يحاول الطاعنون النيل من فقه أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بادعاء جهله بمسألة "الكلالة"، معتمدين على نصوص وردت في كتب السُّنة تعكس تورعه وحرصه على ضبط المسائل الدقيقة، بينما يتجاهلون عمدًا ما يطفح به تراثهم من نسبة الجهل للأئمة "المعصومين" في أبسط المسائل، بل وجهل كبار أصحابهم بأركان دينهم!
يقول محمد حسن المظفر في سياق ذكره للمطاعن على الفاروق: «وأفضح من ذلك جهل عمر بمعنى الكلالة». [دلائل الصدق لنهج الحق، 7/276].
ويقول محمد التيجاني: «وقد سئل عن الكلالة فلم يعلمها. أخرج الطبري في تفسيره عن عمر أنه قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليّ من أن يكون لي مثل قصور الشام.
كما أخرج ابن ماجه في سننه عن عمر بن الخطَّاب قال: ثلاث لأن يكون رسول الله بيَّنَهن أحب إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والربا، والخلافة. سبحان الله! حاشا لرسول الله أن يكون سكت عن هذه الأشياء ولم يبينها». [ثم اهتديت، التيجاني، ص 146].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حقيقة مراجعة عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في الكلالة
أخرج الإمام مسلمٌ في صحيحه، عن معدان بن أبي طلحة: «أنَّ عمر بن الخطَّاب، خطب يوم جمعةٍ، فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكرٍ، ثمَّ قال: إنّي لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيءٍ ما أغلظ لي فيه، حتَّى طعن بإصبعه في صدري، وقال: (يَا عُمَرُ، أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ وَإنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)». [صحيح مسلم، برقم 567 و1617].
وجه الدلالة: هذا الحديث يبين أن عدم معرفة عمر رضي الله عنه بالكلالة لم يكن نقصًا في العلم؛ بل كان تربية نبوية للصحابة على "الاستنباط"؛ حيث أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآية التي تكفي لإدراك المعنى، وهي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ...) [النساء: 176].
يقول الإمام النووي معلقًا: «ولعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحًا وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)..، فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلَّا بيسيرٍ من المسائل الحادثة». [شرح النووي على مسلم، 11/57].
ثانيًا: التورع في الفتيا لا الجهل بالمعنى
إن ما نُقل عن عمر رضي الله عنه من تمنيه زيادة البيان في مسألة الكلالة لا يعود لجهله بحكمها، بل هو نابع من شدة "ورعه العلمي" وهيبته من القضاء في أموال المسلمين بغير نصٍ نبوي قاطع يرفع احتمال الاجتهاد، وإليك تفصيل ذلك:
1. كشف خطأ التيجاني في النقل: نقل التيجاني الأثر بلفظ: «أحب إليّ من أن يكون لي مثل قصور الشام»، بينما اللفظ الثابت في المصادر المسندة هو "قصور الروم" أو "جزية قصور الروم".
2. الفرق بين "عدم العلم" و"طلب زيادة البيان": عمر رضي الله عنه كان يفتي في الكلالة ويعرف معناها (وهي مَنْ مات وليس له ولد ولا والد)، ولكن "الكلالة" فيها تفريعات دقيقة في ميراث الإخوة، وكان عمر رضي الله عنه يطمع في "نصٍ قاطع" من النبي ﷺ يغلق باب التنازع والاجتهاد تمامًا.
يقول الحافظ ابن حجر: «وإنما تمنى عمر وقوع النص منه صلى الله عليه وسلم في ذلك ليرتفع الخلاف فيه، لا أنه كان يجهل حكمها بالكلية؛ فقد كان يفتي فيها بوقوع الميراث للإخوة مع الجد». [فتح الباري، 12/27].
3. حرص الحاكم الصالح على إصابة الحق: أن يقول حاكم بوزن عمر رضي الله عنه: "وددت لو سمعت التفصيل من النبي ﷺ" في مسائل المواريث والربا والخلافة، فهذا غاية الإنصاف والتقوى؛ لأنه يخشى الوقوع في الخطأ في قضايا تمس دماء الناس وأموالهم ونظام دولتهم.
فقد روى ابن ماجه في "سننه" عن عمر رضي الله عنه قال: «ثَلَاثٌ لَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلَالَةُ، وَالرِّبَا، وَالْخِلَافَةُ». [سنن ابن ماجه، برقم 2727].
فهل يُذم القاضي الذي يتحرى "نص القانون" الصريح ويخاف من الاجتهاد الشخصي في حقوق العباد؟ بل هذا من كمال عقله ودينه. فالتيجاني حرّف هذا "الورع الفاروقي" وصوّره على أنه "جهل"، وهذا من أقبح التلبيس؛ فمن يتمنى العلم ليس جاهلًا، بل هو أحرص الناس على إصابة عين الحقيقة.
ثالثًا: الإفحام بنسبة الجهل للأئمة "المعصومين" من كتبهم
بينما يشنعون على عمر رضي الله عنه مراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم في مسألة فرعية، نجد كتب الرافضة تطفح بروايات تنسب الجهل لعلي رضي الله عنه وغيره من "معصوميهم" في أحكام الطهارة والواقع:
1. علي رضي الله عنه وحكم المذي: روى الطوسي بسنده عن إسحاق بن عَمَّار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سألته عن المذي فقال: إن عليًّا عليه السلام كان رجلًا مذَّاءً، واستحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لمكان فاطمة عليها السلام، فأمر المقداد أن يسأله وهو جالس، فسأله فقال له: (لَيْسَ بِشَيْءٍ)». [تهذيب الأحكام، الطوسي، 1/17، وقال المجلسي في ملاذ الأخيار 1/96: الحديث موثق].
السؤال: أين "العلم اللدني" المزعوم إذا كان الإمام يجهل حكم طهارة جسده؟!
2. عجز معصوميهم عن جواب النبي ﷺ: روى الأربلي: «وروي عن علي عليه السلام قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أخبروني أي شيء خير للنساء؟) فعيينا بذلك كلنا حتى تفرقنا، فرجعت إلى فاطمة عليها السلام، فأخبرتها الذي قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس أحد منا علمه ولا عرفه، فقالت: ولكني أعرفه، خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال..،». [كشف الغمة، الإربلي، 2/94].
السؤال: كيف "يعيى" علي رضي الله عنه -وهو باب مدينة العلم عندهم- عن جواب سؤال بسيط كهذا؟!
3. علي رضي الله عنه ومحارم الرضاع: جاء في "الكافي" بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة، فقال: (أَمَا علمت أنّها ابنة أخي من الرّضاع؟)». [الكافي، الكليني، 10/868، وصححه المجلسي في مرآة العقول، 20/220].
الإشكال: هنا نسبوا لعلي جهله بالواقع (أنها ابنة أخيه من الرضاع) وجهله بالحكم الشرعي (تحريم الزواج منها).
4. جهل جعفر الصادق باللغة والواقع: روى الطوسي بسنده عن سلمة بن محرز، قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن رجلًا أرمانيًّا مات، وأوصى إليّ، فقال: وما الأرماني؟ قلت: نبطي من أنباط الجبال». [تهذيب الأحكام، الطوسي، 9/277].
السؤال: كيف يجهل الإمام "المحيط بكل لغات الأرض" معنى كلمة "أرماني"؟!
رابعًا: الإفحام بجهل كبار أصحابهم "بأصل الدين"
إذا كان جهل عمر بمسألة فرعية مطعنًا، فما بالكم بكبار أصحاب الأئمة الذين جهلوا أهم ركن عندكم وهو "الإمامة"؟! يقول عالمهم المعاصر محمد آصف محسني: «ولكن العجب من مثل زرارة الذي له صلة قديمة بالباقر والصادق عليهم السلام وله مقام علمي ممتاز؛ كيف لم يكن عارفًا بوصي الصادق عليه السلام، بل بأعيان الأئمة الباقية إلى ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه)؟! وهذه المعرفة وإن لم تكن واجبة على مثل زرارة، لكن جهل زرارة بمثلها عجيب جدًّا». [معجم الأحاديث المعتبرة، 1/136-137].
التحليل القاتل: زرارة بن أعين، الذي تدور عليه أحاديث الشيعة، مات وهو لا يعرف إمامه، ووضع المصحف على صدره وقال: "اللهم إني أؤمن بإمام هذا المصحف"!
1. فهل يصح مقارنة مراجعة عمر رضي الله عنه في مسألة "مواريث" بجهل زرارة "بأصل الإيمان"؟!
2. وإذا كان الصادق لم يخبر زرارة -كما برر محسني- فهل فرَّط الإمام في تعليم أصحابه أعظم أركان الدين؟!
الخلاصة:
• تورع الفاروق: مراجعة عمر رضي الله عنه كانت طلبًا لليقين في مسألة دقيقة، وقد أرشده النبي ﷺ إلى آية "الصيف" ليعلمه الاستنباط.
• سقوط دعوى العصمة: الروايات الموثقة في كتب الرافضة تثبت جهل علي والأئمة بأحكام المذي، ومحارم الرضاع، ومعاني الكلمات، وعجزهم عن جواب النبي ﷺ؛ مما ينسف أسطورة العلم اللدني والعصمة.
• التناقض الصارخ: التشنيع على عمر رضي الله عنه بمسألة "فقهية فرعية" يقابله عند الرافضة جهل كبار علمائهم (كزرارة) بـ "الإمامة" التي هي أصل الدين عندهم؛ فأيهما أشنع؟!
اقرأ أيضا| بالدليل اللغوي والقرآني.. رامي عيسى يفند بطلان طريقة غسل المرافق عند الشيعة (فيديو)
• النتيجة: الفاروق عمر رضي الله عنه هو "المحدث الملهم" بنص الأحاديث الصحيحة، وتورعه في الفتيا منقبة له، وجهل القوم بأبسط المسائل في كتبهم فضيحة لهم بِلا شَكّ!
لتحميل الملف pdf