أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن عائشة كانت ابتلاءً للأمة

قالت الشيعة: «إن الحكمةَ من زواج النبي من أم المؤمنين عائشة أنها كانت مجرد ابتلاء للأمة، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري من حديث أبي مَرْيَمَ عَبْدِ اللهِ بْن زِيَادٍ الأَسَدِيِّ قَالَ: «لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى البَصْرَةِ، بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْن يَاسِرٍ وَحَسَن بْن عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنبَرَ، فَكَان الحَسَن بْن عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنبَرِ فِي أَعْلَاهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِن الحَسَن، فَاجْتَمَعْنا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: «إِن عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَاللهِ إِنهَا لَزَوْجَةُ نبِيِّكُمْ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِن اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ابْتَلَاكُمْ؛ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُون أَمْ هِيَ»([1]).

يقول عبد الصمد شاكر: «أقول: جَعَلَ عمارُ متابعةَ عائشة في حرب الجمل في مقابل متابعة المسلمين لله»([2]).

وقال أحد الرافضة: «والمستفاد مما ذكره عمار هو أن عائشة جُعِلَت من قبل الله تعالى ابتلاءً وامتحانًا للأمة، فمن يطيع الله تعالى ويعصيها نجَا وفاز بالجنة، ومن يطيعها ويعصيه هلك وهوى في النار! وذلك قول عمار: «لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُون أَمْ هِيَ؟»([3]).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: يلزم الرافضة القول بأن الله قد أضل الخلقَ

لا يمكن عند كل عاقل أن يزوج الله نبيه من امرأة، ويشرفها بلقب عظيم «أم المؤمنين»، ويوجب تعظيمها وإكبارها واحترامها، وفي الوقت نفسه تكون الحكمة الوحيدة أنها مجرد ابتلاء للأمة؟!

فهذا أقرب إلى التلبيس منه إلى الحكمة والبيان، بل كيف يقبل الشيعي أن يأخذ اعتقادًا من صحابي وهو غير معصوم عندهم! ثم يجعل الله الهدف الوحيد من زواج النبي ق منها هو اختبار الأمة بها في موقف حدث بعد موت النبي بخمس وعشرين سنة؟!

فأين كانت هذه الحكمة طَوَال الفترة السابقة؟! وأين بَيَّن النبي  لأمته أنه تزوج عائشة ليختبر بها الناس؟!

فعلى هذا القول الرافضي يلزمهم أن يقولوا بأن الله قد تعمد إضلال هذه الأمة بعد موت نبيها !.

ثم إن الحكمة الكبرى من زواج أم المؤمنين عائشة  ذكرها ربنا في كتابه: [اذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا] {الأحزاب:34} وهذا عموم يشمل كل نساء النبي اللاتي خوطبن بهذه الآية، وليس لأحدٍ تخصيص هذا العموم فـ «إن الْقَوْلَ الْعَامَّ إذَا قُرِن بِهِ الْخَاصُّ وَجَبَ أَن يُقْرَن بِهِ الْبَيَان، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنهُ؛ لِئَلَّا يَقَعَ السَّامِعُ فِي اعْتِقَادِ الْجَهْلِ، وَلَمْ يَقْتَرِن بِشَيْءِ مِن هَذِهِ الْكَلِمَاتِ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِالْعُمُومِ»([4]).

فاعتقاد المسلمين قاطبةً جلالةُ قدر أمهات المؤمنين، ووجوب تعظيمهن واحترامهن وتبجيلهن، ومن أجل هذا الفهم المترسخ في أذهان الأمة من عهد الرعيل الأول إلى يومنا هذا أراد عمار أن يفرق بين مختلفين حتى تتضح الأمور للناس، فلا يخلطوا بين وجوب الاحترام والإكبار والتعظيم لشخص، وبين ترك موجب الدليل، فبيَّن أنه يعتقد في أم المؤمنين عائشة ما يعتقده الناس وأنها أم المؤمنين، وهي زوجة النبي  في الدنيا والآخرة، وتعظيمها من تعظيم رسول الله، ولكن هذا لا يعنى أنها معصومة من الخطأ.

ثانيًا: أسباب قول عمار هذه المقالة

معرفته أن قلوب الناس تميل إلى تعظيم قدر أم المؤمنين وزوجة النبي، ودل على ذلك قوله: «واللهِ إِنهَا لَزَوْجَةُ نبِيِّكُمْ ق فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ» فقد كان عمار يعلم أن مقتضى هذه الأمومة الإجلال والتعظيم والتشريف والإكبار، والنفوس مجبولة على طاعة من هذا حاله، وتأويل كل قول خالف قوله، فلما علم عمار ذلك ذكر لهم أنه مقر لفهمهم وكونها أمهم التي يجب عليكم تعظيمها وتوقيرها وإكبارها، ولكن الطاعة لغير المعصوم إنما تكون في المعروف، وفيما دل عليه الدليل([5])، ولذلك خاف عمار مِن انصراف الناس عن علي بن أبي طالب ا، وقد خفي الحق بسبب ذلك على الكثير.

وقد ذكرت الإمامية من ذلك طرفًا في غير عمار، فذكروه في الحسن البصري الذي قال عنه بحر العلوم: «إنه كان صاحب مذهب من المذاهب المشهورة التي عليها مدار الإسلام([6])، ومع ذلك فقد كان لا يشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، ولم يعرف أن الحق مع علِي إلا بمعجزة -بزعمهم- وهذا يثبت أن الأمر كان فتنةً واجتهادًا، ولذلك خفي الحق فيه على كثيرين»([7]).

وفي «الاحتجاج»: فقال الحسن البصري: والله لأصْدُقَنك يا أمير المؤمنين، لقد خرجت في أول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علَي سلاحي، وأنا لا أشك في أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ناداني منادٍ: يا حسن، إلى أين؟ ارجع؛ فإن القاتل والمقتول في النار، فرجعت ذعرًا وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن أم المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت، وصببت علَي سلاحي وخرجت أريد القتال، حتى أنهيت إلى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: يا حسن، إلى أين؟ مرة بعد أخرى؛ فإن القاتل والمقتول في النار، قال علِي : صدقك».

وبغَضِّ النظر عن كذب هذه الرواية، إلا أننا أتينا بها لنفهِم المتعصب العنيد حقيقة الفتنة، ولماذا قال عمار ذلك، فهؤلاء كانوا يرون حق الأمومة والطاعة للخروج معها.

ومن أسباب ذلك أيضًا اختلاف أصحاب عثمان بن حنيف (والي علي على البصرة) عليه وانقسامهم لفريقين، فأراد أن يبين لهم أن فريق عَلِي لا تثريب عليه إن قاتل من وعدها الله بالجنة، فليس من شرط أهل الجنة أن يكونوا معصومين.

قال محب الدين الخطيب في حاشية كتاب: «الذين كانوا في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فَجَرَا وغَدَرَا، وقالَا الباطل وأمَرَا به؛ قد بايعَا ثم جاءَا يقولان ما يقولان، والذين كانوا في الميمنة يقولون: صَدَقَا وبَرَّا، وقالا الحق وأمرَا بالحق، وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا، إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين، فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم، ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا... ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة، وبقي بعضهم مع عثمان بن حنيف»([8]).

قال المعلمي: «أكثر الناس مغرورٌ بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ، والدليل قائم على خلاف قوله في كذا، فدل ذلك على أنه أخطأ، ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه، قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه، فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا، فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه.

خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل واقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة، فقال: «وَوَاللهِ إِنهَا لَزَوْجَةُ نبِيِّكُمْ ق فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِن اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ابْتَلَاكُمْ؛ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُون أَمْ هِيَ»([9]).

أخرجه البخاري في «الصحيح» من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار، فلم يُؤَثِّر هذا في كثير من الناس، بل روي أن بعضهم أجاب قائلًا: «فنحن مع من شهدت له بالجنة يا عمار».

فلهذا كان من أهل العلم والفضل مَن إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم فيه، إما لأن حالهم غير حاله، وإما لأنه يراه أخطأ، أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل؛ لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه.

فمن هذا: ما في «المستدرك»([10]) «عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص في نفر فذكروا عليًّا فشتموه، فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول... فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك ويسميك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك، ثم قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلع ذلك أمانته...»([11]).

وفي الصحيحين وغيرهما عن علي  قال: «ما سمعت رَسُولَ اللهِ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص)، فإني سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد، ارم فداك أبي وأمي»([12]).

وتروى عن كلمات أخرى من ذا وذاك، وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة، فكان علِي إذا كان في جماعة يخشى أن يتبعوا سعدًا بالقعود ربما أطلق -غير كاذب- كلمات توهم الغض من سعد، وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعدًا ذكر فضله.

ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكًا من إطلاق كلمات فيها غض من مالك، مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين».

ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري، وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد»([13]).

فقول عمار عن أم المؤمنين عائشة من هذا الباب، وقد حفظ لها عمار ا مقامها وشرفها ونافح عنها، وقبَّح قول كل خبيث يتكلم فيها، فعَن عَمْرِو بْن غَالِبٍ: «أَن رَجُلًا نالَ مِن عَائِشَةَ عِندَ عَمَّارِ بْن يَاسِرٍ، فَقَالَ: اغْرُبْ مَقْبُوحًا مَنبُوحًا، أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللهِ ق؟»([14]).

ثالثًا: الابتلاء في كلام عمار هو الاتباع بغير دليل موجب

إن الابتلاء الواضح في كلام عمار لكل عربي، هو الابتلاء نفسه في كل من لم يكن معصومًا، فلقد ابتلانا الله بكل أحد في هذه الأمة غير معصوم، وذلك أنه يكون عرضة للخطأ، فإذا كان معظَّمًا في النفوس فإنها تستعظم مخالفته، فكان هذا مما ابتلانا الله به ليعلم إياه نطيع بالدليل، أم نطيع هذا المعظم على غير بيِّنة؟!

فمثلًا: إذا اختلف الشافعي مع مالك، وكان الدليل الأظهر والأقوى مع الشافعي، فهنا يصح أن نقول: «لقد ابتلانا الله بمالك؛ ليعلم إياه نطيع أم الشافعي».

وإذا اختلف المفيد مع الصدوق في مسألة في العقيدة، ويتهم المفيدُ الصدوقَ بأخذ بعض عقائده من النصارى، ومن ذلك مثلًا: ما قاله الصدوق عن أهل الجنة، «وأن منهم المتنعمين بتقديس الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته...»([15])، فرد عليه المفيد وبيَّن أن هذا اعتقاد النصارى([16]).

فهنا يجوز لنا على مباني هؤلاء أن نقول: «إن الله خلق الصدوق؛ ليبتلي الشيعة به ليعلم إياه يطيعون أم المفيد»!

رابعًا: كل ما خرج على وجه الخصوص لا يمكن تعميمه إلا بدليل

كلام عمار كان خاصًّا بتلك الواقعة وليس على عمومه كما ادعت الرافضة، وإلا فلماذا لم يبين هو أو غيره للأمة هذا الأمر قبل تلك الواقعة؟ فمن الواضح لكل أحدٍ أنه يقصد أن يستمر أصحاب علي معه على بيعتهم، ولا ينفَضُّوا عنه، كما فعل أسلافُ الرافضة الذين كانوا في جيش علي، ثم إن مجرد الخروج لجمع كلمة الناس على المطالبة بقتل قتلة عثمان ليس فيه معصية لكتاب ولا لسنة رسوله ق.

قال ابن الملقن: «وليس في الإسلام أحد يقول: إن عائشة دعت إلى أميرٍ معها، ولا عارضت عليًّا في الخلافة، ولا نازعته لأخذ الإمارة، وإنما أنكرت عليه منعه من قتلة عثمان، وتركهم دون أن يأخذ منهم حدود الله، ودون أن يقتص لعثمان منهم، لا غير ذلك»([17]).

وقال القَسْطَلاني: «ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام ولا ألا تكون زوجة النبي في الجنة، وكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحرّيه قول الحق، وقال ابن هبيرة في هذا الحديث: إن عمارًا كان صادق اللهجة، وكان لا تستخفه الخصومة إلى تنقيص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب»([18]).

وفي النهاية هذا رأي رآه عمار في عدم جواز التحاق الناس بصف أم المؤمنين عائشة، ورأيه غير ملزم للأمة كما سترى.

خامسًا: عدم ثبوت العصمة لعمار عند الرافضة!

من المتفق عليه أن عمار بن ياسر ليس معصومًا، لا عند الشيعة ولا عند أهل السنة، ففي "اختيار معرفة الرجال" عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله: «ارتد الناس إلا ثلاثة: أبو ذر، وسلمان، قال: فقال أبو عبد الله S: فأين أبو ساسان وأبو عمرة الأنصاري؟»

وعن أبي بصير، عن أبي جعفر قال: «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك إلى علي  فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت والله أحق الناس وأولاهم بالنبي، هلم يدك نبايعك؛ فوالله لنموتن قدامك! فقال عليٌّ : إن كنتم صادقين فاغدوا غدًا عليَّ محلقين فحلق علِي  وحلق سلمان وحلق مقداد وحلق أبو ذر، ولم يحلق غيرهم.

ثم انصرفوا فجاؤوا مرة أخرى بعد ذلك، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت أحق الناس وأولاهم بالنبي، هلم يدك نبايعك، فحلفوا فقال: إن كنتم صادقين فاغدوا علَي محلقين، فما حلق إلا هؤلاء الثلاثة، قلت: فما كان فيهم عمار؟ فقال: لا. قلت: فعمار من أهل الردة؟ فقال: إن عمارًا قد قاتل مع علي بعد»([19]).

فهل أصبح عمارٌ اليوم هو المشرع الأول للرافضة؛ مع تجويزهم الردة عليه في وقت دون وقت، وإقرارهم بوقوعه بها وانغماس قدميها فيها؟! فإن لم يكن قول عمار حجة على الرافضة، فليس بحجة كذلك على غيرهم.

سادسًا: الخطأ في الاجتهاد لا يقتضي إثم المجتهد إن كان من أهله

تخطئِةُ عمار لموقف أم المؤمنين عائشة ل ليس معناه لحوق الإثم بها، بل هي مأجورة لكونها من أهل الاجتهاد، ومن المتفق عليه عند المسلمين والرافضة أن الخطأ في الاجتهاد وتقدير الأمور مغفور، وإن كانت أم المؤمنين قد اجتهدت فاحتمل اجتهادها الصواب كما احتمل الخطأ، فكذلك عمار في فعله وقوله قد اجتهد، واجتهاده يحتمل الصواب والخطأ، اللهم إلا إن قالت الشيعة بعصمة عمار.

قال المجلسي: «قوله : «فمن أخطأ حكم الله» أي: بلا دليل معتبر شرعًا لتقصيره، أو مع علمه ببطلانه، فلا ينافي كون المجتهد المخطئ غير المقصر مصيبًا ومثابًا، وهذا كلام واضح صريح في إثابة المجتهد المخطئ»([20]).

بل إن اجتهد المجتهد فتسبب في وقوع فعل حرام فلا إثم عليه كما يقرر الخوئي فيقول: «حكم الخطأ في بيان الفتوى، يقع الكلام في هذه المسألة تارة فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالإباحة، ثم ظهر أن فتواه هو الحرمة أو الوجوب، أو أن المجتهد أخطأ في بيان فتواه فأفتى بالإباحة مع أن فتواه الحرمة أو الوجوب، كما إذا سئل عن العصير العنبي إذا غلى فأفتى بعدم الحرمة فيهما، فقد سببا إلى وقوع المكلف في ترك الواجب أن فعَل الحرام، وغاية الأمر: أنهما ما داما غافلين ومستمرين في اشتباههما فهما معذوران في التسبيب إلى الحرام، فإذا ارتفعت غفلتهما، والتفتا إلى الحال، وجب عليهما إعلام الجاهل، وبيان أن الفعل واجب أو حرام، وأن الافتاء بالإباحة أو نقلها، إنما صدر غفلة ونحوها»([21]).

سابعًا: باب التوبة مفتوح لا يغلقه إلا الله وحده

ونقول تنزلًا: ماذا لو كانت أم المؤمنين عائشة  أخطأت ثم تابت؟ أهي أعظم من داوود  الذي أخطأ ثم تاب واستغفر؟!

ففي (تفسير الميزان): «قوله تعالى: [وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ] {ص:24} أي: علم داود أنما فتنَّاه بهذه الواقعة، أي أنها إنما كانت فتنة فتناه بها، والفتنة الامتحان.

 وقيل: ظن بمعناه المعروف الذي هو خلاف اليقين، وذِكْرُ استغفاره وتوبته مطلقين يؤيد ما قدمناه، ولو كان الظن بمعناه المعروف كان الاستغفار والتوبة على تقدير كونها فتنة واقعًا وإطلاق اللفظ يدفعه... والإنابة إلى الله -على ما ذكره الراغب- الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل، وهي من النوب بمعنى رجوع الشيء مرة بعد أخرى. والمعنى: وعلم داود أن هذه الواقعة إنما كانت امتحانًا امتحناه، وأنه أخطأ فاستغفر ربه -مما وقع منه- وخر منحنيًا وتاب إليه»([22]).

وفي شأن ندمها على الخروج أخرج عبد الرزاق الصنعاني في «مصنفه» أنها ل قَالَتْ: «إِنمَا أُرِيدُ أَن يَحْجِزَ بَيْن الناسِ مَكَاني، قَالَتْ: وَلَمْ أَحْسَبْ أَن يَكُون بَيْن الناسِ قِتَالٌ، وَلَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ أَبَدًا، قَالَتْ: فَلَمْ يَسْمَعِ الناسُ كَلَامِي، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيَّ، وَكَان الْقِتَالُ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُون مِن قُرَيْشٍ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ بِخِطَامِ جَمَلِ عَائِشَةَ حَتَّى لَا يُقْتَلَ، ثُمَّ حَمَلُوا الْهَوْدَجَ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَنزِلًا مِن تِلْكَ الْمَنازِلِ، وَجُرِحَ مَرْوَان جِرَاحًا شَدِيدَةً، وَقُتِلَ طَلْحَةُ بْن عُبَيْدِ اللهِ يَوْمَئِذٍ»([23]).

وخلاصة القول: أنه إذا كان عمار علم أن الله ابتلى المؤمنين بعائشة رضي الله عنها بخبر عن النبي  لزم أن قوله إنها زوجة النبي في الجنة أيضًا بوحي من الله لنبيه، وإذا كان قال إنها زوجة النبي في الجنة باجتهاد منه فقوله إن الله ابتلاهم بها أيضًا باجتهاد منه، ودونكم المسألة فانظروا ماذا ترون؟

اقرأ أيضا| زعمهم منع عَائِشَة الحسن من الدفن بجوارِ جَدِّه 

 

 

([1]) صحيح البخاري (9/55).

([2]) نظرة عابرة إلى الصحاح الستة، عبد الصمد شاكر (ص158).

([3]) الفاحشة (ص258).

([4]) مجموع الفتاوى (4/363).

([5]) قال ابن القيم في سياق ذكره للأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان الذي علمه الله الإنسان وفطره على قبوله: «السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله وبدعته إلى جليل القدر نبيه الذكر من العقلاء، أو من آل البيت النبوي، أو من حل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق؛ ليحليه بذلك في قلوب الأغمار والجهال، فإن من شأن الناس تعظيم كلام من يعْظُم قدره في نفوسهم، وأن يتلقوه بالقبول والميل إليه؛ وكلما كان ذلك القائل أعظَم في نفوسهم، كان قبولهم لكلامه أتم، حتى إنهم لَيُقَدِّمونه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم بالله ورسوله منا، وبهذه الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصَيْرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم، حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ق، لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم، فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم، واللهج بذكرهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأولى الناس بهم، ثم نفقوا باطلهم وإفكهم بنسبته إليهم، فلا إله إلا الله! كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نفقت في الوجود بنسبتها إليهم وهم براء منها براءة الأنبياء من التهجم والتعطيل، وبراءة المسيح من عبادة الصليب والتثليث، وبراءة رسول الله ق من البدع والضلالات؟!

وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس، وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله ولا حجة قادَتْهم إلى ذلك، وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، فإنهم لحسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل، وكانوا أعظم في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وإن هم كانوا على الباطل، وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة». الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (2/441 - 443).

([6]) الفوائد الرجالية (3/125).

([7]) الاحتجاج، الطبرسي (1/251).

([8]) العواصم من القواصم، ط الأوقاف السعودية (1/154-155).

([9]) صحيح البخاري (9/55) ط السلطانية.

([10]) المستدرك (2/329).

([11]) صحيح البخاري (4/39)، صحيح مسلم (4/1876).

([12]) المستدرك (2/329).

([13]) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/190 - 192).

([14]) المسند الجامع (13/475).

([15]) الاعتقادات في دين الإمامية (ص76).

([16]) تصحيح اعتقادات الإمامية (ص117).

([17]) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/370).

([18]) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، القسطلاني (10/194).

([19]) اختيار معرفة الرجال (1/38 - 39).

([20]) ملاذ الأخيار، المجلسي (10/10- 11).

([21]) الاجتهاد والتقليد (ص371).

([22]) تفسير الميزان (17/193).

([23]) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (5/452).

وعند الرافضة فإن كل الذنوب مغفورة بدون توبة، قال الطوسي: «وهذه الآية من آكد ما دل على أن الله تعالى يعفو عن المذنبين من غير توبة، ووجه الدلالة منها: أنه نفى أن يغفر الشرك إلا مع التوبة، وأثبت أنه يغفر ما دونه، فيجب أن يكون مع عدم التوبة؛ لأنه إن كان ما دونه لا يغفره إلا مع التوبة، فقد صار ما دون الشرك مثل الشرك، فلا معنى للنفي والإثبات، وكان يجب أن يقول: «إن الله لا يغفر المعاصي إلا بالتوبة»، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم: أنا لا أعطي الكثير من مالي تفضلًا، وأعطي القليل إذا استحق علي؟ لأنه كان يجب أن يقول: أنا لا أعطي شيئًا من مالي إلا إذا استحق علي، كيف وفي الآية ذكر العظيم الذي هو الشرك، وذكر ما هو دونه؟ والفرق بينهما بالنفي والإثبات، فلا يجوز ألا يكون بينهما فرق من جهة المعنى، فإن قيل: نحن نقول: إنه يغفر ما دون الشرك من الصغائر من غير توبة، قلنا: هذا فاسد من وجهين... إلخ». تفسير التبيان، الطوسي (3/218 - 219).


لتحميل الملف pdf

تعليقات