخطيبُ البغداديُّ؛ ولكنهُ من مراسيلِ الحسنِ البصريِّ. قالَ الإمامُ مسلمٌ: «والمرسل من الرّوايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّةٍ». [صحيح مسلم، المقدمة، 1/29].

وقالَ الإمامُ الذهبيُّ: «ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن». [الموقظة، الذهبي، ص 6].

•          فكيفَ يُبنى طعنٌ في صحابيٍّ جليلٍ على رواياتٍ وصفها المحققونَ بأنَّها لا تخلو من قادحٍ؟ ومنَ القواعدِ العلميةِ أنَّ الدليلَ إذا تطرقَ إليهِ الاحتمالُ بطلَ بهِ الاستدلالُ؛ فكيفَ إذا كانَ الدليلُ ضعيفًا واهيًا منَ الأساسِ؟

ثانيًا: غرضُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم منَ النهيِ (على فرضِ الصحةِ)

لو سلمنا جدلًا بصحةِ القصةِ، فإنَّ غضبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يكن لشكٍّ في عمرَ؛ بل كانَ لحمايةِ جنابِ الشريعةِ من أن يُظنَّ أنَّها تحتاجُ لغيرِها.

•          توجيهُ المعلميِّ: ذكرَ أنَّ الغضبَ كانَ لسببينِ:

الأولُ: إشعارٌ بظنِّ أنَّ شريعتهم لم تُنسخْ؛ ولهذا قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني».

والثاني: أنَّ المشركينَ قالوا عنِ القرآنِ: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان: 5]؛ فكانَ في إتيانِ الصحابةِ بكتبهم ترويجٌ لتكذيبِ المشركينَ. [الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 122].

•          فأينَ الطعنُ في عمر رضي الله عنه وهو الذي أرادَ الاستزادةَ منَ العلمِ والاطلاعِ؟ فلمَّا نُبهَ إلى المفسدةِ المترتبةِ على ذلكَ، كانَ أسرعَ الناسِ انقيادًا وتوبةً؛ وهذا هو شأنُ المؤمنِ الحقِّ الذي يقفُ عندَ حدودِ أمرِ اللهِ ورسولِهِ.

ثالثًا: سرعةُ استجابةِ الفاروقِ وانقيادِهِ للحقِّ

إنَّ كمالَ الإيمانِ يظهرُ في سرعةِ الفيئةِ والرجوعِ عندَ التنبيهِ؛ وهو ما فعلهُ عمرُ رضي الله عنه فورَ رؤيتهِ لغضبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ممَّا يجعلُ القصةَ -إن صحتْ- حجةً لهُ لا عليهِ.

•          النقلُ منَ الروايةِ: وردَ في بعضِ طرقِ الحديثِ أنَّ عمرَ رضي الله عنه قالَ فورًا: «فقمت، فقلت: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبك رسولًا، ثمَّ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم». [الأحاديث المختارة، المقدسي، 1/217].

•          فهل يُذمُّ مَن رضيَ باللهِ ربًا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولًا بمجردِ أنْ لُمِحَ في وجهِ نبيِّهِ الكراهةُ؟ إنَّ هذا الموقفَ يثبتُ أنَّ عمرَ رضي الله عنه لم يكن "متهوكًا" أي متحيرًا في دينهِ؛ بل كانَ باحثًا عنِ الفضلِ، فلمَّا علمَ كراهةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للفعلِ تركهُ في لحظتِهِ.

رابعًا: الإفحامُ بوجودِ كتبِ أهلِ الكتابِ عندَ أئمةِ الشيعةِ

بينما يشنعونَ على عمرَ رضي الله عنه مجردَ محاولةِ قراءةِ كتابٍ من أهلِ الكتابِ؛ نجدُ أنَّ كتبهم الرسميةَ تفتخرُ بأنَّ أئمتهم يملكونَ التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ، ويقرؤونَها، بل ويحكمونَ بها.

•          قراءةُ الأئمةِ للإنجيلِ: روى الكلينيُّ عن هشامِ بنِ الحكمِ أنَّ أبا الحسنِ موسى بنَ جعفرٍ بدأ يقرأُ الإنجيلَ أمامَ أحدِ النصارى، فقالَ لهُ أبو الحسنِ: «يا بُرَيْه، كيف علمك بكتابك؟ قال: أنا به عالم..، فابتدأ أبو الحسن يقرأ الإنجيل، فقال بريه: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة».

وعندما سُئلَ الصادقُ: أنى لكم التوراة والإنجيل؟ قالَ: «هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوا». [الكافي، الكليني 1/227].

•          القراءةُ بالسريانيةِ: روى عالمهم المجلسيُّ أنَّ جماعةً سمعوا أبا جعفرٍ يقرأُ بـ "قراءةٍ سريانيةٍ" بصوتٍ حزينٍ ويبكي، فقالَ لهم: «ذكرت مناجاة إليا النبي، فأبكتني». [بحار الأنوار، المجلسي 26/181].

•          الحكمُ بحكمِ آلِ داودَ: روى الكلينيُّ بسندٍ وصفهُ المجلسيُّ بـ (حسن موثق) أنَّ الصادقَ قالَ: «إذا قام قائم آل محمد، حكم بحكم داود وسليمان، لا يسأل بينة». [الكافي 1/397؛ مرآة العقول، 4/298].

•          فكيفَ يستقيمُ منهم أنَّ حملَ عمرَ رضي الله عنه لكتابٍ يعدُّ "تهوكًا" وشكًا، بينما ينسبونَ لأئمتهم قراءةَ كتبِ النصارى والتباكي بها، ويدَّعونَ أنَّ مهديهم سيحكمُ بحكمِ "آلِ داودَ" ويتركُ شريعةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟! إنَّ هذا هو التناقضُ الفاضحُ.

الخلاصةُ:

1.         سقوطُ الروايةِ: القصةُ لا تثبتُ سندًا؛ ومدارُ طرقِها على الضعفاءِ والمراسيلِ الواهيةِ التي لا تُبنى عليها العقائدُ ولا الأحكامُ.

2.         كمالُ الاتباعِ: لو صحتِ القصةُ، فهي تدلُّ على سرعةِ استجابةِ عمرَ رضي الله عنه للوحيِ وكمالِ انقيادهِ، وهو موقفٌ يُمدحُ بهِ ولا يُذمُّ.

3.         تناقضُ الخصومِ: يشنعونَ على عمرَ رضي الله عنه فعلةً لم تثبتْ؛ بينما ينسبونَ لأئمتهم قراءةَ كتبِ النصارى بالسريانيةِ، ويدَّعونَ أنَّ مهديهم سيحكمُ بالتوراةِ لا بالقرآنِ.

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يضع يده في دُبُر البعير

4.         الطعنُ في عمرَ رضي الله عنه بهذهِ الشبهةِ هو محضُ افتراءٍ وتناقضٍ؛ إذْ يجعلونَ من "المنقبةِ" مذمةً، ويبيحونَ لأئمتهم ما يحرمونَهُ على أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.


لتحميل الملف pdf

تعليقات