يروج الرافضة لشبهة "تعطيل الحدود" والمحاباة في دين الله تجاه أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، زاعمين أنه تحايل لإسقاط حد الزنا عن الصحابي المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، بينما الحقيقة أن عمر رضي الله عنه طبق صريح القرآن والسنة في حماية الأعراض ومنع إقامة الحدود بالشبهات أو بنقصان نصاب الشهادة.
قال الحلي في سياق ذكره للمطاعن على عمر رضي الله عنه: «ومنها: أنه عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهد عليه الزنا، ولقن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة، وقال له: أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلًا من المسلمين، فلَجْلَجَ في شهادته، اتباعًا لهواه، فلما فعل ذلك عاد إلى الشهود فحدهم وفضحهم، فتجنب أن يفضح المغيرة، وهو واحد قد فعل المنكر، ووجب عليه الحد، وفضح ثلاثة، مع تعطيله حكم الله، ووضعه الحد في غير موضعه». [نهج الحق وكشف الصدق، الحلي، ص 280].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: مَنِ "المغيرة بن شعبة" المستهدف بالطعن؟
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه هو أحد أصحاب "بيعة الرضوان" الذين رضي الله عنهم بنص القرآن الكريم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا). [صحيح مسلم، برقم 2496].
فهل يظن عاقل أن من رضي الله عنه وعلم ما في قلبه وأمَّنَه من النار، يقع في هذه الفاحشة العظيمة؟!
ثانيًا: تطبيق شرع الله في نصاب الشهادة (إفحام فقهي)
إن الزنا لا يثبت في شرع الله إلا بأربعة شهود يشهدون بالرؤية المباشرة (كالميل في المكحلة)، وهذا ما لم يتحقق في قصة المغيرة رضي الله عنه؛ حيث شهد ثلاثة وتوقف الرابع (زياد بن أبيه).
1. قاعدة الأربعة: أجمع المسلمون (بمن فيهم الشيعة) على أن الحد لا يقام بأقل من أربعة شهود. يقول عالمهم اللنكراني: «عدم كفاية الأقلّ من الأربعة، ولزوم تحقّق هذا العدد في مقام الشهادة، وعمدة ما يدلّ على عدم كفايته إجماع الطائفة الإمامية واتّفاقهم عليه، بل وإجماع سائر فقهاء المسلمين». [تفصيل الشريعة، ص 288].
2. حد القذف: لما نقص عدد الشهود عن أربعة، صار الشهود الثلاثة في حكم "القاذفين" شرعًا، وتطبيق الحد عليهم (جلد القذف) هو عين الامتثال لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: 4]. فهل تنفيذ عمر لآية صريحة في القرآن يعد "تعطيلًا للحد" أم "إقامة له"؟!
ثالثًا: حقيقة الواقعة وتوجيهها
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه كان "نكّاحًا" للنساء، يتزوج ويطلق كثيرًا، وقد ذكر الذهبي عنه قوله: «لقد تزوجت سبعين امرأة، أو أكثر». [سير أعلام النبلاء، 3/31].
والتوجيه الصحيح الذي ذكره المحققون هو أن المرأة التي رآها الشهود كانت "زوجة" للمغيرة تشبه امرأة أخرى أجنبية، فظن الشهود السوء لبناء الأمر على الشبهة.
قال الشيخ الشنقيطي: «يظهر لنا في هذه القصة أن المرأة التي رأوا المغيرة رضي الله عنه مخالطًا لها عندما فتحت الريح الباب عليهما إنما هي زوجته، ولا يعرفونها، وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية..، فظنوا أنها هي، فهم لم يقصدوا باطلًا، ولكن ظنهم أخطأ». [مذكرة في أصول الفقه، ص 152].
رابعًا: الإفحام الكاسح بموقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه
بينما يشنعون على عمر رضي الله عنه تطبيقه للشرع في "نصاب الشهادة"، نجد في كتبهم رواية تنسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تعطيل حد صريح بعد "اعتراف" صاحبه أربع مرات بفاحشة اللواط!
روى الكليني في "الكافي" بسند وصفه المجلسي بالحسن: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «بينا أمير المؤمنين عليه السلام في ملإٍ من أصحابه إذ أتاه رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قد أوقبت على غلامٍ (فعل اللواط)، فطهِّرني..، فقام، فصلّى ركعتين، ثمَّ جلس في تشهّده، فقال: اللهمَّ إنّي قد أتيت من الذّنب ما قد علمته..، فبكى أمير المؤمنين عليه السلام، وبكى أصحابه جميعًا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قم يا هذا، فقد أبكيت ملائكة السَّماء وملائكة الأرض، فإنَّ الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودنّ شيئًا ممّا قد فعلت». [الكافي، الكليني، 14/79، مرآة العقول للمجلسي، 23/306].
وجه الإفحام:
1. الرجل اعترف أربع مرات (وهو أقصى درجات الثبوت)، واختار القتل حرقًا لتطهيره، ومع ذلك أطلقه علي رضي الله عنه ولم يقم عليه الحد!
2. يدعي الرافضة أن هذا "مخصوص بالإمام" وله العفو حتى عن حدود الله! قال التستري: «وهو مخصوص بالإمام، فعن الباقر عليه السلام: لا يعفو عن الحدود الَّتي لله دون الإمام». [قضاء أمير المؤمنين، ص 29].
السؤال: كيف تبيحون لعلي رضي الله عنه "إسقاط الحد" بعد ثبوته بالاعتراف، وتشنعون على عمر بن الخطاب رضي الله عنه "عدم إقامته للحد" وهو لم يثبت شرعًا لنقصان عدد الشهود؟!
الخلاصة:
• عمر رضي الله عنه طبق القرآن: إنه لم يعطل الحد، بل أقام "حد القذف" على شهود لم يكتمل نصابهم، وهذا هو محض العدل الإلهي في سورة النور.
• المغيرة مبرأ بيقين: المغيرة رضي الله عنه من أهل بيعة الرضوان، وقد ولاه عمر رضي الله عنه على الكوفة بعد الحادثة، ولو كان يشك في صدقه لما ولاه رقاب المسلمين، وهو المعروف بشدته مع الولاة.
• كيل الرافضة بمكيالين: يرمون عمر رضي الله عنه بالتحايل وهو يطبق القانون الجنائي القرآني، بينما يفتخرون بروايات تظهر عليًّا رضي الله عنه وهو يعطل حدًا ثابتًا بالاعتراف الصريح لمجرد أن الرجل بكى!
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يعظم صخرة بيت المقدس
• الحقيقة الجلية: القوم لا يبحثون عن عدل أو شرع، بل غرضهم الطعن في الصحابة، وإلا لكانت رواية "الكافي" في إسقاط علي للحد أولى بالنقد والتمحيص لو كانوا ينصفون.
لتحميل الملف pdf