أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

افتراؤهم على لفظة (زراط) وتدليسهم في مخارجها ومعانيها

يرى الطاعنون من الروافض أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام في صلاته بتبديل الصاد ظاءً في كلمة (الصراط) في سورة الفاتحة: (ظراط الذين أنعمت عليهم)؛ وراحوا يلمزون بذلك بأسلوبٍ سوقيٍّ قذر إلى المعنى اللغوي المستقذر للكلمة، قاصدين تصوير الفاروق رضي الله عنه بمظهر الجاهل بلسان العرب أو صاحب القراءة المستهجنة التي تثير السخرية في أقدس شعيرة وهي الصلاة.

يقول النباطي: «ومن طرائفه في القراءة ما نُسب إليه من قراءته بالظاء في الصراط، وما ذلك إلا لثقله على لسانه أو لـهوًى في نفسه ليخالف ما عليه الجماعة، فصار يقرأ بـما يضحك منه الصبيان». (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، لزين الدين النباطي البياضي، 3/26).

ويقول غيره: «ولم يقف اجتهاده عند الأحكام، بل تعدى إلى الحروف والقراءات، فصار يقرأ بـألفاظٍ غريبة تخرج بالقرآن عن فصاحته، ومنها ما رُوي عنه في الفاتحة من قراءة (الصراط) بوجهٍ يقترب من الظاء، مما جعل القراء من بعده يحارون في توجيهه. (النص والاجتهاد، عبد الحسين شرف الدين، ص 241)

الرد التفصيلي على الشبهة:

تُعدُّ هذه الشبهة "فضيحةً علميةً" لمن أثارها؛ فهي تكشفُ جهلًا مطبقًا بـعلوم القراءات وأصوات اللغة العربية، كما تكشفُ عن تدليسٍ متعمدٍ بـتحريف "الإشمام الصوتي" إلى "لفظٍ قبيح"؛ وإليك التفصيل:

أولًا: حقيقة القراءة وعلم الأصوات

إنَّ ما يلمز به الجُهَّالُ عمرَ رضي الله عنه هو في حقيقته وجهٌ من وجوه القراءات المتواترة التي نزل بها الوحي ونطق بها النبي صلى الله عليه وسلم.

فكلمة (الصراط) في لسان العرب وقراءات الذكر الحكيم تُقرأ على ثلاثة أوجهٍ شهيرة:

1.         بالصاد الخالصة: (الصراط)، وهي قراءة الجمهور.

2.         بالسين الخالصة: (السراط)، وهي لغة قريش وقراءة قُنبل عن ابن كثير.

3.         بإشمام الصاد صوت الزاي: وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف بـعشرته.

وهذا الوجه الثالث (الإشمام) هو الذي قرأ به الفاروق رضي الله عنه؛ ومعناه أن يُنطق الحرف بصوتٍ مزيجٍ بين "الصاد" و"الزاي"، فيأخذ من الزاي جهرها ومن الصاد إطباقها.

وهذا الصوت في الأذن غير الخبيرة، أو لغير الفصيح من العجم، يظهر كأنه "ظاء" أو "زاي مفخمة"؛ بسبب ثقل الإطباق.

فمن سخر من قراءة عمر رضي الله عنه، فقد سخر من قراءة حمزة والكسائي المتواترة التي يقرأ بها المسلمون اليوم في مشارق الأرض ومغاربها.

•          انظر «النشر في القراءات العشر»، لابن الجزري (2/15-16)، و«حرز الأماني» (الشاطبية)، للإمام الشاطبي (باب أم القرآن).

ثانيًا: المجانسة الصوتية.. معجزة اللسان العربي

يؤكد أئمة اللغة أنَّ قلب الصاد زايًا أو إشمامها صوتها إذا وقعت قبل الطاء (مثل: الصراط، يصدر، مصيطر) هو قمة الفصاحة العربية؛ ويُسمى في علم الأصوات بـ "المجانسة".

والهدف منه: تسهيل الانتقال من حرفٍ مهموس (الصاد) إلى حرفٍ مجهرٍ مطبق (الطاء)؛ لتقارب المخارج.

•          يقول سيبويه: «إنَّ العرب تُشمُّ الصاد صوت الزاي لتواخي الطاء في الجهر». [الكتاب، 4/477].

•          ويقول ابن جني: «هذا من باب تقريب الحرف من الحرف لتسهيل النطق». [الخصائص، 2/62].

فالفاروق رضي الله عنه كان يقرأ بـأفصح لغات العرب؛ فجاء "الأعاجم" فكريًّا ولسانًا ليحولوا هذا الإعجاز الصوتي إلى مادةٍ للسخرية!

ثالثًا: اعترافُ علماء الشيعة بـفصاحة هذه القراءة

من أعجب العجب، أنَّ الطاعنين يلمزون الفاروق رضي الله عنه بفعلٍ يقرُّ علماؤهم ومفسروهم بـأنه فصيحٌ وقرآني!

•          يقول الطبرسي في «مجمع البيان»: «والصراط يُقرأ بالصاد والسين والزاي، فمن قرأ بالزاي فلأنَّ الصاد إذا وقعت قبل الطاء قلبت زايًا؛ لتقرب من الطاء في الجهر». [مجمع البيان في تفسير القرآن، 1/65].

•          ويقول الطوسي في «التبيان»: «والصراط لغة فصيحة بالزاي لـمؤاخاة الطاء». [التبيان في تفسير القرآن، 1/43].

فهؤلاء علماؤكم ومفسروكم يرونها "لغة فصيحة"؛ فلماذا تصبح عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه "ظراطًا" مستقذرًا؟! أليس هذا هو الحَوَل الفكري والكيل بمكيالين؟

رابعًا: ردُّ أئمة السُّنة على هذا الخلط الأعجمي

لقد بين علماء الإسلام قديمًا أنَّ نسبة "الظاء" لعمر هي وهمٌ وقع فيه الجاهل بسبب عدم تمييزه للصوت؛ ثم استغلها الرافضة للطعن:

•          يقول الإمام القرطبي: «وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالزاي المشمة صوتًا، فظنها الجاهل ظاءً لعدم تمييزه بين المخارج، فجعلوها مادة للتندر». [الجامع لأحكام القرآن، 1/148].

•          ويقول مكي بن أبي طالب: «إنَّ بعض من لا علم له باللغة يظن الإشمام ظاءً، وهذا جهلٌ بمحاورات العرب». [الكشف عن وجوه القراءات، 1/220].

خامسًا: بذاءة اللسان علامة المفلس

إنَّ لجوء هؤلاء إلى ربط "الإشمام الصوتي" بكلمة "الضراط" المستقذرة، هو إفلاسٌ أخلاقيٌّ؛ فالفاروق الذي دكَّ حصون الظلم، وكان الشيطان يفرُّ من طريقه، وجعل الله الحق على لسانه وقلبه؛ لا ينالُ منه لسانُ حاقدٍ يجهلُ لغته، ويحرفُ قراءته. وما هذه البذاءة إلا دليلٌ على عجزهم عن مواجهة "عدل" عمر رضي الله عنه، فذهبوا يلمزون "مخارج حروفه" بـالباطل.

سادسًا: قبائحُ ما نسبوه للوحي الشريف

إنَّ الذي يتطاول على مخارج حروف الفاروق، يغضُّ الطرف عن فظائع في كتبه تنسبُ للوحي وللأئمة تأويلاتٍ يندى لها الجبين؛ ومنها:

1.         تفسير "البعوضة" بـالنبي وعلي: ففي «تفسير القمي» (1/34)، يروي عند قوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}؛ قال: «البعوضة أمير المؤمنين، وما فوقها رسول الله»!

فأيُّ إهانةٍ للوحي أعظم من هذا التمثيل المقيت والتفسير الأعور؟

2.         تبديل "السبق" بـ"الفسق": روى العياشي في تفسيره (2/216) في قوله تعالى: {أولئك هم السابقون}؛ قال: «بل هي: (أولئك هم الفاسقون)»!

3.         دعوى ضياع القرآن: روى الكليني في «الكافي» (٦٣٤/٢) بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية». قال المجلسي: "موثق" مرآة العقول (٢/٥٢٥).

إنَّ الخلاف في هذه الشبهة خلافٌ عقديٌّ يهدف إلى هدم "حجية القراءات" من خلال الطعن في أكابر الصحابة.

لكن من يزعم أنَّ القرآن مُحرَّفٌ في أصوله، ويصفُ النبي صلى الله عليه وسلم بـ"البعوضة" في تفاسيره؛ ليس له حقٌّ في نقد مخرج حرفٍ متواترٍ نطق به الفاروق رضي الله عنه فصاحةً وصدقًا.

الخلاصة:

1.         قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي (إشمام الصاد صوت الزاي)؛ وهي لغةٌ عربيةٌ فصيحة وقراءةٌ قرآنية متواترة (قراءة حمزة والكسائي).

2.         علماء الشيعة (الطوسي والطبرسي) شهدوا بـفصاحة هذه القراءة وصحتها لغويًا؛ مما يكشف تناقض الطاعنين المعاصرين.

3.         تحريف "الصوت الزايي" إلى "ظاء" للسخرية هو محضُ جهلٍ بـالمخارج وتدليسٍ متعمدٍ للنيل من مقام الفاروق رضي الله عنه.

اقرأ أيضا| قراءة الفاروق رضي الله عنه: (صراط مَنْ أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين)

4.         المصادر التاريخية تثبت أنَّ "الجاهل" هو من ظنها ظاءً، والرافضة اليوم يتبنون "جهل الجاهل" ويجعلونه دينًا يطعنون به في الصدر الأول.


لتحميل الملف pdf

تعليقات